يقول الله جل وعلا : أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين [ الأنعام : آية ٨٩ ] قرأه أكثر القراء والنبوة بالإدغام، وقرأه نافع : والنبؤة بتحقيق الهمزة.
الإشارة في قوله ص إلى الأنبياء الكرام المذكورين في قوله : ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف [ الأنعام : آية ٨٤ ] إلى آخر من عد منهم. أولئك الرسل الكرام : نوح، وإبراهيم، ومن ذكر معهم الذين ءاتيناهم أي : أعطيناهم الكتاب أي : جنس الكتاب، الصادق بصحف إبراهيم، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وزبور داود، ونحو ذلك. وهذا معنى قوله أولئك الرسل المذكورون الذين ءاتيناهم أي : أعطيناهم الكتاب أي : جنسه الصادق بالكتب المنزلة عليهم.
وقوله : والحكم ، قال بعض العلماء : الحكم هو الفهم في الدين، والفصل بين الخصوم. ومعنى الحكم على هذا : هو فهم الكتاب، والاطلاع على دقائقه، والعمل بما فيه.
وقوله : والنبوة هو مصدر معنوي، معناه : أن الله جعلهم أنبياء. و( النبوة ) أصلها من ( النبأ ) في لغة العرب : الخبر الذي له شأن وخطب. لا تكاد العرب تطلق ( النبأ ) إلا على الخبر الذي له شأن. تقول : " جاءنا نبأ الأمير ". ولا تقول : " جاءنا نبأ حمار الحجام " ؛ لأن هذا لا شأن له ولا خطب. فالنبأ أخص من الخبر ؛ لأن كل نبأ خبر، وليس كل خبر نبأ ؛ لاختصاص ( النبأ ) عادة بالخبر الذي له شأن ؛ وذلك لأن الأنبياء يخبرهم الله عن طريق الوحي أخبارا لها شأن وأمر عظيم، خلافا لمن زعم أن ( النبوة ) و( النبي ) أنها من ( النبوة ) بمعنى : الارتفاع ؛ لارتفاع شأنهم بما أوحاه الله إليهم. وهذا معنى قوله : أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم والنبوة .
ثم قال : فإن يكفر بها هؤلاء الضمير في قوله : بها قال بعض العلماء : عائد إلى النبوة ؛ لأنها أقرب مذكور. فإن يكفر بالنبوة، كنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، التي هي من جنس نبوتهم، كما صرح به في قوله : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده [ النساء : آية ١٦٣ ] وقال بعض العلماء : الضمير في بها راجع إلى المذكورات الثلاث، وهي : النبوة، والحكم، والكتاب. ءاتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بالثلاث هؤلاء يعني : كفار مكة، الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن الله أعطاه النبوة، وأعطاه الكتاب. فإن كفروا بنبوته وحكمه وكتابه فقد وكلنا بها أي : بالنبوة، أو بالمذكورات قوما ليسوا بها بكافرين كأن معنى الآية : يقول الله : إن كان هؤلاء تمردوا، وكذبوا رسلي، وكفروا بي، ولم يعبودوني، فلي قوم آخرون غيرهم، يعبودونني ويوحدونني كما ينبغي. وقوله فقد وكلنا بها أي : وفقناهم للإيمان بها. أي : بالنبوة. أو : النبوة والحكم والكتاب. ومعنى وكلناهم بها : أي : وفقناهم لها، وهيأناهم لها، حتى كانوا يقدمون بها، ويحافظون عليها، كما يقوم الوكيل بما أسند إليه. وهذا معنى قوله : فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين بل هم مؤمنون بها بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم.
وهؤلاء القوم المؤمنون – الذين هم ليسوا بها بكافرين، الذين وكلهم الله بالإيمان بها – للعلماء فيهم أوجه من التفسير، لا يكذب بعضها بعضا :
أظهرها : أنهم الأنبياء المذكورون. يعني : إن كفر هؤلاء الكفرة، وكفروا بالنبوة، فلنا من صفوة خلقنا أناس طيبون يؤمنون كما ينبغي، ويعظمون الله كما ينبغي، تظهر بإيمانهم حكمة الله في خلقه الخلق، ليعبدوه ويعظموه. وعلى هذا فالقوم في قوله : قوما ليسوا بها بكافرين الأنبياء المذكورون. ويدل عليه : أنه قال بعده أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ الأنعام : آية ٩٠ ].
وقال بعض العلماء : المراد بهؤلاء القوم الذين بها، وليسوا بها بكافرين : المؤمنون من المهاجرين والأنصار، حيث تلقوه بالإيمان والعمل الصالح.
وقال بعض العلماء : هي تشمل كل مؤمن آمن بالله ( جل وعلا ). وعليه فالمعنى : إن كفر بعض خلقي وتمردوا وكذبوا رسلي فلي بعض آخر من الناس الطيبين وفقتهم للعمل والإيمان، يحصل بهم غرض التشريع، وخلق الخلق ؛ لأن الغرض الأكبر من خلق الناس : أن يعبدوا ربهم ( جل وعلا )، ويحسنوا العمل له، كما قال : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ الذاريات : آية ٥٦ ] فهؤلاء الطيبون تحصل بهم الحكمة المرادة في قوله : ليعبدون ويحسنون العمل لله، فيحصل بهم المعنى المراد في قوله : ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ هود : آية ٧ ] وهذا معنى قوله : فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين .
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير