قالوا إنا إلى ربنا منقلبون ١٢٥ هذا جواب السحرة لفرعون لما آمنوا بالله إيمانا عظيما، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وقال لهم فرعون إنهم هم وموسى تواطؤوا واتفقوا على إخراج أهل قريتهم من مدينتهم مكرا منهم، وتواطؤوا على الظلم، ووعدهم بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبهم في جذوع النخل، لما توعدهم فرعون هذا الوعيد الشديد، وعابهم هذا العيب المختلق أجابوه هذا الجواب الإيماني العظيم، وقالوا له كأنهم يقولون له : فاقض ما أنت قاض [ طه : آية ٧٢ ] وأوعد من العذاب ما أنت واعد فنحن لا نبالي بك ولا نرائي بك إنا إلى ربنا منقلبون [ الأعراف : آية ١٢٥ ] راجعون إلى رب رحيم كريم الجزاء سنجد عنده من النعيم ما ينسينا جميع مضار الدنيا وما فيها من البؤس، كأنهم برغبتهم فيما عند الله وعلمهم بما يجازيهم به الله من النعيم سقط من أعينهم عذاب الدنيا، وصاروا يعتقدون كلا شيء، وهذا هو الصحيح بالآية، وقد بينه الله في سورة الشعراء : وبينه بإيضاح : أنه لما ذكر في سورة الشعراء أن فرعون توعدهم هذا التوعد بالعذاب في قوله : لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين ١٢٤ [ الأعراف : آية ١٢٤ ] أجابوه قائلين كما قص الله عنهم في سورة الشعراء : قالوا لا ضير [ الشعراء : آية ٥٠ ] ( لا ضير ) الضير معناه : الضرر. قالوا : ضاره يضيره ضيرا، وضره يضره ضرا بمعنى واحد، كما قدمنا إيضاحه بشواهده في قوله : لا يضركم كيدهم شيئا على القراءة : لا يضركم كيدهم شيئا [ آل عمران : آية ١٢٠ ].
وقوله : لا ضير بناه مع ( لا )، والنكرة المبنية مع ( لا ) تدل على أن ( لا ) هي التي لنفي الجنس، كأنهم نفوا جنس الضرر في عذاب الدنيا واحتقروه وهان في أعينهم ورأوه لا شيء بالنظر إلى ما عند الله. ثم بينوا علة انتفاء ذلك الضرر في أعينهم فقالوا : إنا إلى ربنا منقلبون [ الأعراف : آية ١٢٥ ] كما يوضح آية الأعراف هذه.
ثم قالوا موضحين : إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين ٥١ [ الشعراء : آية ٥١ ] فالمؤمن الحق إذا علم ما عند الله من النعيم والثواب هان وصغر في عينه كل عذاب وبلاء في الدنيا، كما قالوا لفرعون : فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا { طه : آية ٧٢ ] أي : وليس فيها شي يهم [ لسرعة زوالها ] ( في الأصل :( لزوال سرعتها ). وهو سبق لسان ) وانقضائها. فهذا معنى قوله : إنا إلى ربنا منقلبون [ الأعراف : آية ١٢٥ ].
هذا الانقلاب ينقلب به كل أحد كائنا ما كان، فينبغي لكل إنسان أن يحسن منقلبه إلى الله ؛ لأن الله يقول : وسيعلم الذي ظلموا أي منقلب ينقلبون [ الشعراء : آية ٢٢٧ ] فمعنى : منقلبون أنهم يموتون فيبعثون فينقلبون إلى الله، يرجعون إليه فيجازيهم، وهذا معنى قوله : قالوا إنا إلى ربنا منقلبون ١٢٥ [ الأعراف : آية ١٢٥ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير