الإبسال : قيل : إنها بمعنى الهلاك. وقيل : إنها بمعنى الارتهان والحبس، وهي هنا بالمعنى الأول.
وإن تعدل كل العدل : بمعنى وإن تفتد بكل فدية.
في الآيات نهي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مجالسة الكفار إذا ما سمعهم ورآهم يخوضون في آيات الله خوضا خارجا عن حدود الأدب والحق. وإذا أنساه الشيطان ذلك ثم ذكر النهي فليبادر إلى ترك مجلسهم، وتقرير بأن المتقين لا يتحملون إثم الكفار في عملهم، ولكن النهي تذكير لهم ليبتعدوا عن مجالس الظالمين الآثمين.
وأمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بألا يهتم للذين غرتهم الحياة الدنيا وما تيسر لهم فيها من مال وقوة ورغد عيش وجعلوا الدين لعبا ولهوا، وأن يتركهم ويكتفي بتبليغ رسالته وإنذار الناس حتى لا يهلكوا أنفسهم ويصبحوا رهينة بما كسبوا يوم لا يكون لهم من دون الله ولي ولا شفيع، ولا يؤخذ منهم فدية مهما عظمت حيث يعذبون أشد العذاب مع شرب الماء الحار جدا جزاء ما كانوا يقترفون ويفترون.
تعليق على آية
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
ولقد روى الطبري أن المشركين كانوا يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحبون أن يسمعوا منه فإذا سمعوا استهزأوا، فنزلت الآية الأولى. وروى الطبرسي والبغوي والخازن أن المسلمين قالوا حينما نزلت هذه الآية : كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدا ونخاف أن نتركهم ولا ننهاهم ! فنزلت الآية الثانية.
ويتبادر لنا من عطف الآيات على ما سبقها وانسجام الآيتين الأوليين بالآيات التالية لها أن الآيات وحدة مترابطة، وأنها استمرار للسياق المستأنف في حكاية موقف الكفار، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتأذى من استهزاء الكفار – الذين يجلس إليهم ويجلسون إليه – بالقرآن الذي يتلوه عليهم، وبالمواعظ والنذر التي يوجهها إليهم، ويتحرج من ترك مجالسهم وإهمال إنذارهم، فنزلت الآيات تسلية له ورفع للحرج عنه وبيانا لمدى مهمته ومسؤوليته وإنذار للكفار في وقت نفسه.
ومع أن الخطاب في الآية الأولى قد يكون منصرفا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقرينة ضمير المخاطب المفرد فإن نص الآية الثانية يسوغ القول بأن الحظر الذي احتوته الآية الأولى ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما هو عام للمسلمين. وقد يكون من دعائم ذلك آية سورة النساء هذه : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم مثلهم [ ١٤٠ ] حيث احتوت الآية إشارة إلى آيات الأنعام التي نحن في صددها.
ويلحظ أن النهي محدود بوقت الخوض وبمن يقترفونه، وهو المتسق مع مهمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين التبشيرية.
ولقد تكررت الآيات المكية التي فيها إشارة إلى خوض الكفار والمشركين والمنافقين منها آية في سورة المدثر التي سبق تفسيرها كنا نخوض مع الخائضين( ٤٥ ) وآية في سورة الطور الذين هم في خوض يلعبون( ١٢ ) وآية في سورة الزخرف فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ( ٨٣ ) وآية أخرى في سورة الأنعام ستأتي بعد قليل، حيث يبدو من هذا أن ذلك كان من ديدنهم ومن جملة الصور التي كانوا يواجهون بها دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن، مع التنبيه إلى أن آية النساء التي أوردناها قد نزلت بخاصة في خوض المنافقين على ما يتبادر من سياقها، على ما سوف يشرح في مناسبته.
ولقد قال بعض المفسرين١ : إن آية النساء المذكورة قد نسخت هذه الآية ولسنا نرى في آية النساء نسخا بل نرى توكيدا. فآية الأنعام لم تسمح بالقعود مع الخائضين وإنما تسامحت في نسيان أمر الله بذلك وأوجبته في حالة التذكر.
ولقد روى الطبري عن قتادة أن الآية قد نسخت بآيات القتال، وهذا صواب إذا كان الخوض طعنا في الدين وفي الله وكتابه ورسوله. فكل هذا صار من مستوجبات القتال بعد الهجرة على ما جاء في آية سورة التوبة هذه : وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ( ١٢ ) وهذه الحالة هي غير حالة الأمر بالصبر على الكفار والإعراض عنهم الذي تكرر في سور مكية عديدة وقال بعض المفسرين : إنه نسخ بعد الهجرة بآيات القتال. فإن هذا إنما يصح إذا رافق موقف الكفار طعن وأذى على ما شرحناه في تفسير سورة الكافرون.
ومع خصوصية الآيات وصلتها بظروف السيرة النبوية فإنها تضمنت تلقينا جليلا مستمر المدى في حظر مجالسة الهازئين الطاعنين في دين الله ورسله وكتبه والخائضين في مواضع خارجة عن الأدب والحق كما هو المتبادر. فضلا عن كون الهزء والطعن في الدين من موجبات الجهاد على المسلمين على ما ذكرناه آنفا.
تعليق على جملة
وإما ينسينك الشيطان
بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
ولقد وقف بعض المفسرين٢ عند هذه الجملة وتساءلوا عن جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم جواز تأثره بالشيطان. والآية صريحة بجواز النسيان عليه، وعلى غيره من الأنبياء. وفي القرآن آيات عديدة أخرى تؤيد ذلك. مثل آية الكهف هذه التي يخاطب بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : واذكر ربك إذا نسيت ( ٢٤ ) وآية طه ( ١١٥ ) بالنسبة لآدم وآية الكهف ( ٦٢ ) بالنسبة لموسى. وقد أمر الله رسوله والمؤمنين بالدعاء لله بأن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا في الآية الأخيرة من سورة البقرة.
وهو منبثق من طبيعة الأنبياء البشرية. وهناك أحاديث عديدة عن نسيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها حديث رواه الخمسة عن عبد الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر خمسا فقيل له : أزيد في الصلاة، فقال وما ذاك ؟ قال صليت خمسا فسجد سجدتين بعدما سلم وفي رواية قال : أنا بشر مثلكم كما تذكرون وأنسى كما تنسون ثم سجد سجدتي السهو )٣.
ويتبادر لنا أن نسبة الإنساء للشيطان في الجملة هو تعبير أسلوبي أو هو وسوسة الشيطان التي تجوز على كل إنسان، وهي ليست من قبيل سلطان الشيطان الذي نبهت آيات عديدة على أن ذلك ليس واردا بالنسبة لعباد الله المخلصين الذين يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقدمتهم.
وإنساء الشيطان أيسر من نزغ الشيطان، ومع ذلك ففي آية سورة الأعراف التي سبق تفسيرها ما يجعل النزغ الشيطاني جائزا بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما شرحناه في سياقها. وجواز السهو والنسيان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما يحتمل في الشؤون البشرية والدنيوية. أما الشؤون الدينية والتبليغ عن الله تعالى فالمتفق عليه عند الجمهور أنه معصوم عنهما وهو الحق٤.
وقد استنبط بعضهم٥ من الآية الأولى التي فيها هذه الجملة رفع مسؤولية ما يقع من الإنسان من أمور محظورة نسيانا وسهوا وخطأ غير معتمد. وأيدوا ذلك بالحديث النبوي الذي رواه ابن ماجه وأبو داود وجاء فيه :( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )٦. وفي سورة الأحزاب هذه الآية : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ( ٥ ) وقد علم الله كما قلنا رسوله والمؤمنين بالدعاء بأن لا يؤاخذهم إذا نسوا أو أخطأوا ومقتضى حكمة ذلك الاستجابة لهذا الالتماس. وفي حديث رواه البخاري والترمذي أن الله تعالى كان يوحي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما أنزل آخر آيات البقرة بكلمة : نعم عند كل مقطع من مقاطع الالتماسات التي في هذه الآية٧.
وننبه على أن في سورة النساء آية ترتب الكفارة والدية على قتل الخطأ، وهي الآية [ ٩٦ ] ولا نرى هذا متعارضا مع ذاك لأنه ليس في الترتيب عقوبة على إثم، وإنما فيه تعويض عن حق وتوبة إلى الله بالكفارة للتنبيه على ما في إزهاق النفس من خطورة ولو كان ذلك خطأ. والله تعالى أعلم
التفسير الحديث
دروزة