المعنى الجملي : اعلم أنه سبحانه بعد أن حكى عن إبراهيم صلوات الله عليه أنه أظهر حجة الله في التوحيد، وعدد وجوه نعمه وإحسانه إليه، ذكر هنا أنه جعله عزيزا في الدنيا، إذ جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من ذريته وأبقى هذه الكرامة له إلى يوم القيامة.
الإيضاح : أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة المراد بالكتاب : ما ذكر في القرآن من صحف إبراهيم وموسى وزبور داود، وإنجيل عيسى، والحكم : العلم والفقه في الدين. وكل نبي آتاه الله العلم الصحيح والفقه في أمور الدين وشؤون الإصلاح وفهم الكتاب الذي تعبده به سواء أنزله عليه أم أنزله على غيره واختص بعضهم بإيتائه الحكم صبيا كيحيى وعيسى أي بإعطائه ملكة الحكم الصحيح في الأمور.
وأما الحكم بمعنى القضاء والفصل في الخصومات فلم يعطه إلا بعض الأنبياء.
أي إن أولئك الذين ذكرت أسماؤهم أوتوا الحكم والقضاء بين الناس لفصل الخصومات، وذلك مستلزم للعلم والفقه وتكون هذه العطايا الثلاث مرتبة بحسب درجات الخصوصية، فبعض النبيين أوتي الثلاث كإبراهيم وموسى وعيسى وداود، قال تعالى حكاية عن إبراهيم : رب هب لي حكما [ الشعراء : ٨٣ ] فهو قد دعا هذا الدعاء وهو رسول عليهم بعد محاجة قومه، وقال حكاية عن موسى : فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين [ الشعراء : ٢١ ] وقال عز اسمه : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق [ ص : ٢٦ ] وقال في داود وسليمان معا : وكلا آتينا حكما وعلما [ الأنبياء : ٧٩ ].
ومنهم من أوتي الحكم والنبوة كالأنبياء الذين كانوا يحكمون بالتوراة، ومنهم من لم يؤت إلا النبوة فقط.
والخلاصة : إن كل من أوتي الكتاب أوتي الحكم والنبوة، وكل من أوتي الحكم ممن ذكر كان نبيا، وما كل نبي منهم كان حاكما ولا صاحب كتاب منزل، وهذه هي مراتب الفضل بينهم صلوات الله عليهم.
فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين . أي فإن يكفر هؤلاء المشركون من أهل مكة بالكتاب والحكم والنبوة فقد وكلنا برعايتها، ووفقنا للإيمان بها وتولى نصر الداعي إليها قوما كراما ليسوا بكافرين بها، فمنهم من آمن بها ومنهم من سيؤمن عندما يدعى إليها.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :" فإن يكفر بها هؤلاء يعني أهل مكة، فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين يعني أهل المدينة والأنصار " اه.
والذي عليه المعول أن الموكلين بها هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلقا، فإن المهاجرين قد كانوا أول من آمن بها وكانوا بعد الهجرة في المقدمة في كل عمل وجهاد ولكن الأنصار هم المقصودون بالذات، لأن القوة والمنعة لم تكن إلا بهم، ومن ثم قال : ليسوا بها بكافرين والأنصار لم يكونوا عند نزول هذه السورة مؤمنين.
تفسير المراغي
المراغي