فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُون ٩
بينا في تفسير الآيتين اللتين قبل هذه الآيات : أنهما بدء للإنذار بعد بيان أصل الدعوة إلى الإسلام بالتذكير بعذاب الأمم التي عاندت الرسل في الدنيا وهذه الآيات تذكير بعذابهم في الآخرة قفى به على تخويف قوم الرسول من مثل ذلك العذاب العاجل، بتخويفهم مما يعقبه من العذاب الآجل، وهو الحساب والجزاء في الآخرة.
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُون أي ومن خفت موازين أعماله بالكفر وكثرة سيئاته فأولئك الذين خسروا أنفسهم إذ حرموا السعادة التي كانت مستعدة لها لو لم يفسدوا فطرتها بالكفر والمعاصي بسبب ما كانوا يظلمونها بكفرهم بآيات الله مستمرين على ذلك مصرين عليه إلى نهاية أعمارهم كما يدل عليه التعبير بالمضارع، وعدي الظلم بالباء لتضمنه معنى الكفر وسيأتي مثله في هذه السورة ( آية ١٠٢ ) وفي غيرها.
وظاهر هذا التقسيم أنه لفريقي المؤمنين على تفاوت درجاتهم في الفلاح، والكافرين على تفاوت دركاتهم في الخسران، فإن من مات مؤمنا فهو مفلح وإن عذب على بعض ذنوبه بقدرها، فهذا الوزن الإجمالي الذي يمتاز به فريق الجنة وفريق السعير وهنالك قسم ثالث استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم أصحاب الأعراف وسيأتي ذكرهم في هذه السورة ويتبع الوزن الإجمالي الوزن التفصيلي للفريقين. ولكن بعض العلماء يقولون إن الوزن للمؤمنين خاصة لأنه تعالى قال في الكافرين فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ( الكهف ١٠٥ وأجاب الآخرون بأن معناه ما تقدم آنفا في بحث الوزن في اللغة في أنه لا يكون لهم قيمة ولا قدر، وهو لا ينفي وزن أعمالهم وظهور خفتها وخسرانهم، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى من سورة المؤمنين فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ( المؤمنون ١٠٣- ١٠٦ ).
ومن المستغرب أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال بعد ذكر آيتي الموازين في الثقل والخفة من سورة المؤمنين : إن الكفار لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته إذ لا حسنات لهم ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها، وهو سهو سببه والله أعلم ما كان علق بذهنه من هذا القول، وما من كافر إلا وله حسنات ولكن الكفر يحبطها فتكون هباء منثورا، وهي تحصى مع السيئات وتضبط بالوزن الذي به يظهر مقدار الجزاء وتفاوتهم فيه واستدلوا على تخفيف العذاب عن الكافر بسبب عمله الصالح بما ورد في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب بما كان من حمايته للنبي صلى الله عليه وسلم وحبه له، وزعم بعضهم أن ذلك خاص به ويصح أن تكون الخصوصية في نوع التخفيف ومقداره، إذ من المتفق عليه والمجمع عليه أن عذاب الكفار متفاوت ولا يعقل أن يكون عذاب أبي جهل كعذاب أبي طالب لولا الخصوصية والله تعالى يقول : إن الله لا يظلم مثقال ذرة ( النساء ٤٠ ).
ومن المشاهد في كل زمان أن من الكفار من يحب الله ويعبده ولا يشرك به والمشركون منهم إنما أشركوا معه غيره في الحب والعبادة كما قال في أندادهم يحبونهم كحب الله ( البقرة ١٦٥ ) وهو يتضمن إثبات حبهم لله ويتصدقون ويصلون الأرحام ويفعلون غير ذلك من أعمال البر ويمتنعون عن الفواحش خوفا من الله فهل يسوي الحكم العدل بينهم وبين مرتكبي الفواحش والمنكرات والجنايات من الكفار ولاسيما الجاحدين المعطلين ومكذبي الرسل منهم ؟ حاش لله. نعم صح الحديث عند مسلم بأنهم يجازون على حسناتهم في الدنيا وهو لا يمنع وزنها في الآخرة وأن لا يكون لها مع الكفر والسيئات دخل في رجحان موازينهم.
وجملة القول إن المسلمين اختلفوا في هذا الوزن والموازين : هل هي عبارة عن العدل التام في تقدير ما به يكون الجزاء من الأعمال وتأثيرها في إصلاح الأنفس وتزكيتها وفي إفسادها وتدسيتها، أم هنالك وزن حقيقي حكمته إظهار علم الله تعالى بأعمال العباد وعدله في جزائهم عليها ؟ ذهب إلى الأول مجاهد من مفسري السلف – وكذا الأعمش والضحاك حكاه الرازي عنهما والجهمية والمعتزلة قال مجاهد في الآية كما في الدر المنثور " والوزن يومئذ الحق " قال العدل " فمن ثقلت موازينه " قال حسناته " ومن خفت موازينه " قال سيئاته اه وروى ابن جرير نحوه عنه وسيأتي فيما لخصه الحافظ ابن حجر.
والجمهور على الثاني بل قال أبو إسحاق الزجاج كما نقل الحافظ عنه أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال. وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنة لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين. وقال ابن فورك : أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها. قال وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها. انتهى.
نقل الحافظ ابن حجر ما ذكر في شرح آخر باب من أبواب البخاري وهو ( باب قول الله ونضع الموازين القسط ليوم القيامة وإن أعمال بني آدم وقولهم توزن وقفى عليه بقوله : وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء فأسند الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ( الأنبياء ٤٧ ) قال إنما هو مثل كما يجوز وزن الأعمال كذلك يجوز الحط ومن طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال : الموازين العدل والراجح ما ذهب إليه الجمهور.
وأخرج أبو القاسم اللالكائي في السنة عن سلمان قال يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السماوات والأرض ومن فيهن لوسعته ومن طريق عبد الملك بن أبي سليمان : ذكر الميزان عند الحسن فقال : له لسان وكفتان. وقال الطيبي : قيل إنما توزن الصحف وأما الأعمال فإنها أعراض فلا توصف بثقل ولا خفة. والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذ تجسد أو تجعل في أجسام فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم توزن، ورجح القرطبي أن الذي يوزن الصحائف التي تكتب فيها الأعمال، ونقل عن ابن عمر قال : توزن صحائف الأعمال قال فإذا ثبت هذا فالصحف أجسام فيرتفع الإشكال، ويقويه حديث البطاقة الذي أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه وفيه " فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة " (١) انتهى والصحيح أن الأعمال هي التي توزن.
وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن " (٢) وفي حديث جابر رفعه " توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال حبة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار قيل ومن استوت حسناته وسيئاته ؟ قال أولئك أصحاب الأعراف " أخرجه خيثمة في فوائده، وعند ابن المبارك في الزهد عن ابن مسعود نحوه موقوفا. وأخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن حذيفة موقوفا إن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل عليه السلام اه ما لخصه الحافظ ابن حجر من أقوال أهل السنة.
أقول : وقد استقصى السيوطي في تفسير الآية من الدر المنثور ما ورد في الميزان أو الوزن من الروايات الصحيحة والسقيمة أو جله وليس في الصحيحين منها إلا ما ختم به البخاري صحيحه وهو حديث أبي هريرة المرفوع " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " (٣) وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنن المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان ولا في أن له كفتين ولسانا فلا تغتر بقول الزجاج إن هذا مما أجمع عليه أهل السنة. فإن كثيرا من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع ولاسيما غير الحفاظ المتقنين والزجاج ليس منهم، ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم وإن لم يعرف له أصل من السلف، ولا اتفق عليه الخلف منهم، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف والخلف كما علمت فاختلف علماء أهل السنة القائلون بأن الوزن بميزان هل هو ميزان واحد أم لكل شخص أو لكل عمل ميزان ؟ وفي الموزون به حتى قيل إنه الأشخاص لا الأعمال وفي صفة الموزون والوزن، وفيمن يوزن لهم أللمؤمنين خاصة أم لهم وللكفار، وفي صفة الخفة والثقل وفيها ثلاثة أقوال.
ولهذا الخلاف ثلاثة أسباب : أحدهما : اختلاف الأخبار والآثار عن السلف وأكثرها لا يصح ولا يحتج بمثله في الأحكام العملية فضلا عن المسائل الاعتقادية، ثانيها : الاختلاف في فهمها، ثالثها : الرأي والتخيل والقياس مع الفارق، فإن الخلف من المنتمين إلى مذاهب السنة خاضوا فيما خاض فيه غيرهم من تحكيم الرأي في أمور الغيب. فالمعتزلة أخطأوا في قياس عالم الغيب على عالم الشهادة وإنكار وزن الأعمال بحجة أنها أعراض لا توزن وأن علم الله بها يغني عن وزنها، ورد عليهم بعض المنتمين إلى السنة ردا مبنيا على أساس مذهبهم في قياس عالم الغيب على عالم الشهادة وتطبيق أخبار الآخرة على المعهود المألوف في الدنيا، فزعموا أن الأعمال تتجسد وتوزن أو توضع في صور مجسمة أو أن الصحائف التي تكتب فيها الأعمال هي التي توزن بناء على أنها كصحائف الدنيا إما رق ( جلد ) وإما ورق.
والأصل الذي عليه سلف الأمة في الإيمان بعالم الغيب أن كل ما ثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه نؤمن به ولا نحكم رأينا في صفته وكيفته. فنؤمن إذا بأن في الآخرة وزنا للأعمال قطعا، ونرجح أنه بميزان يليق بذلك العالم يوزن به الإيمان والأخلاق والأعمال، لا نبحث عن صورته وكيفيته ولا عن كفتيه إن صح الحديث فيهما كما صوره الشعراني في ميزانه، ويؤخذ من آيات كثيرة أن ذلك يكون باعتبار تأثيرها في النفس من تزكية أو تدسية وهو ما يترتب عليه جل الجزاء كما تقدم شرحه. وإذا كان البشر قد اخترعوا موازين للأعراض كالحر والبرد أفيعجز الخالق البارئ القادر على كل شيء عن وضع ميزان للأعمال النفسية والبدنية المعبر عنها بالحسنات والسيئات، بما أحدثته في الأنفس من الأخلاق والصفات ؟ والنقل والعقل متفقان على أن الجزاء إنما يكون بصفات النفس الثابتة، لا بمجرد ما كان سببا لها من الحركات والأعراض الزائلة قال تعالى : سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ( الأنعام ١٣٩ ) وقال في سورة الشمس ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها وقد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ( الشمس ٨- ١٠ ) وفي سورة الأعلى : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ( الأعلى ١٤- ١٥ ) وقد حققنا هذا البحث في مواضع من التفسير آخرها تفسير خاتمة سورة الأنعام.
وتقدم أن حكمة وزن الأعمال بعد الحساب أنه يكون أعظم مظهرا لعدل الرب تبارك وتعالى أي ولعلمه وحكمته وعظمته في ذلك اليوم العظيم إذ يرى فيه عباده أفرادا وشعوبا وأمما ذلك بأعينهم و يعرفونه معرفة إدراك ووجدان في أنفسهم فإن أعمالهم تتجلى لهم فيها أولا، ثم تتجلى لهم ولسائر الخلق في خارجها ثانيا، فيا له من منظر مهيب، ويا له من منظر رهيب، وما أشد غفلة من قال إنه لا حاجة إليه، للاستغناء بعلم الله عنه.
ولولا تحكيم الناس الرأي والخيال فيما لا مجال لهما فيه من أمور الغيب واهتمامهم بكل ما روي فيه عن المتقدمين لكنا في غنى عن إطالة الكلام في حكاية تلك الاختلافات بالاختصار في بيان العقائد على ما ثبت في آيات الكتاب العزيز ثم الأحاديث الصحيحة المخرجة في دواوين السنة المشهورة دون الشاذة والغريبة.
ومن هذه الأحاديث الغريبة
٢ أخرجه الترمذي في البر باب ٦٢..
٣ أخرجه البخاري في التوحيد باب ٥٨ والدعوات باب ٦٦ والإيمان باب ١٩ ومسلم في الذكر حديث ٣٠ والترمذي في الدعوات باب ٥٩ وابن ماجه في الأدب باب ٥٦ واحمد في المسند ٢/ ٢٣٢..
تفسير المنار
رشيد رضا