ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ

[ ومن خفت موازينه ] الخفة معناها : الطيش وعدم الرجحان. ومن طاشت موازينه سواء قلنا إنها الكفة التي فيها السيئات، أو نفس السيئات عند من يقول أي : خفت كفة الميزان لقلة ما فيها من الحسنات ؛ لأن الحسنات إن كانت قليلة كان الميزان خفيفا ؛ لأن المعتبر في الحقيقة ثقله : الحسنات، فإن كثرت ثقل الميزان، وإن قلت خف الميزان وخفت الكفة الأخرى التي فيها السيئات. ومعنى :[ خفت موازينه ] كثرت سيئاته- والعياذ بالله- على حسناته.
[ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ] فأولئك الذين خفت موازينهم لقلة حسناتهم وكثرة سيئاتهم [ الذين خسروا أنفسهم ]، والله ( جل وعلا ) قال هنا إنهم خسروا أنفسهم ؛ لأنهم قد رزئوا في أنفسهم، وأكبر الأدلة على خسرانهم أنفسهم : أنهم إن صاروا إلى النار أكبر منية يتمنونها، وأكبر غرض يطلبونه : هو أن يموتوا وتعدم أنفسهم فتصير لا شيء ؛ ولذلك يقولون :[ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون )( ٧٧ ) ]( الزخرف : آية ٧٧ ) ولكن أمنيتهم العظمى التي هي الموت لا يحصلونها أبدا ؛ لأن الله يقول :[ لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ]( فاطر : آية ٣٦ ) ويقول ( جل وعلا ) في الكافر :[ ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ]( إبراهيم : آية ١٧ )[ فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي ]( طه : آية ٧٤ ) فمن كانت أمنيته الموت، وغايته الكبرى أن يستريح من نفسه من وجودها إلى العدم فمعلوم انه خسرها ؛ ولذا قال :[ خسروا أنفسهم ]( الأعراف : آية ٩ ) وأصل الخسران في لغة العرب : هو نقصان مال التاجر، سواء كان نقصا في ربح المال، أو نقصا في رأس المال. والخسران في اصطلاح الشرع : هو غبن الإنسان في حظوظه من ربه )جل وعلا( ؛ لأن الإنسان إذا غبن في حظوظه من ربه ( جل وعلا ) فقد خسر الخسران المبين، وقد أقسم الله )جل وعلا( - وهو أصدق من يقول- في سورة كريمة من كتابه- وكل سورة منه كريمة- ألا وهي ( سورة العصر ) أن الخسران لا ينجو منه إنسان كائنا ما كان إلا بأعمال معينة مبينة، وذلك في قوله :[ والعصر( ١ ) إن الإنسان لفي خسر( ٢ ) ] [ إن الإنسان ] معناه : إن كل إنسان كائنا من كان [ لفي خسر ] [ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر( ٣ ) ]( العصر : الآيات١-٣ ) فهذا الخسران لا ينجي منه شيء أبدا كما أقسم عليه رب السموات والأرض إلا الإيمان، والأعمال الصالحات، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. هذا الذي ينجي من الخسران.
وقد بينا في هذه الدروس مرارا أن العلماء ضربوا لهذا الخسران مثلين :
أحد ذينك المثلين : أن كل إنسان كائنا من كان أعطاه الله في دار الدنيا رأس مال، ورأس مال الإنسان هو جواهر نفسية، وأعلاق عظيمة لا يماثلها شيء من الدنيا، فهي أعظم من كل اليواقيت، وأعظم من كل الجواهر، ولا يماثلها شيء في الدنيا أبدا. هذه الجواهر التي هي رأس ماله هي ساعات عمره، أيام عمره وشهوره ولياليه وأعوامه، فهذا رأس مال الإنسان. فاعلم أيها الإنسان أن عمرك هو رأس مالك :

إذا كان رأس المال عمرك فاحترز عليه من الإنفاق في غير واجب
فإن كان صاحب رأس هذا المال رجلا متقدما حقيقة لبقا عارفا حاذقا اتجر مع ربه برأس هذا المال، فنظر ساعات العمر، فكل وقت منها يتوجه فيه أمر من خالق السماوات والأرض، كأوقات الصلوات، وأوقات الصوم، والعبادات المؤقتة، يبادر إلى مرضاة خالقه، فيتجر مع خالقه-( جل وعلا )- ويحرك رأس المال مع خير من يتجر معه، وهو رب السماوات والأرض-( جل وعلا )- ويكثر من طاعات ربه ومرضاة ربه، وينظر كل شيء حرمه خالقه أو نهى عنه فيجتنبه ويتباعد منه. وهذه هي تحريكه رأس المال وتجارته مع رب العالمين ؛ ولذا سمى الله هذا العمل الصالح، وإنفاق العمر فيما يرضي الله، سماه في آية : تجارة، وفي آية : بيعا، وفي آية : شراء، وفي آية : قرضا. والكل بمعنى واحد. قال :[ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ]( البقرة : آية ٢٤٥ ) فسمى العمل الصالح قرضا. وقال :[ هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون( ١١ ) ] ثم بين عوض هذا التاجر :[ يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ] إلى آخر الآيات( الصف : الآيتان١٠-١٢ )، وقد سماه بيعا وشراء في قوله :[ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ] ( التوبة : آية ١١١ ) وقال[ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ذلك هو الفوز العظيم ]( التوبة : آية ١١١ ) فالإنسان اللبق الحاذق لا يضيع هذه الجواهر النفيسة، والأعلاق العظيمة، التي هي ساعات عمره ودقائقه وثوانيه، بل يحرك رأس هذا المال، ويتجر به مع خير من يتجر معه، وهو خالق السماوات والأرض، إن جئت بحسنة جاءك بعشر حسنات إلى سبعمائة إلى ما لا يعلمه إلا الله، إن جاءه عبده يمشي أتاه ربه هرولة، وإن تقرب إليه باعا تقرب ( جل وعلا ) إليه ذراعا، سبحانه ما أعظمه وما أكرمه. فالإنسان العاقل يتجر برأس هذا المال مع رب العالمين، فلا تضيع عليه هذه النفائس والأعلاق الثمينة، فيصرف أوقاته فيما يرضي الله، وإذا كان معه تعب. فليكف عما لا يرضي ربه، فيكون عمله إما أن يكون خيرا يستجلبه، وإما أن يكون سلامة من الشرور، فيكون على خير، فيربح من هذه التجارة : الحور، والولدان، وغرف الجنان، ومجاورة رب غير غضبان، والنظر إلى وجه الله الكريم، وملك لا ينفذ [ وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا( ٢٠ ) ]( الإنسان : آية ٢٠ ).
وإذا كان صاحب رأس هذا المال مغفلا أحمق، قليل الفهم عن الله، ليس عارفا بحقائق الأمور، لا يدري الفرق بين التقدم والتأخر، ولا بين التنور وغير التنور، فإنك تراه يتلاعب بهذه الجواهر النفيسة التي أعطاه الله، وهي أيام عمره، ولا يقدرها، ويمضيها في قيل وقال، وربما أمضى أكثرها في مساخط الله، وما يستوجب غضب الله، من الوقوع في محارمه، والتمرد على نظامه ؟، واتباع كل ناعق من شياطين الإنس والجن الذين يدعون إلى النار، وإلى سخط الله( جل وعلا )، حتى ينقضي فيضيع عليه رأس المال، فيجر إلى القبر وهو مفلس فقير. والآخرة يا إخوان دار لا تصلح للفقراء المفاليس ؛ لأنها ليس فيها سلف، ولا بيع، ولا إرفاق، وإنما فيها ما قدم الإنسان من عمل في دار الدنيا :
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
والآخرة ليس فيها منزل إلا غرفة من غرف الجنة، أو سجن من سجون النار- والعياذ بالله- وسنتكلم – إن شاء الله- في أثناء هذه السورة الكريمة على أصحاب الأعراف، وما قصتهم، وما الذي جعلهم على الأعراف، ونذكر كلام العلماء فيه. فعلينا جميعا أن لا نضيع رأس هذا المال، فمن ضيع رأس ماله وأفنى عمره فيما لا يرضي ربه ضاع رأس المال، وإذا ضاع رأس المال فالربح أضيع وأضيع، فيصير إلى سجن من سجون جهنم- والعياذ بالله- هذا أحد مثلي الخسران الذي ضرب العلماء له.
المثل الثاني : هو ما جاء به حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحسنه بعض العلماء، ولا بأس به- إن شاء الله- أن كل إنسان كائنا من كان له منزل في الجنة ومنزل في النار، فالله يجعل منزلا في الجنة باسم كل إنسان، ومنزلا في النار باسم كل إنسان. فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار اطلع أهل الجنة على منازلهم في النار لو أنهم كفروا بالله وعصوه لتزداد غبطتهم وسرورهم بما هم فيه، وعند ذلك يقولون :[ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ]( الأعراف : آية ٤٣ ) ثم إنه يري أهل النار منازلهم في الجنة لو أنهم أطاعوا الله وآمنوا واتقوا لتزداد ندامتهم وحسرتهم، وعند ذلك يقول الواحد منهم :[ لو أن الله هداني لكنت من المتقين ]( الزمر : آية ٥٧ ) ثم إن الله يحكم بمنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة، وبمنازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومن كانت صفقته بيع منزله في الجنة بمنزل غيره في النار فصفقته خاسرة، وهو من الخاسرين بلا شك. هكذا قال بعض العلماء وهذا معنى قوله :[ فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ]( الأعراف : آية ٩ )
( ما ) هنا مصدرية، والباء سببية. يعني خسروا أنفسهم بسبب كونهم ظالمين بآياتنا.
قال بعض العلماء : إنما عدى الظلم هنا بالباء لأنه مضمن معنى الكفر والجحود، والجحود يعدى بالباء كقوله :[ وجحدوا ] وقد جاء في القرآن تسمية الجحود في الآيات ( ظلما ) كما قال تعالى :[ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ]( النمل : آية١٤ ).
وقوله :[ بآياتنا ] قد قدمنا في هذه الدروس أن الآيات جمع آية، وان أكثر علماء الصرف على أن وزنها ( فعلة )، وأن أصلها( أيية ) فاؤها همزة ؟، وعينها باء، ولامها ياء، بعدها هاء تأنيث لفظية. وقد اجتمع فيها موجبا إعلال ؛ لأن فيها حرفي لين كل منهما متحرك بحركة أصلية بعد فتح، فالياءان كل منهما تستوجب إعلالا، والمقرر في علوم العربية : انه إذا اجتمع موجبا إعلال كان الحرف( الأخير هو الذي وقع فيها الإعلال. ولكنه وقع هنا في الحرف الأول على خلاف القاعدة الكثيرة المطردة، وهو جائز.
وقيل أصلها :( أياه ) ولكن الإعلال وقع هنا في الحرف الأول فصار ( آية )، ولها في اللغة معنيان :
المعنى الأول : بمعنى ( العلامة )، تقول العرب :" الآية بيني وبينك كذا " أي : العلامة بيني وبينك كذا. ومنه قوله تعالى :) ( في هذا الموضع ذهب بعض التسجيل. وتم استدراك النقص من كلام الشيخ( رحمه الله ) في موضع سابق عند تفسير الآية ( ١١٧ ) من سورة الأنعام( بتصرف ) )
٣/ب /[ إن آية ملكه ] أي : علامة ملك طالوت عليكم[ أن يأتيكم التابوت ] الآية( البقرة : آية ٢٤٨ ) وهذا معروف في كلام العرب. وقد جاء في شعر نابغة ذبيان- وهو جاهلي عربي قح- تفسير الآية بالعلامة حيث قال :
توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع
ثم بين أن مراده بالآيات : علامات الدار حيث قال بعده :
رماد ككحل العين لأيا أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع
هذا هو المعنى المشهور للآية، أن معناها العلامة، فآية كذا : علامة كذا.
المعنى الثاني : أن العرب تطلق الآية وتريد الجماعة، تقول : جاء القوم بآيتهم. أي : بجماعتهم، ومنه بهذا المعنى قول برج بن مسهر الطائي :
خرجنا من النقبين لا حي مثلنا بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا
يعني : بجماعتنا. فإذا علمتم أن الآية في اللغة تطلق على العلامة، وعلى الجماعة، فهي في القرآن العظيم باستقراء القرآن العظيم تطلق إطلاقين :
أحدهما : الآية الكونية القدرية، وهي ما نصبه الله ( جل وعلا ) ليدل به خلقه على انه الواحد الأحد الأعظم الصمد المستحق لأن يعبد وحده كقوله :[ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون( ١٦٤ ) ]( البقرة : آية ١٦٣ ) أي : لعلامات واضحة جازمة قاطعة بان من خلقها هو رب هذا الكون، وهو المعبود وحده( جل وعلا ) سبحانه عما يشركون، وهذا كثير.
وتطلق الآية في القرآن إطلاقا آخر، ومعناه

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير