وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ٦٨ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون ٦٩ وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ٧٠
أنذر الله تعالى في الآيات السابقة هذه الأمة- أمة الدعوة- مثل العذاب الذي بعثه على مكذبي الرسل من الأولين وعلى المتفرقين المختلفين في دينهم من أهل الكتاب، وجعل ذلك مع ما قبله من حجج القرآن وآياته المثبتة لكونه من عند الله، لا من عند رسوله الأمي الذي لم يكن يعلم شيئا من أخبار الأمم ولا من سنن الله في مكذبي الرسل ومتبعيهم، تلك الآيات التي يرجى لمن تدبرها فقه الأمور وإدراك حقائق العلم. وذكر بعد هذا الإنذار والبيان تكذيب قريش بالقرآن، وكون الرسول مبلغا لا خالقا للإيمان، وإحالتهم في ظهور صدق أنبائه على الزمان. ثم بين في هذه الآيات كيف يعامل الذين يخوضون في آيات الله بالباطل من هذه الأمة – أعني أمة الدعوة والذين اتخذوا دينهم هزؤا ولعبا من كفارها الذين لم يجيبوا دعوتها، بما يعلم منه حكم من يدخل في عموم ذلك ممن أجابوهما، على نحو ما تقدم في الآيات التي قبلها.
أشرنا في تفسير الآية السابقة إلى أن جعل هذه الآية في جماعة المتقين تدل على أنهم هم المرادون فيما قبلها بخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم من دونه ويؤكده الرجوع إلى الخطاب في قوله : وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا [ الأنعام : ٧٠ ] تقدم تفسير اللعب واللهو ونكتة تقديم أحدهما على الآخر في تفسير الآية ٣٢ ( ج ٧ ) والمعنى هنا : ودع أيها الرسول- ومثله فيه من تبعه من المؤمنين- الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا من هؤلاء المشركين وهم المقصودون أولا وبالذات، ومثلهم كل من يعمل على شاكلتهم من المؤمنين وأهل الكتاب، وغرتهم الحياة الدنيا الفانية فآثروها على الحياة الآخرة الباقية، بل أنكرها المشركون، ولم يستعد لها الفاسقون. أما اتخاذهم دينهم لعبا ولهوا ففيه وجوه : المتبادر منها أن أعمال دينهم التي يعملونها لما لم تكن مزكية للأنفس ولا مهذبة للأخلاق، ولا واقعة على الوجه الذي يرضي الرحمن، ويعد المرء للقائه في دار الكرامة والرضوان، ولا مصلحة لشؤون الاجتماع والعمران، كانت إما صرفا للوقت فيما لا فائدة فيه وهو معنى اللعب، وإما شاغلة عن بعض الهموم والشؤون وهو اللهو. ويظهر في أعمال الدين الاجتماعية كالمواسم والأعياد، وقد روي القول به عن ابن عباس، قال : جعل الله لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله تعالى، ثم إن الناس أكثرهم من المشركين وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لهوا ولعبا غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله تعالى اه وهو يريد أن هذا مما تدل عليه الآية لا أنه كل المراد منها، وهذا أحد وجوه خمسة ذكرها الراوي في الآية وجعله الرابع.
وأما الوجوه الأخرى : فأولها : أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوا ودعوا إليه- وهو دين الإسلام- لعبا ولهوا حيث سخروا واستهزأوا به. الثاني : اتخذوا ما هو لعب ولهو ومن عبادة الأصنام دينا لهم. الثالث : أن الكفار كانوا يحكمون في دين الله بمجرد التشهي والتمني مثل تحريم السوائب والبحائر، وما كانوا يحتاطون في أمر الدين البتة ويكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر الله عن ذلك بأنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا. الخامس : قال- وهو الأقرب- إن المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه أقام الدليل على أنه حق وصدق وصواب، فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة الخصم وجمع الأموال فهم الذين نصروا الدين للدنيا، وقد حكم الله على الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب ولهو، فالمراد من قوله : وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه، وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة، وداخلين تحت هذه الحالة، والله أعلم اه.
أقول كان ينبغي أن يذكر نحوا من هذا في تفسير وغرتهم الحياة الدنيا [ الأنعام : ٧٠ ] وقد جعل هو هذه الجملة مؤيدة له وجعله هو المراد من اللعب واللهو، ذاهلا عن كونه لا يظهر في كفار قريش الذين قصدوا به أولا وبالذات. والوجه الأول اعتمده المتأخرون وفيه أنه مخالف لقوله تعالى : لكم دينكم ولي دين [ الكافرون : ٦ ] وقوله : الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا فالله تعالى لا يضيف دين الإسلام إلى الكفار. ومعنى غرتهم الحياة الدنيا أنها خدعتهم وأغفلتهم عن أنفسهم وما هي مستعدة له من الكمال، وعن كون البعث حقا والعدم المحض من المحال، فاشتغلوا بلذاتها الحقيرة الفانية المشوبة بالمنغصات، عما جاءهم من الحق مؤيدا بالحجج القيمة والآيات البينات، فاستبدلوا الخوض فيها، بما كان يجب من فقهها وتدبرها.
وهذا الأمر بترك هؤلاء المغرورين قد جاء على سبيل التهديد كقوله : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون [ الحجر : ٣ ] وهو تهديد بعذاب الدنيا بدليل قوله بعده : وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم* ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون [ الحجر : ٤، ٥ ] وورد مثله بعذاب الآخرة ( ٤٣ : ٨٣ و ٧٠ : ٤٢ ) وقيل المراد به الأمر بالكف عنهم وترك التعرض لهم وأنه نسخ بآية القتال، روي عن قتادة وضعفه المحققون. وإذا لم يتضمن معنى التهديد كان معناه ذرهم ولا تهتم بخوضهم ولا تكذيبهم وعليك ما كلفته وحملته من تبليغ دعوة ربك، وذلك قوله عز وجل :
وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت البسل مصدر بسله يطلق بمعنى حبس الشيء ومنعه بالقهر وبمعنى الرهن والإباحة، وأبسل الشيء كبسله أسلمه للهلاك ومنه أسد باسل ورجل باسل أي شجاع ممتنع على أقرانه أو مانع لما يريد حفظه أن ينال. والضمير في قوله :« به » للقرآن المعلوم بقرينة الحال لأنه هو الذكر الذي بعث به الرسول المذكر، وبقرينة النقال كقوله تعالى : فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ ق : ٤٥ ] والقرآن يفسر بعضه بعضا كما قالوا. وروي عن ابن عباس ثلاثة أقوال في معنى الإبسال- الفضيحة والإسلام للهلاك والحبس في النار، وكان الأخير جوابه لنافع بن الأزرق، قال نافع أو تعرف العرب ذلك في كلامها ؟ قال نعم أما سمعت زهيرا وهو يقول :
| وفارقَتْكَ برهنٍ لا فكاك له | يوم الوداع وقلبٍ مبسل غلقا١ |
ثم وصف تعالى النفس المبسلة أو علل إبسالها بقوله : ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع أي ليس لها من غير الله ولي أي ناصر ينصرها، أو قريب يتولى أمرها، ولا شفيع يشفع لها عند الله تعالى : ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع [ غافر : ١٨ ] في يوم وصفه تعالى بقوله : لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة [ البقرة : ٢٥٣ ] والأمر فيه لله وحده قل لله الشفاعة جميعا [ الزمر : ٤٥ ] – من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [ البقرة : ٢٥٤ ] - ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [ سبأ : ٢٤ ] – ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون [ الأنبياء : ٢٨ ] فكل نفس تأتيه في ذلك اليوم وهو تعالى غير راض عنها فهي مبسلة بما كسبت من سيء عملها.
وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها العدل بالفتح ما عادل الشيء وساواه من غير جنسه كما تقدم في تفسير أو عدل ذلك صياما [ المائدة : ٩٨ ]، وهو هنا بمعنى الفداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله كما قال الزمخشري، وعدل هذا يتعدى إلى المفعول به بالباء كما قال في أول هذه السورة بربهم يعدلون [ الأنعام : ١ ] فكل عدل منصوب هنا على المصدرية لا المفعولية والمعنى : وإن تفد النفس المبسلة كل نوع من أنواع الفداء لا يؤخذ منها- أي لا يقع الأخذ منها ولا يحصل – فهو على حد أكل من القصعة، وسير من البلد لأن العدل وهو مصدر لا يؤخذ أخذا، ويجوز أن يتضمن الأخذ معنى القبول وأن يعاد الضمير على العدل وهو الفداء بمعنى المفدى به وإن عد هنا من قبيل الاستخدام. وقد استعمل العدل في سورة البقرة بمعنى المعدول به أي الفدية وأسند إلى الأخذ وإلى القبول، قال واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون [ البقرة : ٤٧ ] وقال : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون [ البقرة : ١٢٢ ] والمراد من هذه الآيات وما في معناها إبطال أصل من أصول الوثنية وهو تعليق النجاة في الآخرة ( كنيل كثير من المقاصد في الدنيا ) بتقديم الفدية أو بشفاعة الشافعين، وتقرير أصل الدين الإلهي وهو أن النجاة في الآخرة ورضوان الله والقرب منه لا تنال إلا بما شرعه الله على ألسنة رسله من الإيمان والإسلام- وبعبارة أخرى بالعمل الصالح الذي تتزكى به الأنفس مع الإيمان الإذعاني بالله وبرسله وما جاؤوا به، ومن أبسلهم كسبهم للسيئات والخطايا واتخاذهم الدين لعبا ولهوا وغرورهم بالحياة الدنيا فلا تنفعهم شفاعة ولا تقبل منهم فدية.
أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا أي أولئك الموصوفون بما ذكرهم الذين أسلموا للهلكة وارتهنوا وحبسوا عن دار السعادة بسبب ما كسبوا من الأوزار والآثام حتى أحاطت بهم خطاياهم ولم يكن لهم من دينهم الذي اتخذوه لعبا ولهوا ما يزجرهم عنها. وماذا يكون جزاؤهم بعد الإبسال ؟ لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ( ٧٠ ) أي لهم شراب من ماء حميم وهو الشديد الحرارة- ويطلق على الشديد البرودة أيضا- وعذاب شديد الألم بسبب كفرهم، الذي ظلوا مستمرين عليه طول حياتهم، حتى صرفهم عما جعله الله تعالى- لو اتبعوه- سبب نجاتهم. أو التقدير : أولئك المبسلون بكسبهم لهم شراب من حميم وعذاب أليم باستمرارهم على كفرهم. وبهذا ظهر الفرق بين التعليل الأول بالكسب والتعليل الثاني بالكفر فالأول ذكر بصيغة الماضي والثاني بصيغة المستقبل الدال على الاستمرار. فلولا رسوخهم في الكفر الذي أفسد فطرتهم حتى أصروا عليه إصرارا دائما دل على أنه لم يبق فيهم استعداد للحق والخير لما كان مجرد كسب بعض السيئات المنقطعة ينهض سببا لهلاكهم ووقوعهم في هذا العذاب كله. وفي الآية أكبر العبر لمن يفقه الكلام، ولا يغتر بلقب الإسلام، فإنما المسلم من اتخذ إمامه القرآن وسنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، لا من اغتر بالأماني والأوهام، وانخدع بالرؤى والأحلام.
والبيت من البسيط، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٣٣، ولسان العرب (غلق)، وكتاب العين ٥/٢٨٤، ومجمل اللغة ٤/١٦، وديوان الأدب ٢/٢٤٦، وأساس البلاغة (فكك) وتاج العروس (فكك)، (غلق)..
تفسير المنار
رشيد رضا