هذا الجزء - التاسع - يتألف من شطرين : الشطر الأول هو بقية " سورة الأعراف " - من القرآن المكي - وهو يؤلف ثلاثة أرباع هذا الجزء.. والشطر الثاني هو نصف الحزب الأول من سورة الأنفال - من القرآن المدني - وهو يؤلف الربع الباقي من الجزء..
وسنكتفي هنا بالعرض الإجمالي للشطر الأول. ونرجىء الشطر الثاني إلى موضعه. حيث نقدم - إن شاء الله - سورة الانفال ؛ وفق المنهج الذي اتبعناه في التعريف بسور القرآن..
مضى في الجزء الثامن - في الشطر الذي استعرضناه هناك من سورة الأعراف - قصص الرسل والرسالات والأقوام بعد آدم عليه السلام. وعرضنا من موكب الإيمان هناك قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - عليهم السلام - ومصارع المكذبين من أقوامهم ونجاة المؤمنين.
فالآن يبدأ هذا الجزء بتكملة لقصة شعيب - عليه السلام - وقد اخترنا أن نضمها إلى نهاية الجزء الثامن تكملة للقصة هناك..
ثم يقف سياق السورة وقفة للتعقيب على ذلك القصص - وفق منهج السورة - فيكشف في هذا التعقيب عن خطوات قدر الله بالمكذبين.. كيف يأخذهم بالبأساء والضراء لعل قلوبهم تصحو وترق، وتلجأ إلى الله وتتضرع إليه، فإذا لم تستيقظ هذه القلوب ولم تتفتح ولم تنتفع بالابتلاء، أخذهم الله بالسراء - وهي أشد في الابتلاء - حتى يزدادوا عن قدر الله غفلة، ويظنوا الحياة لهواً ولعباً. وعندئذ يأخذهم الله بغتة على حين غفلة :( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون. ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عَفوا، وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ! فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون )..
وهنا يكشف السياق كذلك عن العلاقة بين القيم الإيمانية وسنن الله في أخذ الناس، حيث لا انفصال في خطوات قدر الله بين هذه السنن وتلك القيم. هذه العلاقة التي تخفى على الغافلين، لأن آثارها قد لا تبدو في المدى القريب ؛ ولكنها لا بد واقعة في المدى الطويل :( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ؛ ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون )..
ويعقب الكشف عن خطوات قدر الله بالمكذبين ؛ وسنته وعلاقتها بالقيم الإيمانية في حياة البشر ؛ لمسات من التهديد تهز القلوب ؛ ولفتات إلى مصارع المكذبين توقظ الغافلين :( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون. أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ؟ أفأمنوا مكر الله ؟ فلا يأمنمكر الله إلا القوم الخاسرون ) ( أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لونشاء أصبناهم بذنوبهم، ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون )..
وينتهي هذا التعقيب بلفتة إلى رسول الله [ ص ] عن هذا القصص ؛ وتلخيص لأمر الأقوام التي كذبت من قبل ؛ ووصف لحقيقة حالهم ونسيانهم لعهد الله معهم على الاعتراف بألوهيته ووحدانيته ؛ وعدم جدوى الآيات والبينات والخوارق التي جاءهم بها رسلهم، بسبب تعطل فطرتهم وغفلة قلوبهم :( تلك القرى نقص عليك من أنبائها. ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات، فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل. كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين. وما وجدنا لأكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين )..
وبعد هذه الوقفة للتعقيب على مصارع قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. تجيء قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه أولاً ؛ ثم مع قومه بني إسرائيل أخيراً.. وتشغل قصة موسى في هذه السورة أوسع مساحة وأكبر قدر شغلته في سورة واحدة من سور القرآن كلها.. وقد وردت حلقات من قصة بني إسرائيل في مواضع كثيرة ؛ وذلك عدا الإشارات القصيرة إليها في مواضع من القرآن أخرى.. وكانت أكثر القصص وروداً في القرآن كله.. ولعل ذلك التفصيل في قصة هذه الأمة كان للحكمة التي أشرنا إليها من قبل - في هذه الظلال - في الجزء السادس في صفحتي ٨٦٨ - ٨٦٩ على النحو التالي :
" من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها. فقد كانوا حرباً على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول. هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة ؛ وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معا. وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة. وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم ؛ كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة وحول القيادة. وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة.. فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة، لتعرف من هم أعداؤها : ماطبيعتهم ؟ وما تاريخهم ؟ وما وسائلهم ؟ وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم ؟
" ولقد علم الله أنهم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله ؛ كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله. فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفاً ؛ ووسائلهم كلها مكشوفة.
" ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين الله الأخير. وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة طويلة ؛ ووقعت الانحرافات في عقيدتهم، ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق الله معهم ؛ ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف، كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم.. فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة - وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها - بتاريخ القوم، وتقلبات هذا التاريخ ؛ وتعرف مزالق الطريق وعواقبها، ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم، لتضم هذه التجربة - في حقل العقيدة والحياة - إلى حصيلة تجاربها ؛ وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون. ولتتقي - بصفة خاصة - مزالق الطريق، ومداخل الشيطان، وبوادر الانحراف، على هدى التجارب الأولى.
" ومن جوانب هذه الحكمة أن تجربة بني إسرائيل ذات صحائف شتى في المدى الطويل. وقد علم الله أن الأمد حين يطول على الأمم تقسو قلوبها، وتنحرف أجيال منها ؛ وأن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة، ستصادفها فترات تمثل فترات من حياة بني إسرائيل ؛ فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتهاومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة، نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم ؛ يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته. ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت ثم انحرفت ! فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة، لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها، وينفض عنها الركام، لجدته عليها، وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول مرة. فأما القلوب التي نوديت من قبل، فالنداء الثاني لا تكون له جدته. ولا تكون له هزته ؛ ولا يقع فيها الإحساس بضخامته وجديته ؛ ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف، وإلى الصبر الطويل ! "..
... الخ
وقد وردت حلقات من قصة موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل من قبل في هذه الظلال - المرتبة وفق ترتيب السور في المصحف لا وفق ترتيب النزول - في سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة المائدة، وسورة الأنعام.. ولكن إذا اعتبرنا ترتيب النزول، فإن هذه الحلقات الواردة منها هنا في سورة الأعراف المكية تكون سابقة على ما ورد منها في السور المدنية. وذلك ظاهر من طبيعة عرضها هنا وطبيعة عرضها هناك. فهي هنا تعرض على طريقة الحكاية والقصص. وهناك تعرض على سبيل مواجهة بني إسرائيل بها، وتذكيرهم بأحداثها ووقائعها ومواقفهم فيها.
ولقد وردت القصة في أكثر من ثلاثين موضعاً في القرآن كله - مكية ومدنيه - ولكن ورودها مفصلة اقتصر على عشرة مواضع في عشر سور منها ستة مواضع هي أكثرها تفصيلاً. والذي ورد منها في سورة الأعراف كان أول تفصيل.. كما أنه هو أوسع مساحة. وإن تكن الحلقات التي وردت في هذه المساحة أقل مما ورد منها في سورة طه.
وهي تبدأ هنا من حلقة مواجهة فرعون وملئه بالرسالة. بينما تبدأ في سورة طه من حلقة النداء لموسى - عليه السلام - في جانب الطور. وتبدأ في سورة القصص من حلقة مولد موسى في فترة اضطهاد بني إسرائيل.. ويبدأ عرضها - متناسقاً مع جو السورة وأهدافها على طريقة القرآن في سياقة القصص كله - بالتوجيه إلى عاقبة تكذيب فرعون وملئه. وذلك منذ اللحظة الأولى في عرضها :( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها. فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ).
ثم تمضي حلقات القصة ومشاهدها.. أولاً.. في مواجهة فرعون وملئه.. وأخيراُ في مواجهة بني إسرائيل، والتوائهم وزيغهم وانحرافهم !
ولما كنا سنستعرض القصة - فيما بعد - بالتفصيل. فإننا نكتفي هنا بالوقوف أمام معالمها البارزة وموحياتها الكلية :
إن موسى - عليه السلام - يواجه فرعون وملأه بأنه رسول من رب العالمين : وقال موسى : يا فرعون إني رسول من رب العالمين. حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل.. كذلك حين تقع المباراة بينه وبين سحرة فرعون فيغلبون ويؤمنون، فإنهم يؤمنون برب العالمي ( وألقي السحرة ساجدين. قالوا : آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون.. وحين يهددهم فرعون بالعذاب الرعيب : فإنهم يتجهون إلى ربهم، ويعلنون أنهم عائدون إليه في حياتهم ومماتهم وبعثهم وفي أمرهم كله : قالوا : إنا إلى ربنا منقلبون. تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا، ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين..
ثم إن موسى - عليه السلام - وهو يعلم قومه في مواضع كثيرة يعرفهم بربهم الحق.. فعندما أعلن فرعون أنه سيعيد اضطهاد بني إسرائيل بقتل ذكورهم واستحياء إناثهم قال( موسى لقومه استعينوا باللّه واصبروا، إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين )... ( قالوا : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا. قال : عسى ربكم أن يهلك عدوكم، ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ).. وعندما جاوز بهم البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم وطلبوا إلى موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهؤلاء القوم آلهة ! ( قال : إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. قال : أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين ؟ )..
فهذه النصوص القرآنية في القصة تثبت حقيقة الدين الذي جاء به موسى عليه السلام ؛ وحقيقة التصور الاعتقادي الذي تنشئه هذه الحقيقة.. وهو التصور الصحيح الذي جاء به الإسلام ؛ وتضمنه دين الله في جميع الرسالات. كما أنها تثبت زيف النظريات والتكهنات التي يدلي بها الباحثون في تاريخ الأديان من الغربيين ومن يأخذ بمنهجهم وتقريراتهم ممن يكتبون عن تطور العقيدة !
كذلك تثبت هذه النصوص ألوان الانحراف التي صاحبت تاريخ بني إسرائيل وجبلتهم الملتوية - حتى بعد بعثة موسى عليه السلام. ذلك من مثل قولهم :( يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ).. ومثل اتخاذهم العجل في غيبة موسى على الجبل لميقاته مع ربه ! ومثل طلبهم رؤية الله جهرة وإلا فإنهم لا يؤمنون ! ولكن هذه الانحرافات لا تمثل حقيقة العقيدة التي جاء بها موسى من ربه. إنما هي انحرافات عن هذه العقيدة. فكيف تحسب الانحرافات إذن على العقيدة ذاتها ؟ ويقال : إنها " تطورت " إلى التوحيد ؟ !
كذلك تكشف مواجهة
هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - -وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل.. أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء ؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون.. كل ذلك للابتلاء.. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافاً بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير :( وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله.. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار..
ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها.. يحذرهم الغفلة والغرة، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى، ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون.
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول [ ص ] :( تلك القرى نقص عليك من أنبائها.. ) لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ).. فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها..