واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السّبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ١٦٣ وإذ قالت أمّة منهم لم تعظون قوما اللّه مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربّكم ولعلهم يتّقون ١٦٤ فلما نسوا ما ذكّروا به أنجينا الذين ينهون عن السّوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ١٦٥ فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ١٦٦
هذه الآيات تفصيل لقوله تعالى في سورة البقرة : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السّبت [ البقرة : ٦٥ ] إلى آخر الآيتين وقد تقدم تفسيرها، ولا أعلم للقصة ذكرا من كتب اليهود المقدسة ولكنها كانت معروفة عندهم، ولولا ذلك لبهتوا النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة عندما نزل عليه ولقد علمتم أو لما آمن من آمن به من علمائهم إذا كانوا لا يعلمون ما حكى لهم عن الله تعالى أنهم يعلمونه مؤكدا بلام القسم، وإذا قال غير المسلم المؤمن : إنه اطلع على القصة في بعض كتبهم المقدسة أو التاريخية غير المقدسة أو سمعه من بعضهم- قلنا أولا : إن آيات سورة الأعراف هذه نزلت بمكة في أوائل الإسلام، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أحدا من اليهود- ومن المعلوم قطعا أنه كان أميا لم يقرأ الكتب كما قال تعالى : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذا لارتاب المبطلون [ العنكبوت : ٤٨ ] الخ. وثانيا : إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يصدقهم بعد معاشرتهم في المدينة بكل ما يحكون عن كتبهم بل كذبهم عن الله تعالى في كثير منها، ولم يكن يصدقهم في كل ما يقولونه غير منقول عن كتبهم بالأولى : وهاك تفسير الآيات بمدلول ألفاظها، ولا نعتمد على شيء من الروايات فيها.
فلما عتوا عما نهوا عنه أي فلما عتوا عن أمر ربهم عتو إباء واستكبار عن ترك ما نهاهم عنه الواعظون قلنا لهم كونوا قردة خاسئين هذا القول للتكوين أي تعلقت إرادتنا بأن يكونوا قردة خاسئين أي صاغرين أذلاء فكانوا كذلك.
قيل : إن هذا بيان وتفصيل للعذاب البئيس في الآية السابقة، وقيل : هو عذاب آخر، وإن الله عاقبهم أولا بالبؤس والشقاء في المعيشة، لأن من الناس من لا يربيه ويهذبه إلا الشدة والبؤس، كما أن منهم من يربيه ويهذبه الرخاء والنعمة، وبكل يبتلي الله عباده ويمتحنهم كما قال : ونبلوكم بالشر والخير فتنة [ الأنبياء : ٣٥ ] وقال في بني إسرائيل وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون [ الأعراف : ١٦٨ ] ولكن هؤلاء القوم لم يزدهم البؤس والسوء إلا عتوا وإصرارا على الفسق والظلم فدمدم عليهم ربهم بذنبهم، ومسخهم مسخ خلق وبدن فكانوا قردة بالفعل، أو مسخ خلق ونفس، فكانوا كالقردة في طيشها وشرها، وإفسادها لما تصل إليه أيديها. والأول قول الجمهور والثاني قول مجاهد قال : مسخت قلوبهم فلم يوفقوا لفهم الحق.
تفسير المنار
رشيد رضا