ثم كرر الإنكار عليهم فقال : أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ٩٩ [ الأعراف : آية ٩٩ ] كان بعض العلماء يقول : إن المكر من الصفات التي لا تطلق إلا على سبيل المشاكلة. وهذه الآية من سورة الأعراف بينت أن المكر يطلق في غير المشاكلة.
والمشاكلة : هذا اللفظ من اصطلاحات علوم البلاغيين، يذكره علماء البلاغة في ( البديع المعنوي ) يقولون : منه قسم يسمى ( المشاكلة ) وبعضهم يقول : إن ما يسمى ( المشاكلة ) هو مما يسمونه : بعض علاقات المجاز المرسل.
وهذا الذي يقولون له ( المشاكلة ) هو : أن يأتي لفظ موضوع في معنى غير معناه، بل موضوع في معنى أجنبي من معناه الأصلي، إلا أنه وضع فيه لأجل المشاكلة والمقارنة بينه وبين لفظ آخر مذكور معه، ومن أمثلته عندهم قول الشاعر :
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه *** قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
فقوله :( اطبخوا لي جبة ) يعني : خيطوا لي جبة، فأطلق الطبخ وأراد الخياطة – والطبخ أجنبي من الخياطة –للمشاكلة بينهما. والتحقيق أنه هنا لا مشاكلة، وأن الله ذكر مكره وحده ولم يذكر مكر عبده كما قال هناك : ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين [ الأنفال : آية ٣٠ ) ذكر مكرهم ومكره، وهنا ذكر مكره وحده، ولذا قال : أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ٩٩ [ الأعراف : آية ٩٩ ].
والتحقيق أن المكر صفة أطلقها الله على نفسه، ولا يجوز إطلاقها على الله إلا في الموضع الذي يطلقها هو على نفسه أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع جميع العلماء أنه لا يجوز أن يشتق له منها اسم، فلا تقل : من أسمائه الماكر ؛ لأن ذلك لا يجوز إجماعا.
ومعنى ( مكر الله ) أنه ( جلا وعلا ) يستدرجهم ويغدق عليهم النعم والصحة والعافية حتى يكونوا أغفل ما كانوا، ثم يأخذهم بغثة ويهلكهم في غاية الغفلة، وهذا فعل أحسن ما يكون وأبلغ ما يتصور، وقد ضربوا مثلا- ولله المثل الأعلى- قالوا لو فرضنا أن هنالك رجلا شديد البلية على الناس، يقتل هذا، ويظلم هذا، وجميع الناس في غاية التأذي منه، ثم إن رجلا صالحا كريما طيبا احتال عليه بحيلة شريفة، حتى قتله وأراح الناس منه، فكلهم يقول : جزاك الله خيرا، والله إن قتلك له في صورة خفاء إنه أحسن ما يكون.
وعلى كل حال فالله لا يصف نفسه إلا بما هو في غاية الحسن والجمال واللياقة، فوصف نفسه هنا بأنه يهلك الكافرين بمكره، وأن كيده متين كما قال : وأملي لهم إن كيدي متين ١٨٣ [ الأعراف : آية ١٨٣ ] ونحن قد قدمنا لكم في هذه الدروس مرارا – وكررناه مرارا من شدة الحاجة إليه- : أن المذهب المنجي في صفات الله تبارك وتعالى التي ازدحمت فيها عقول العقلاء، وضل آلاف الناس من جهة التعطيل، وضل آلاف الناس من جهة التشبيه، والمثيل، أن المذهب المنجي عند الله- الذي لا شك فيه، وأنه كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام وسلف هذه الأمة - : وهو ما يقال له :( مذهب السلف ) في اصطلاح الناس، أن انتهاجه هو الصواب، وهو المنجي عند الله، وهو العمل بنور القرآن الذي لا شك فيه، فقد أوضحناه لكم مرارا سنين متعددة، ولا نزال نوضحه ونكرره لشدة الحاجة إليه، وكثرة من غلط فيه من فحول النظار.
اعلموا أيها الإخوان- وفقنا الله وإياكم لما ير *** ضيه – أن العمل بضوء هذا المحكم المنزل الذي لا شك أنه على قدم الصواب أن تجري آيات الصفات على ثلاثة أصول، إن لقيتم الله وأنتم على هذه الأصول الثلاثة-لم تخلوا بواحدة منها- فلا شك أنكم تلقون ربكم وأنتم على عقيدة صحيحة، وصلة بالله متينة، ومذهب حق. وإن أخللتم بشيء منها أدخلتم أنفسكم في بلية. واحذروا من قال وقيل، وعلم الكلام، وغير ذلك.
وهذا الأصول الثلاثة :
الأول منها :-أيها الإخوان- هو أساس التوحيد الأكبر، وهو الحجر الأساسي للصلة بالله صلة صحيحة. هذا الأساس الأعظم هو تنزيه خالق السماوات والأرض ( جلا وعلا ) عن أن يشبه شيئا من خلقه في شيء من ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم، وكيف يشبهونه ؟ أليسوا صنعة من صنائعه ؟ بلى هم صنعة من صنائعه صنع الله الذي أتقن كل شيء [ النمل : آية ٨٨ ] ومعلوم أن الصنعة لا تشبه صانعها بحال. هذا أصل التوحيد الأعظم في آيات الصفات، وأساسها الأكبر، وهو تنزيه رب العالمين تنزيها كاملا تاما لائقا بكماله وجلاله عن مشابهته لشيء من صفات خلقه أو ذواتهم أو أفعالهم، وهذا الأصل الأعظم نص الله عليه في قوله : ليس كمثله شيء [ الشورى : آية ١١ ] ولم يكن له كفوا أحد ٤ [ الإخلاص : آية ٤ ] فلا تضربوا لله الأمثال [ النمل : آية ٧٤ ] ونحو ذلك من الآيات.
الأساس الثاني - : هو أيها الإخوان إذ حققتم هذا الأصل الأعظم الذي هو التنزيه، فالأصل الثاني - : هو الإيمان بما جاء عن الله في كتابه المنزل، والإيمان بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة إيمانا مبنيا على أساس ذلك التنزيه ؛ لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله أأنتم أعلم أم الله [ البقرة : آية ١٤٠ } ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : وما ينطبق عن الهوى ٣ إن هو إلا وحي يوحى٤ [ النجم : الآيتان ٣، ٤ ].
هذان الأساسان العظيمان الذي هما : تنزيه خالق السموات والأرض عن مشابهة خلقه.
والثاني : تصديق الله والإيمان بما مدح به نفسه إيمانا مبنيا على أساس التنزيه.
وهذان الأصلان العظيمان أيها الإخوان لم أقلهما لكم من تلقاء نفسي لا، لا، وكلا، وإنما بينتهما لكم على ضوء هذا الوحي المحكم المنزل الذي هو نور الله وهداه. وإيضاح ذلك : أن الله أوضح هذين الأساسين وارتباط أحدهما بالآخر في غاية الإيضاح في أوجز عبارة وأتمها وأكملها، وذلك بقوله : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ الشورى : آية ١١ ] فنؤمل – أيها الإخوان – أن تتأملوا في قوله : وهو السميع البصير بعد قوله : ليس كمثله شيء وتربطوا أول الآية بآخرها، وآخرها بأولها لتهتدوا كما ينبغي، وإيضاح ذلك : أن السمع والبصر – ولله المثل الأعلى- هما صفتان يتصف بهما- من حيث هما سمع وبصر- سائر الحيوانات، فجميع الحيوانات تسمع وتبصر، والله ( جلا وعلا ) يسمع ويبصر – سبحانه وله المثل الأعلى – ولكن لما أراد أن يبين لنا أنه يسمع ويبصر وضع الأساس الأعظم أولا فقال : ليس كمثله شيء [ الشورى : آية ١١ ] لأن الأساس لإثبات الصفات هو التنزيه عن المماثلة وعن التشبيه، فوضع التنزيه هو الأساس الأول فقال : ليس كمثله شيء ثم قال : وهو السميع البصير مبنيا على أساس : ليس كمثله شيء أي : سمعا وبصرا لا يماثلهما سمع مخلوق ولا بصره أبدا ألبتة في حال من الأحوال. فكان أول هذه الآية الكريمة يدل على التنزيه التام من غير تعطيل، وآخرها يدل على الإيمان بالصفات إيمانا حقيقيا من غير تشبيه ولا تمثيل. فعلينا أن نعتقد أولها : وهو التنزيه. ونعتقد آخرها : وهو إثبات الصفات إثباتا حقيقيا على أساس ذلك التنزيه، فكأن الله يقول لك : يا عبدي، يا عبدي تفهم وكن عاقلا، ولا تذهب بسمعي وبصري إلى سمع المخلوقات وأبصارهم حتى تقول : هذه الصفة توهم غير اللائق فيجيب تأويلها والإتيان بغيرها ! ! لا، لا، لا يا عبدي، بل لاحظ أولا أن صفتي في غاية الكمال والجلال والتنزيه عن مشابهة صفات المخلوقين ليمكنك على ذلك الأساس أن تؤمن بها إيمانا مبنيا على أساس التنزيه، كما بينت لك في قولي : وهو السميع البصير بعد قولي : ليس كمثله شيء [ الشورى : آية ١١ ] هذا أيها الإخوان بيان واضح لا لبس فيه.
الأساس الثالث : هو أن تعلموا – أيها الإخوان – أن العقول البشرية مخلوقة، وأنها واقفة عند حدها، وأنها متقاصرة عن إدراك الإحاطات والكيفيات بصفاته ( جلا وعلا )، كما قال تعالى : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ١١٠ [ طه : آية ١١٠ ] فنفي إحاطة العلم البشري نفيا باتا عنه ( جل وعلا ) لأن الخلق مخلوق، والخلق ( جل وعلا ) أعظم شأنا من أن يحيط به خلقه.
هذه الأسس الثلاثة – أيها الإخوان- من لقي منكم الله وهو عليها لقيه على هدى ونور من ربه، وعلى عمل بالقرآن، ومن حاد عنها تخبط في ظلام لا يدري في أي وقت يخرج منه. وأنا أقول لكم : إن هذه اللحظات من الأيام والليالي سائرة بنا إلى المحشر سيرا حثيثا، كصاحب السفينة يكون نائما في متكئه في البحر يظن أن السفينة واقفة وهي تقطع فيه المسافات العظيمة في الدقائق والثواني ! ! فنحن تسير بنا الأيام والليالي إلى ربنا ( جل وعلا )، وعن قريب سينكشف لكم الغيب، ونكون جميعا في صعيد واحد أمام رب العالمين ( جل وعلا ) والله قد يسألكم عن كل شيء كما قال : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين [ الأعراف : آية ٦ ] فوربك لنسألنهم أجمعين ٩٢ عما كانوا يعملون ٩٣ [ الحجر : الآيتان ٩٢، ٩٣ ] ويوشك أن يسألكم الله عن ماذا كنتم تقولون فيما مدح به نفسه من صفات الكمال، كاستوائه على عرشه، وكصفة اليد والأصابع، وغير ذلك من الصفات التي أثنى الله بها على نفسه، وكالتي في قوله هنا : أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ٩٩ [ الأعراف : آية ٩٩ ] فإذا قال لكم رب العالمين : ماذا كان موقفكم في دار الدنيا من صفاتي التي مدحت به نفسي، وأثنى علي بها رسولي صلى الله عليه وسلم، وأبلغكم إياها عني في كتابي وسنة رسولي، هل كنتم تصدقونني، وتؤمنون بي، أو كنتم تنفون صفاتي وتكذبونني وتكذبون رسولي ؟ ! فلا يخفى على أحد منكم- على طريق الإنصاف –أنه إن كان جوابه لربه في هذا التعليم الذي علمناكم في نور القرآن أنه تعليم صاحبه ناج من هذه المشكلات، ولا يأتيه بلية، بل إنك إن قلت لله : أما أنا فكنت في دار الدنيا أنزه صفاتك عن صفات المخلوقين، وأعتقد اعتقادا جازما أنك لا يماثلك ولا يشابهك شيء من خلقك، لا في ذاتك، ولا في صافتك، ولا في أفعالك، فهذا الجواب لا شك أنه لا يسبب لك بلية، ولا مشكلة من الله ولا لوما، ولا تقريعا، ووالله لا يقول لك الله موبخا : لم كنت تنزهني عن مشابهة صفات خلقي ؟ لا، لا والله.
ثم قلت إنك إذا قلت : أنا كنت أؤمن بصفاتك، وأصدقك بما تمدح به نفسك، وأصدق رسولك، ولا أكذبه فيما كان يثني به عليك من الصفات، ولكن ذلك الإيمان والتصديق مبني على أساس تنزيهك وتعظيمك وإجلالك عن مشابهة صفات الخلق. والله لا يقول لك الله : لم كنت تصدقني في دار الدنيا، وتصدق رسلي، ولم لا تكذبني وتنفي صفاتي ؟ لا، لا. هذا طريق سلامة محقق لا شك فيه. ولا يقول لك الله في الثالث : لم كنت ( في الأصل :( كنت لا تدعي ) ) تدعي أم عقلك لا يحيط بصفاتي، ولا بكنهها ؟ فهذه طرق حق واضحة، وعمل بنور القرآن معلوم أنها ليس وراءها تبعة ولا بلايا ولا مشكلة، لأنها خروج من مأزق عظيم في ضوء نور كتاب الله ( جل وعلا )، وهو المخرج من كل بلية، والمنقذ من جميع أنواع الضلال. واعلموا –أيها الإخوان- أن كثيرا من أجلاء المتعلمين من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من النظار – بعد أن نشأ علم الكلام – غلطوا غلطا شديدا في هذه المسألة على كثرتهم وقوة علمهم وفهمهم، وهم كما قال الإمام الشافعي ( رحمه الله ) –قصدهم حسن، ولا يريدون سواء ولا يريدون إلا تعظيم الله وتنزيهه، ول
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير