ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ

ثم قال جل وعلا : فقطع دابر القوم الذين ظلموا [ الأنعام : آية ٤٥ ] ( الدابر ) : اسم فاعل دبر القوم يدبرهم، العرب تقول : " دبره يدبره " إذا كان يمشي خلفه ؛ لأنه يمشي عند دبره. كما تقول العرب : " قفاه ". إذا كان يمشي عند قفاه وقفينا من بعده بالرسل [ البقرة : آية ٨٧ ] وأولاد الناس كأنها دابر لهم يدبرهم ويتبعهم، كلما انقضى قرن دبره قرن. أي : كان ذلك القرن تابعا له، كأنه يمشي عند دبره كما يمشي التابع عند دبر المتبوع، فالدابر يقال للخلف، وآخر القوم، كأولادهم. ومعنى ( قطع دابرهم ) : استؤصلوا ولم يبق منهم تابع ؛ لإهلاك الأولاد مع الآباء، حتى ينقرضوا كلا – والعياذ بالله جل وعلا – وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي :

فأهلكوا بعذاب حص دابرهم فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا
( حص دابرهم ) : يعني قطع دابرهم، وأهلك البقية، فلم يبق منهم تابع ؛ لأن الولد كأنه دابر للوالد، أي : تابع له يقفوه من بعده ويحيي ذكره بعد موته. ومعنى :( قطع الدابر ) أنه هلك الأولاد والآباء، وانقضى الجميع، فلم يبق منهم تابع. وهذا معنى قوله : فقطع دابر القوم الذين ظلموا .
و ( الظلم ) هنا معناه : الشرك. كقوله : إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : آية ١٣ ] والكافرون هم الظالمون [ البقرة : آية ٢٥٤ ] ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين [ يونس : آية ١٠٦ ].
ثم قال : والحمد لله رب العالمين [ الأنعام : آية ٤٥ ] أثنى الله ( جل وعلا ) على نفسه الكريمة بهذا الثناء العظيم ؛ ليعلم خلقه أن يحمدوا الله ( جل وعلا ) ويثنوا عليه عند إهلاكه الظلمة الذين ليس فيهم خير، وليس فيهم إلا الشر للبلاد والعباد، فإراحة المسلمين من الظلمة الذين ليس فيهم إلا الضرر، من غير أن يكون هنالك نفع، نعمة من نعم الله، علم الله خلقه أن يحمدوه عليها.
و ( الحمد ) في لغة العرب : هو الثناء باللسان على المحمود بجميل صفاته، سواء كان من باب الإحسان، أو من باب الاستحقاق. وهو معنى معروف في كلام العرب.
و ( الشكر ) في لغة العرب : فعل ينبىء على تعظيم المنعم بسبب كونه منعما. إلا أن الشكر اصطلاحا هو الحمد لغة، والحمد لغة هو الشكر اصطلاحا.
والمعنى : كل ثناء جميل ثابت لخالق/ السماوات والأرض. فمعنى : رب العالمين أنه سيد الخلائق ومدبر شؤونهم الذي لا يستغنون عنه طرفة عين، وكل من يدبر الأمور ويسوسها تقول العرب له ( ربا )، و ( الربابة ) : سياسة الأمور وتدبيرها، تقول العرب : " فلان رب هذا الحي ". يعنون أنه هو المدبر شؤونه. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول علقمة بن عبدة التميمي :
وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي وقلبك ربتني فضعت ربوب
معنى :( ربتني ربوب ) أي : ساستني ساسة، وملكتني ملوك قبلك.
وهذا معنى معروف في كلام العرب، تقول العرب : " ربه يربه "، إذا ساسه ودبر شأنه. وقد عرفتم في السيرة أن صفوان ابن أمية بن خلف طلب من النبي صلى الله عليه وسلم مهلة ينظر في نفسه، واستعار النبي صلى الله عليه وسلم منه بعض السلاح والدروع، وحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة حنين، وكان معه رجل آخر، فلما وقع بالمسلمين ما وقع، حيث صلوا الصبح في غلس الصبح، تبقى بقية من الظلام، وانحدروا في وادي حنين، ووجدوا مالك ابن عوف النصري ألبد لهم هوازن في مضيق من مضايق وادي حنين، وشدوا عليهم شدة رجل واحد، وهم في غفلة، حتى كانت الرماح والسهام كأنها مطر تزعزعه الريح، ووقع بالمسلمين ما وقع حيث قال الله : ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين [ التوبة : آية ٢٥ ] فعند هذا قال ذلك الرجل الذي مع صفوان : الآن بطل سحر محمد صلى الله عليه وسلم. وظنوا أن الهزيمة ستستمر، وأن هوازن يغلبونه ويملكون. فقال له صفوان بن أمية – وهو عدو في ذلك الوقت للنبي صلى الله عليه وسلم – قال لذلك الرجل : اسكت فض فوك، لئن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. قوله : " يربني " يعني : يسودني فيسوسني ويدبر شؤوني. هذا أصله معنى ( الرب ). والرب الحقيقي الذي يدبر خلائق الكون هو خالق السماوات والأرض ( جل وعلا )، لا تقع في الدنيا تحريكة ولا تسكينة إلا بمشيئته وتدبيره.
و العالمين : يطلق على أهل السماوات وأهل الأرض وما بينهما، فالعالم اسم لما سوى الله، وقد دلت آية من سورة الشعراء أن ( العالمين ) شامل لأهل السماوات والأرض وما بينهما، حيث قال الله : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين [ الشعراء : الآيتان ٢٣ *** ٢٤ ] وهذا معنى قوله : والحمد لله رب العالمين .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير