(فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)
* * *
الفاء هنا للتفريع على ما قبلها، و (دَابِرُ الْقَوْمِ) أي آخر. والدابر هو الآخر وإذا قطع الدابر، فإن معنى ذلك أن القطع سرى من الأول حتى وصل إلى الدابر، وإطلاق الدابر بمعنى الآض جاء في كلام العرب، ومن ذلك قول بعضهم: " إن من الناس من لَا يأتي الصلاة إلا دابرا " أي آخر الوقت والدابر تجيء بمعنى الأصل.
والمؤدى واحد في النص الكريم، أي قطع الذين ظلموا عن آخرهم، وذلك بسبب
ظلمهم، وظلمهم كان لأنهم أشركوا بالله تعالى: (... إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومن كان يشرك برب العباد لابد أن يظلم العباد، فمن الذي يتقوه من بعده. وظلموا أنفسهم؛ لأنه سبقت العظات والمعاملات ولم يعتبروا فاستحقوا ما نزل بهم.
وقد ختم الله تعالى النص بقوله: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يعلمنا الحمد لله عند زوال الظالمين، فهلاك الظلمة والطغاة نعمة تستوجب الحمد والثناء، ويقول في ذلك الزمخشري: " (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم وأجزل القيم ".
ونظير هذا النص الكريم قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى...).
ووصفه سبحانه بـ (رَبِّ الْعَالَمِينَ) إيذان بأن القضاء على الذين ظلموا بعد أن اختبروا بالبأساء والضراء، ثم بالسراء والنعماء هو من تقدير الربوبية، وتدبيره سبحانه رب العالمين.
* * *
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)
* * *
فى الآيات السابقة بين الله تعالى ما عامل به الأمم السابقة بعد أن جاءتهم رسلهم بالبينات، فاختبرهم سبحانه وتعالى بالبأساء تنزل بهم، والضراء تمس أحياءهم، رجاء أن يعرفوا ضعفهم بجوار قدرة ربهم، وأن تربي الشدائد نفوسهم، فمن لم يتجه إلى الله، ويكفر بعد كشف الضراء عنهم، ويقسو قلبه وينسى ما ذكر به من شدائد، يختبره بالنعمة، يفرحون بها، ويذوقون حلاوتها، ثم ينزل بهم الحرمان ويأخذهم بغتة بالشدائد ويكون ذلك أقسى من الأول إذ يتحيرون ويقطع دابرهم، وفي هذه يبين لهم سبحانه نعمة الله عليهم في الخلق والتكوين، ويذكرهم باتجاههم إليه إن أخذ سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم أفلا يدركون، فقال تعالى:
صفحة رقم 2503زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة