حقيق أصل مادة ( الحاء والقاف والقاف ) في لغة العرب تدل على الثبوت وعدم الاضمحلال. معناه : إني رسول حقيق. أي : رسالتي لا شك فيها، وأني رسول ثابت في ديوان المرسلين، رسالتي حق لا شك فيها، وأني رسول مبدأ رسالته من رب العالمين.
أما على قراءة نافع فمعنى الآية واضح.
ومعنى على أن لا أقول على الله يلزمني ويجب علي أن لا أقول على الله إلا الحق، فما أخبرتك يا فرعون إلا بالحق، وأني رسول من رب العالمين، ولو ربيتني وقتلت القبطي قتلة متقدمة، كل ذلك لا ينافي أني رسول، وأني صادق في مقالتي.
ومعنى : على أن لا أقول يلزمني ويجب علي أن لا أقول على الله إلا الحق، فما قلت على الله إنه أرسلني إليك إلا وأنا قائل عليه بالحق لا كاذب عليه ولا متخرص، ومعنى قراءة نافع هذه واضح.
أما على قراءة الجمهور فمعنى الآية الكريمة مشكل ؛ لأن معنى حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق فهذا معناه لم يتبادر إلى الذهن، وللعلماء في تفسير هذه الآية أجوبة معروفة عن هذا الإشكال، أقربها عندي واحد دلت عليه القرينة القرآنية، ولا ينبغي العدول عنه ومع أنه أصوب الأقوال فيما يظهر يقل من يتطرقه من العلماء، فأكثر أقوال المفسرين لا يذكرونه فيها، أنه الصواب وإن قل من يذكره منهم، وسنذكر الآن أقوال أهل العلم في الآية –على قراءة الجمهور- الكريمة : أن ( على ) بمعنى ( الباء )، وقالوا : إن حروف الجر يخلف بعضها بعضا، قالوا : و( الباء ) تأتي بمعنى ( على )، و( على ) تأتي بمعنى ( الباء ). قالوا فمن إتيان الباء بمعنى ( على ) : ولا تقعدوا بكل صراط أي : على كل صراط، كما زعموا. ومن إتيان ( على ) بمعنى ( الباء ) قالوا : حقيق على أن لا أقول أي : حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، أي : حقيق أي : جدير وخليق بأن لا أقول على الله إلا الحق. وهذا التفسير تشهد له قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق .
قرأها أبي هكذا، وهي وإن كانت قراءة شاذة فإنها تفيد بالنسبة إلى التفسير. ومما لا ينافي هذا قراءة بعض الصحابة غير أبي : إني رسول من رب العالمين حقيق ألا أقول على الله إلا الحق . لأن هذه تحتمل تقدير الباء أيضا. فهذا قول.
القول الثاني : هو ما يزعمه بعضهم من أن قوله : حقيق مضمن معنى ( حريص ) على قراءة الجمهور، قالوا : حقيق على أن لا أقول [ الأعراف : آية ١٠٥ ] أي : حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق، واستشهد لهذا التضمين صاحب الكشاف في كشافه بالبيت الذي أنشده سيبويه في الكتاب، قال : ومثله تضمين بيت الكتاب ( هيجني ) بمعنى : ذكرني. والبيت الذي يعني هو البيت المشهور في كتاب سيبويه وهو قول الشاعر :
إذا تغنى الحمام الورق هيجني *** ولو تسليت عنها أن عمار
قالوا :( هيجني ) معناه : ذكرني أم عمار ولو تسليت عنها، وهذا القول من الأقوال التي لا تظهر، فلا يخلو عندي من بعد، والله أعلم.
وقال بعض العلماء : في الآية الكريمة قلب. وهذا القلب الذي يعنون هنا هو المعروف بالقلب العربي الذي فيه النزاع بين البلاغيين والنحويين كما هو معروف في محله. وهذا القلب أنكره جماعة من العلماء، وقال به جماعة. والحق أن هذا القلب العربي وإن أنكره البلاغيون وقالوا لا يجوز في العربية إلا إذا تضمن اعتبارا لطيفا، وسرا من أسرار اللغة العربية، وبغير ذلك لا يجوز. والنحويون يجيزه أكثرهم أنه أسلوب عربي إذا دل المقام عليه، وهو موجود في القرآن، وكثير في كلام العرب كما سنلم به الآن إن شاء الله.
واعلموا أن القلب يطلق إطلاقين : يطلق في البديع، وهذا ليس من غرضنا ؛ لأنه في فن البديع يسمى نوع منه القلب، وهو أن يكون الكلام إذا جئته من آخره قرأته كما جئته من أوله، فيكون الكلام يقرأ معكوسا كما يقرأ مرتبا، كقوله : وربك فكبر ٣ [ المدثر : آية ٣ ] وقوله كل في فلك [ الأنبياء : آية ٣٣ ] وقول الشاعر :
مودته تدوم كل هول *** وهل كل مودته تدوم
فالآيتان والبيت تقرؤهما بالانعكاس كما تقرؤهما بالاطراد، وهذا ليس من غرضنا.
النوع الثاني : القلب الذي يذكر في المعاني، وهو القلب الذي يكون فيه قلب الفاعل مفعولا مثلا. وهذا أسلوب عربي معروف إذا دل المقام عليه، وهو موجود في كلام العرب، وفي القرآن العظيم، ومن أمثلته في القرآن العظيم : وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة [ القصص : آية ٧٦ ] فالآية تقول : إن المفاتح تنوء بالعصبة، والمقصود القلب العربي، لأن العصبة من الرجال هي التي تنوء بالمفاتح، أي : تنهض بها بمشقة وجهد كما هو واضح، قال بعضهم : ومنه في القرآن : فعميت عليهم الأنباء [ القصص : آية ٦٦ ] قالوا : يعني : فعموا عن الأنباء ؛ لأن الإنسان هو الذي يعمى والأنباء لا تعمى، في أمثلة قرآنية. وهذا المعنى إن دلت عليه القرائن، كثير في كلام العرب، ومنه قول كعب بن زهير :
.............................. *** وقد تلفع بالقور العساقي.
لأن الكلام مقلوب ؛ لأن ( القور ) وهي الحجارة هي التي تتلفع. أي : تلتحف بالعساقيل، وهو السراب، فهو قال : إن السراب يلتحف بالعساقيل. والكلام مقلوب ؛ لأن الحجارة هي التي تتلفع بالسراب، وهذا معنى قوله :
.............................. *** وقد تلفع بالقور العساقيل
ومنه قول الآخر :
………………………… *** كما طينت بالفدن السياعا
يعني : كما طينت الفدن بالسياع. أي : طينت القصر بالطين وهو معروف في كلام العرب بكثرة، ومنه قول الشاعر :
نزلت بخيل لا هوادة بينها *** وتشقي الرماح بالضياطرة الحمر
يعني : وتشقى الضياطرة بالرماح. وهذا النوع من القلب أنكره علماء البلاغة وقالوا : لا يجوز إلا بما تضمن اعتبارا سرا لطيفا كقلب التشبيه. فالتشبيه المقلوب يقلب فيه المشبه مشبها به، والمشبه به مشبها. قالوا : إنما جاز هذا لنكتة، وهي إيهام أن الفرع أقوى في وجه الشبه من الأصل كقوله :
وبلد مغبرة أرجاؤه *** كأن لون أرضه سماؤه
والذين قالوا : في الآية قلب قالوا : المعنى : حقيق على أن لا أقول على الله، كأنه جعل نفسه حقيق على أن لا يقول على الله إلا الحق. والمراد : قلب الكلام. أي : يجب عليه، حقيق عليه هو أن لا أقول على الله إلا الحق فكأنه جعله هو الحقيق على القول. والمقصود : أن القول هو الحقيق عليه أن لا يقوله إلا بالحق، وفي الكلام قلب كما ترى، وهذا لا يلزم، وأنكره كثير من علماء العربية.
والوجه الذي يظهر أنه أصوب الأوجه ولا ينبغي العدول عنه وإن قل من تنبه إليه من علماء التفسير : هو إن معنى الآية الكريمة : إني رسول من رب العالمين حقيق [ الأعراف : الآيتان ١٠٤، ١٠٥ ] وأما قوله : على أن لا أقول على الله تتعلق بمعنى الرسالة المشار إليها في الرسول، أي : أرسلت مشترطا علي، أرسلت على أن لا أقول على الله إلا الحق أي : أرسلني ربي على شرط ووتيرة معينة، وهي أن لا أقول عليه إلا الحق.
وقال بعض العلماء : على أن لا أقول تتعلق بقوله : رسول إني رسول أي : رسول على أن لا أقول على الله إلا الحق .
وبعضهم يقول : هذا لا يجوز. والنحويون من البصريين يقولون : إن العامل إذا أخذ نعته -نعت ووصف- لا يعمل بعد ذلك. وعلى هذا لا يجوز إعمال ( رسول ) في قوله : على أن لا أقول لأنه نعت بقوله : حقيق ولكن الصواب في هذا أن يقدر عامل من جنس الرسول فيكون المعنى : إني رسول حقيق من رب العالمين أرسلت. أي : أرسلني رب العالمين، أرسلني على أن لا أقول عليه كذبا، ولا أقول على الله إلا الحق، وهذا الوجه واضح لا إشكال فيه، ليس فيه تعسف ولا تكلف، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره وإن قل من انتبه إليه من علماء التفسير. وهذا معنى قوله : حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق [ الأعراف : آية ١٠٥ ].
الحق في لغة العرب : الثابت الذي ليس بزائل ولا بمضمحل، وعكسه الباطل. والمراد بالحق هنا : هو الشيء المطابق للحقيقة والصواب والواقع في نفس الأمر.
قد جئتكم ببينة من ربكم قد قمنا أن البينة هي الدليل الواضح الذي لا يترك بالحق لبسا.
بينة من ربكم ( من ) لابتداء الغاية، والرب هو السيد الخالق المدبر الذي يدبر أمور الناس، وهو مشترك بين عشرة معان كما قدمنا.
فأرسل معي بني إسرائيل ( إسرائيل ) هو نبي الله يعقوب ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام )، ومعنى :( إسرائيل ) : عبد الله، و( إسرائيل ) : هو يعقوب، و( بني إسرائيل ) : أولاد يعقوب ؛ لأنكم عرفتم في القرآن في قصة يوسف أنه لما أرسل إليهم وجاؤوه في آخر حياة يعقوب، واجتمعوا به في مصر، سكنوا بعد ذلك في مصر وتناسلوا، وحتى سلط الله عليهم فرعون وأهانهم الإهانة المشهورة المعروفة بالقرآن، وسيأتي بيانها في هذه السورة الكريمة –سورة الأعراف_ وكان الله ( جل وعلا ) سلط فرعون مصر على الإسرائيليين فكان يقتل أبنائهم ويستحيي نساءهم ويستعمل الموجودين منهم بالخدمة الشاقة، وأنقذهم الله منه على يد موسى بن عمران ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ). يزعم بعض المفسرين والمؤرخين أن بين مجيء يعقوب وأولاده ليوسف في مصر وبين مجيء موسى من مدين –لينقذهم من فرعون- يزعمون أن بينهما أربعمائة سنة والله أعلم. ويزعمون أيضا أن مجيء يعقوب وأولاده أنهم كانوا حول الثمانين، وأن خروج الإسرائيليين الآتي ذكره من مصر عند فلق البحر لهم وإغراق فرعون وقومه أنهم كانوا يزيدون على ستمائة ألف والله تعالى أعلم.
وهذا معنى قوله : فأرسل معي بني إسرائيل معنى ( أرسل معي بني إسرائيل ) ارفع يدك عنهم، ولا تعذبهم، ولا تتعرض لهم بسوء، وخلهم يذهبون معي إلى حيث يشاؤون. هذا معنى قوله : فأرسل معي بني إسرائيل [ الأعراف : آية ١٠٥ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير