فلما عتوا عن ما نهوا قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ١٦٦ [ الأعراف : آية ١٦٦ ] ( لما ) هذه هي التي تربط جملة بجملة ربط الشرط بالجزاء. و ( لما ) تأتي في اللغة العربية على ثلاثة أنواع : فتأتي نافية نحو لما يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم [ البقرة : آية ٢١٤ ] وتأتي مثبتة على لغة هذيل بن مدركة كقوله : إن كل نفس لما عليها حافظ ٤ [ الطارق : آية ٤ ] أي : ما كل نفس إلا عليها حافظ. وهاتان حرفان بلا خلاف بين علماء العربية. الثالثة :( لما ) هاته –التي تربط جملة بأخرى ربط الشرط بالجزاء- يختلف فيها علماء العربية، فبعضهم يقول : هي حرف ؛ لأنها لم يعد إليها عائد ولم يخرج إليها ضمير فهي حرف. وبعض علماء العربية يقول : هي اسم، وهي ظرف مضمن معنى الشرط، واختار هذا غير واحد. وما زعمه بعضهم مستدلا بآية من كتاب الله : أن ( لما ) أنها حرف لا يستقيم كل الاستقامة.
والحاصل أن فيها خلافا معروفا بين علماء العربية : هل هي حرف أو ظرف ؟ وهذا معنى قوله : فلما عتوا عن ما نهوا عنه والعرب تقول :( عتا يعتو ) إذا تمرد وتكبر. أي : فلما تمردوا وتكبروا.
وقوله : عن ما نهوا عنه في الكلام حذف مضاف دل المقام عليه، وحذف المضاف إذا دل المقام عليه وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوب عربي معروف مشهور، وتقدير المضاف المذكور : فلما عتوا أي : فلما تمردوا وتكبروا عن ترك ما نهوا عنه وهو صيد السمك يوم السبت قلنا لهم صيغة الجمع التعظيم، والقائل هو الله ( جل وعلا ). وصيغة الأمر في قوله : كونوا هي المعروفة بأنها للتكوين.
والقردة : جمع قرد، والقرد هو الحيوان المعروف الذي يعرفه كل الناس.
وقوله : خاسئين جمع تصحيح للخاسئ، والخاسئ في لغة العرب معناه : الحقير الذليل الخسيس ؛ ولذا كانت ( اخسأ ) خطابا للكلاب، كما قال تعالى لأهل النار مخاطبا لهم بالخطاب الذي يؤذن بالخسة والصغار : اخسئوا فيها ولا تكلمون [ المؤمنين : آية ١٠٨ ]
ومعلوم أن الله إذا قال لهم : كونوا قردة لا بد أن يكونوا قردة ؛ لأنه يقول : إنما قولنا لشيء إذا ٍأردناه أن نقول له كن فيكون ٤٠ [ النحل : آية ٤٠ ] { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ٨٢ ] [ يس : آية ٨٢ ] يذكرون في قصتهم أن المعتدين في السبت لما تمادوا في عتوهم وظلمهم ولم يسمعوا نصيحة قومهم خاف قومهم من البلاء والهلاك الذي سينزل بهم فقسموا القرية بينهم، وجعلوا بينهم حائطا، وصار لهؤلاء باب ولهؤلاء باب، ، فبينما هم ذات يوم إذا أصبحوا والمعتدون لم يخرج منهم أحد، وبابهم مقفول، فتسوروا الحائط عليهم فوجدوهم –والعياذ بالله- قردة، فلما فتحوا الباب ودخلوا عليهم يذكرون في القصة أن القردة تعرف أنسابها من الإنس، والإنس لا يعرفون أنسابهم من القردة، وأن القردة تأتي إلى أنسابهم فتشمها وتبكي، وأنهم يقولون لهم : ألم ننهكم عن انتهاك حرمات الله ؟ فيشيرون برؤوسهم أن نعم، والعياذ بالله تعالى.
واعلموا أن العلماء اختلفوا في الممسوخين هل يمكن أن يكون لهم نسل وعقب ؟ اختلف العلماء في هذا، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا مانع من أن يكون الممسوخون لهم نسل وأعقاب، وأن يكون بعض الحيوانات من نسلهم. وممن انتصر لهذا القول : ابن العربي المالكي.
واستدل أهل هذا القول ببعض الأحاديث الثابتة في الصحيح، منها حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ( رحمهما الله ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت ). وفي رواية :( ولا أدري إلا أنها الفأر، ألا ترون أنها إذا وضعت لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضعت لها ألبان الشاء شربت ) هذا حديث متفق عليه من حديث أبي هريرة ( رضي الله عنه ) ذكر فيه صلى الله عليه وسلم أن أمة من بني إسرائيل فقدت، وأنه يظن أنها الفأر. والفأر هو الحيوان المعروف. واستدل على ذلك بأن أصل الإسرائيليين لا يشربون ألبان الإبل، ولا يأكلون لحومها، كما قدمنا إيضاحه في سورة آل عمران في تفسير قوله : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة [ آل عمران : آية ٩٣ ] فقد ذكرنا سابقا في تفسير هذه الآية أن المفسرين يقولون : إن نبي الله يعقوب –وهو إسرائيل- أصابه مرض عرق النسا فنذر لله إن شفاه الله ليتركن لله أحب الطعام والشراب إليه، فكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فحرمهما على نفسه. ويقولون : إن هذا النوع من النذر كان جائزا في شرعه، وأن اليهود صارت لا تشرب ألبان الإبل ولا تأكل لحومهما. وأن الفأر لا يشرب لبن الإبل ولكنه يشرب لبن الشاء، أي : الغنم ! ! فكأن النبي صلى الله عليه وسلم ظن أنه مسخ. وعلى أن الفأر مسخ فالفأر يتناسل. ومما استدل به أهل هذا القول : ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ( رضي الله عنه ) أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بضب فأبى أن يأكله وقال :( لعله من القرون الأولى التي مسخت ) وهذا الحديث الذي رواه مسلم عن جابر روي مسلم أيضا نحوه عن أبي سعيد الخدري ( رضي الله عنهم ). فهذا الحديث المتفق عليه، وحديث مسلم هذا كأن النبي صلى الله عليه وسلم جوز فيه أن يتناسل الممسوخ.
وذهب آخرون من العلماء إلى أن الممسوخ لا يعيش فوق ثلاثة أيام، ولا يشرب ولا يأكل، ولا يكون له نسل ولا عقب. واستدل أهل هذا القول بما أخرجه مسلم في صحيحه من رواية عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله لم يجعل لمسخ نسلا ولا عقبا ) هذا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود، نفى عنه النسل والعقب، وكان أبو عبد الله القرطبي ( رحمه الله ) في تفسير سورة البقرة في الكلام على قوله : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت [ البقرة : آية ٦٥ ] يقول : إن الصحيح أن التحقيق أن الممسوخ لا يولد له، ولا يكون له نسل ولا عقب، ولا يعيش، وأن هذا الحديث الثابت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، الذي أخرجه مسلم في كتاب القدر يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول الأمر يظن بعض الشيء، وأن الله علمه فجزم بأنه لا يكون له نسل ولا عقب. وهذا أظهر وأقرب، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم هذا الأخير المذكور من حديث ابن مسعود أن القردة والخنازير كانوا موجودين قبل مسخ إسرائيل، وهذا هو الأقرب، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله : فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ١٦٦ [ الأعراف : آية ١٦٦ ].
القردة : جمع القرد، وهو الحيوان المعروف، وهو من أخس الحيوانات، والدليل على أنه من أخس الحيوانات أن الله مسخ في صورته من أراد إذلالهم وإهانتهم وصغارهم، وهذا معروف أن القرد من أخس الحيوانات. وقد قال الشاعر :
| قد يكرم القرد إعجابا بخسته | وقد يهان لفرط النخوة الأسد |
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير