تفسير المفردات : البسل : حبس الشيء ومنعه بالقهر، ومنه شجاع باسل، أي مانع لما يريد حفظه أن ينال وفسر هنا بالحبس في النار، وبالحرمان من الثواب وبالفضيحة، وتعدل : تفد، والعدل : الفداء : والحميم : الشديد الحرارة، وأليم : شديد الألم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر في الآيات السابقة تكذيب قريش بالقرآن، وكون الرسول مبلغا لا خالقا للإيمان، وأحالهم في ظهور صدق أنبائه وأخباره على الزمان.
بين في هذه الآيات السبيل في معاملة من يخوض في آيات الله بالباطل، ومن يتخذ دين الله هزوا ولعبا من الكفار الذين لم يجيبوا الدعوة.
روي عن سعيد بن جبير وابن جريح وقتادة ومقاتل والسدي : أن هذه الآية نزلت في المشركين المكذبين الذين كانوا يستهزئون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم. وروي عن ابن عباس وأبي جعفر ومحمد بن سيرين أنها نزلت في أهل الأهواء والبدع من المسلمين الذين يؤولون الآيات بالباطل لتأييد ما استحدثوا من المذاهب والآراء وتفنيد أقوال خصومهم بالجدل والمراء.
وبعد أن أمر رسوله بالإعراض عمن اتخذ آيات الله هزوا أمره بترك المستهزئين بدينهم الذين غرتهم الحياة الدنيا فقال : وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا . الإيضاح : وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا أي ودع أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين هؤلاء المشركين الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا الفاتنة فآثروها على الحياة الباقية، واشتغلوا بلذاتها الحقيرة الفانية المشوبة بالمنغصات، عما جاءهم من الحق مؤيدا بالحجج والآيات، فاستبدلوا الخوض فيها بما كان يجب من فقهها وتدبرها.
ونحو الآية قوله تعالى : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون [ الحجر : ٣ ].
واتخاذهم دينهم هزوا ولعبا، أنهما لما عملوا ما لا يزكي نفوسهم، ولا يطهر قلوبهم ولا يهذب أخلاقهم ولا يقع على وجه يرضي الله سبحانه، ولا يعِدّ للقائه في دار الكرامة، أضاعوا الوقت فيما لا يفيد وهذا هو اللعب، أو شغلوا عن شؤونهم وهمومهم الأخرى وهذا هو اللهو.
وخلاصة المعنى : أعرض عنهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، ولا تقم لعلمهم في نظرك وزنا.
وبعد أن أمره بترك المستهزئين بدينهم أمره بالتذكير بالقرآن وتبليغ الرسالة فقال :
وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت الضمير في قوله " به " يعود إلى القرآن المعلوم بقرينة الحال، لأنه هو الذكر الذي بعث به الرسول المذكر : أي وذكر الناس وعظهم بالقرآن اتقاء أن تبسل كل نفس في الآخرة بما كسبت أي اتقاء حبسها أو رهنها في العذاب، وتفاديا من ذلك بما بينه الذكر الحكيم من أسباب النجاة والسعادة في هذه الدار كما قال : كل نفس بما كسبت رهينة٣٨ إلا أصحاب اليمين [ المدثر : ٣٨ ٣٩ ].
ثم وصف النفس المسلمة وعلل إبسالها فقال :
ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع أي والحال أنه ليس لها من غير الله ولي ولا ناصر ينصرها ولا شفيع يشفع لها عند الله كما قال ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع [ غافر : ١٨ ] وقال : قل لله الشفاعة جميعا [ الزمر : ٤٤ ] وقال : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون [ الأنبياء : ٢٨ ].
ثم أرشد إلى أنه لا ينفع في الآخرة إلا صالح العمل لا الشفعاء والوسطاء فقال :
وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أي وإن تفد النفس المبسلة كل نوع من أنواع الفداء لا يؤخذ منها ولا يقبل، والمراد : أنه لا يقع الأخذ ولا يحصل.
وهذا كقوله في سورة البقرة : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون [ البقرة : ١٢٣ ].
والخلاصة : إن النفس المبسلة تمنع في ذلك اليوم من أي وسيلة من وسائل النجاة، فلا ولي ولا حميم، ولا شفيع، ولا فداء، إلى نحو أولئك مما ربما نفع في مقاصد الدنيا وأنجز بعض المنافع.
وفي هذا إبطال لأصل من أصول الوثنية وهو رجاء النجاة في الآخرة كما هو الحال في الدنيا بتقديم الفدية لله تعالى أو بشفاعة الشافعين ووساطة الوسطاء عنده تعالى، وتقرير لأصل ديني وهو أن لا نجاة في الآخرة ولا رضوان من الله ولا قرب منه إلا بالعمل بما شرعه على ألسنة رسله من إيمان به وعمل صالح يزكي النفس ويطهرها، أما من دسّى نفسه وأبسله كسبه للسيئات والخطايا واتخذ دين الله هزوا ولعبا وغرته الحياة الدنيا فلا تنفعه شفاعة ولا تقبل منه فدية.
ثم بين أن هذا الإبسال كان بسوء صنيعهم فقال :
أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا أي أولئك المتخذون دينهم هزوا ولعبا المغترون بالحياة الدنيا، هم الذين حرموا الثواب، وأسلموا للعذاب، وحبسوا عن دار السعادة، بسبب ما كسبوا من الأوزار والآثام حتى أحاطت بهم خطاياهم، ولم يكن لهم من دينهم الذي اتخذوه زاجر ولا مانع يرشدهم إلى التحول عن تلك الأعمال القبيحة، ويصدهم عن العقائد الزائفة.
ثم بين سبحانه ما يكون من الجزاء حين أبسلوا فقال :
لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون أي لهم شراب من ماء حميم : أي بالغ الغاية في الشدة يتردد في بطونهم وتنقطع به أمعاؤهم، وعذاب شديد الألم بنار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم الذي ظلوا عليه طول حياتهم حتى صرفوا عما جعل وسيلة للنجاة لو اتبعوه.
والخلاصة : إن رسوخهم في الكفر أفسد فطرتهم حتى لم يبق فيهم استعداد للحق والخير.
وفي ذلك عبرة لمن يفقه القرآن ولا يغتر بلقب الإسلام، ويعلم أن المسلم من اتخذ القرآن إمامه وسنة الرسول طريقه، لا من اغتر بالأماني والأوهام، ولا من ركن إلى شفاعة الشافعين، والأولياء والناصرين.
تفسير المراغي
المراغي