ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

قوله : وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً أي اترك هؤلاء الذين اتخذوا الدين الذي كان يجب عليهم العمل به والدخول فيه لعباً ولهواً، ولا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت، وإن كنت مأموراً بإبلاغهم الحجة. وقيل : هذه الآية منسوخة بآية القتال. وقيل المعنى : أنهم اتخذوا دينهم الذي هم عليه لعباً ولهواً، كما في فعلهم بالأنعام من تلك الجهالات والضلالات المتقدم ذكرها.
وقيل : المراد بالدين هنا العيد، أي اتخذوا عيدهم لعباً ولهواً، وجملة : وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا معطوفة على اتخذوا أي غرّتهم حتى آثروها على الآخرة وأنكروا البعث وقالوا : إِنْ هِي إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ .
قوله : وَذَكّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ الضمير في بِهِ للقرآن أو للحساب. والإبسال : تسليم المرء نفسه للهلاك، ومنه أبسلت ولدي، أي رهنته في الدم، لأن عاقبة ذلك الهلاك. قال النابغة :

ونحن رهناً بالإفاقة عامراً بما كان في الدرداء رهناً فأبسلا
اه
أي فهلك، والدرداء : كتيبة كانت لهم معروفة بهذا الاسم، فالمعنى : وذكر به خشية أو مخافة أو كراهة أن تهلك نفس بما كسبت، أي ترتهن وتسلم للهلكة، وأصل الإبسال : المنع، ومنه شجاع باسل، أي ممتنع من قرنه.
قوله : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَ يُؤْخَذ مِنْهَا العدل هنا : الفدية. والمعنى : وإن بذلت تلك النفس التي سلمت للهلاك كل فدية لا يؤخذ منها ذلك العدل حتى تنجو به من الهلاك، وفاعل يُؤْخَذْ ضمير يرجع إلى العدل، لأنه بمعنى المفدى به كما في قوله : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وقيل : فاعله منها، لأن العدل هنا مصدر لا يسند إليه الفعل. وكل عدل منصوب على المصدر، أي عدلاً كل عدل، والإشارة بقوله أولئك إلى المتخذين دينهم لعباً ولهواً، وحبره الذين أبسلوا بما كسبوا أي هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً هم الذين سلموا للهلاك بما كسبوا، و لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ جواب سؤال مقدّر كأنه قيل : كيف حال هؤلاء ؟ فقيل : لهم شراب من حميم، وهو الماء الحارّ، ومثله قوله تعالى : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ الحميم وهو هنا : شراب يشربونه فيقطع أمعاءهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ يقول : كذبت قريش بالقرآن وَهُوَ الحق وأما الوكيل فالحفيظ، وأما لّكُلّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ فكان نبأ القوم استقرّ يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله : [ لست ] عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ قال : نسخ هذه الآية آية السيف فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ يقول : حقيقة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال في قوله : لكل نبإ مستقر قال : حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها أرسلت عقوبتها. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله لّكُلّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ قال : فعل وحقيقة ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِي آياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ونحو هذا في القرآن قال : أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِي آياتنا قال : يستهزئون بها، نهى محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم وذلك قول الله : فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين . وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن سيرين أنه كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم في الحلية، عن أبي جعفر قال : لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن محمد بن علي قال : إن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله. وأخرج أبو الشيخ، عن مقاتل قال : كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاضوا واستهزءوا، فقال المسلمون : لا تصلح لنا مجالستهم نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فلا نعيب عليهم، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ أيضاً عن السديّ أنه قال : إن هذه الآية منسوخة بآية السيف.
وأخرج النحاس عن ابن عباس في قوله : وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم من شَيء قال : نسخت هذه الآية المكية بالآية المدنية، وهي قوله : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيات الله يُكَفَرُ بِهَا الآية. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن مجاهد وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيء إن قعدوا ولكن لا يقعدوا. وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة، عن عمر بن عبد العزيز، أنه أتى بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم فضربه وقال : لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً قال : هو مثل قوله : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً يعني أنه للتهديد. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، عن قتادة، في هذه الآية قال : نسختها آية السيف. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه في قوله : لَعِباً وَلَهْواً قال : أكلاً وشرباً. وأخرج ابن جرير، والمنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : أَن تُبْسَلَ قال : أن تفضح، وفي قوله : أُبْسِلُواْ قال : فضحوا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه في قوله : أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ قال : أسلموا بجرائرهم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قوله : قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله قال : هذا مثل ضربه الله للآلهة وللدعاة الذين يدعون إلى الله. وقوله : كالذي استهوته الشياطين فِي الأرض يقول : أضلته، وهم الغيلان يدعونه باسمه، واسم أبيه، وجدّه، فيتبعها ويرى أنه في شيء فيصبح وقد ألقته في هلكة، وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض، يهلك فيها عطشاً. فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قوله : كالذي استهوته الشياطين قال : هو الرجل لا يستجيب لهدي الله، وهو الرجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد عن الحق وضلّ عنه، و لَهُ أصحاب يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس يقول : إِنَّ الهدى هُدَى الله والضلالة ما تدعو إليه الجن.
وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن عبد الله بن عمرو قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال :«قرن ينفخ فيه» والأحاديث الواردة في كيفية النفخ ثابتة في كتب الحديث لا حاجة لنا إلى إيرادها ها هنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله : عالم الغيب والشهادة يعني : إِن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية