تفسير سورة سورة سبأ

الشعراوي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير الشعراوي

الشعراوي (ت 1419 هـ)

الْحَمْدُ للَّهِ.. [سبأ: ١] جملة قائلُها الحق سبحانه، فهل قالها لنفسه أم قالها ليُعلِّمنا نحن أنْ نقولها؟ قالها ليُعلِّمنا. والحمد أنْ تأتي بثناء على مستحق الثناء بالصفات الجميلة. ومقابله: الذم، وهو أنْ تأتي لمستحقِّ الذم بالصفات القبيحة، وتنسبها إليه.
وأنت قد تحمد شيئاً لا علاقةَ لك به، لمجرد أنه أعجبك ما فيه من صفات، فاستحق في نظرك أنْ يُحمد، كأن تحمد الصانع على صَنْعة أتقنها مثلاً، وإنْ لم تكُنْ لك علاقة بها.
إذن: فالحمد مرة يكون لأن المحمود فيه صفات تستحق الحمد، وإنْ لم تَصِلْ إليك، فكيف إذا كانت صفات التحميد والتمجيد والتعظيم أثرها واصلَ إليك؟ لا شكَّ أن الحمد هنا أوجب.
لذلك نقول: كل حمد ولو توجَّه لبشر عائد في الحقيقة إلى الله تعالى؛ لأنك حين تحمد إنساناً إنما تحمده على صفة وهبها الله له، فالحمد على إطلاقه ولو لمخلوق حَمْدٌ لله.
وكلمة الْحَمْدُ للَّهِ.. [سبأ: ١] وردت في القرآن ثمان وثلاثون مرة، وخُصَّتْ منها في فواتح السور خمس مرات: في الفاتحة: والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر.
والحق سبحانه بدأ بالحمد؛ لأنه بدأ خَلْقه من عدم فله علينا نعمة الخَلْق من عدم، ثم أمدَّنا بمقومات الحياة فوفَّر لنا الأقوات التي بها استبقاء الحياة، ثم التناسل الذي به استبقاء النوع، هذا لكيان الإنسان المادي، لكن الإنسان مطلوب منه حركة الحياة، وهو يعيش مع آخرين فلا بدَّ أنْ تتساند حركاتهم لا تتعاند، لا بُدَّ أن تنسجم الحركات وإلا لتفانى الخَلْق.
وهذا التساند لا يتأتَّى إلا بمنهج يُحدِّد الحركات، ويحكم الأهواء، وإلا لجاء واحد يبني، وآخر يهدم. هذا في الدنيا، أما في الحياة الآخرة فسوف يُعِدُّنا لها إعداداً آخر، ويعيدنا إلى خير مما كنا فيه؛ لأننا نعيش في الدنيا بالأسباب المخلوقة لله تعالى، أما في الأخرة فنعيش مع المسبِّب سبحانه مع ذات الحق.
نحن في الدنيا نزرع ونحصد ونطبخ ونخبز ونغزل.. إلخ، هذه أسباب لا بُدَّ من مزاولتها، لكنك في الآخرة تعيش بكُنْ من المسبِّب، في الدنيا تخاف أنْ يفوتك النعيم أو تفوته أنت، أما في الآخرة فنعيمها بَاقٍ لا يزول ولا يحول، في الدنيا تتمتع على قَدْر إمكاناتك، أما في الآخرة فتتمتع على قَدْر إمكانات ربك.
فالحق سبحانه أوجدنا من عدم، وأمدنا من عُدْم، ووضع لنا المنهج الذي يحفظ القيم، ويُنظِّم حركة الحياة قبل أن تُوجد الحياة، فقبل أنْ يخلقك خلق لك كالصانع الذي يُحدِّد مهمة صنعته قبل صناعتها، وهل رأيتم صانعاً صنع شيئاً، ثم قال: انظروا في أيِّ شيء يمكن أن يستخدم؟

لذلك قال تعالى:

الرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ
[الرحمن: ١-٤] فالمنهج المتمثل في القرآن وُضِع أولاً ليحدد لك مهمتك وقانون صيانتك، قبل أن تُوجَد أيها الإنسان.
والمتأمل لآيات الحمد في بدايات السور الخمس يجد أنها تتناول هذه المراحل كلها، ففي أول الأنعام:
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَٰتِ وَالنُّورَ ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١].
تكلَّم الحق سبحانه عن بَدْء الخَلْق، ثم قال:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ.. [الأنعام: ٢] وهذا هو الإيجاد الأول.
ثم في أول الكهف يذكر مسألة وَضْع المنهج والقيم:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا [الكهف: ١].
هذا هو القانون الذي يحكم الأهواء، ويُنظِّم حركة الحياة لتتساند ولا تتعاند.
وفي أول سورة سبأ التي نحن بصددها يذكر الحمد في الآخرة: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ.. [سبأ: ١] وحين تنظر إلى الحمد في الآخرة تجده حَمْداً مركباً مضاعفاً؛ لأنك في الدنيا تحمد الله على خَلْق الأشياء التي تتفاعل بها لتعيش بالأسباب، لكن في الآخرة لا توجد أسباب، إنما المسبِّب هو الله سبحانه، فالحمد في الآخرة أكبر حَمْداً يناسب عَيْشَك مع ذات ربك سبحانه.

وفي أول فاطر:

الْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ.. [فاطر: ١].
نحمد الله على القيم، وعلى المنهج الذي وضعه لنا الحق سبحانه بواسطة الملائكة، والملائكة هم رسل الله إلى الخَلْق، ومنهم الحفظة، ومنهم المدبِّرات أمراً التي تدبر شئون الخَلْق، ومنهم مَنْ أسجدهم الله لك.

ثم جاءت أم الكتاب، فجمعت هذا كله في:

الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] والربّ هو الخالق الممدّ
الرَّحْمـٰنِ الرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٣-٤] أي: في الآخرة، ثم ذكرت وجوب السير على المنهج
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ [الفاتحة: ٥-٧].
ولأنها جمعتْ البداية والنهاية، والدنيا والآخرة سُمِّيت فاتحةَ الكتاب، وسُمِّيت المثاني، وسُمِّيت أم القرآن.
فقوله تعالى: الْحَمْدُ للَّهِ.. [سبأ: ١] علَّمنا الله تعالى أن نقولها؛ لأن الناس مختلفون في المواهب، وفي الملَكات، وفي حُسْن الأداء، وفي صياغة الثناء، فلا يستوي في الحمد والثناء الأديب والأُميُّ الذي لا يجيد الكلام؛ لذلك قال الله لنا: أريحوا أنفسكم من هذه المسألة، وسوف أُعلمكم صيغة يستوي فيها الأديب الفيلسوف مع راعي الشاة، وسوف تكون هذه الصيغة هي أحبّ صِيغ الحمد إليَّ، هذه الصيغة هي الْحَمْدُ للَّهِ.. [سبأ: ١].
لذلك جاء في الحديث قول سيدنا رسول الله في حمد ربه، والثناء عليه:"سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" فحين أقول خطبة طويلة في حمد الله والثناء عليه، وتقول أنت: الحمد لله لا أقول لك قصَّرت في حمد ربك، وكأن هذه الصيغة وتعليمها لنا نعمة أخرى تستحق الحمد؛ لأنها سوَّتْ الجميع، ولم تجعل لأحد فضلاً على أحد في مقام حمد الله والثناء عليه.
وحين تحمد الله على أن علَّمك هذه الصيغة، بماذا تحمده؟ تحمده بأن تقول الحمد لله. إذن: هي سلسلة متوالية من الحمد لا تنتهي، الحمد لله على الحمد لله، ومعنى ذلك أنْ تظل دائماً حامداً لله، وأنْ يظلَّ الله تعالى دائماً وأبداً محموداً.
كما قُلْنا: إن اختلاف المواقيت في الأرض واختلاف المشارق والمغارب إنما جُعِلَتْ لتستمر عبادة الله لا تنقطع أبداً في كل جزئيات الزمن، ففي كل لحظة صلاة، وفي كل لحظة الله أكبر، وفي كل لحظة أشهد ألا إله إلا الله، وفي كل لحظة أشهد أن محمداً رسول الله... إلخ لتظل هذه الألفاظ وهذه العبادات دائرة طوال الوقت، فالكون كله يلهج بذكْر الله وعبادة الله في منظومة بديعة، المهم مَنْ يُحسِن استقبالها، المهم صفاء جهاز الاستقبال عندك.
وقوله سبحانه وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ.. [سبأ: ١] بيَّنَّا أن الحمد في الآخرة أكبر وأعظم من الحمد في الدنيا؛ لأنك في الدنيا تعيش بالأسباب، أما في الآخرة فتعيش مع ذات المسبِّب سبحانه، في الدنيا نعيم موقوت، وفي الآخرة نعيم باقٍ، في الدنيا فناء، وفي الآخرة بقاء؛ لذلك قال سبحانه عن الآخرة:
وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: ١٠].
وقال سبحانه حكايةً عن المؤمنين في الآخرة:
وَقَـالُواْ الْحَـمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر: ٧٤].

وقالوا:

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ.. [الأعراف: ٤٣].
فإنْ قُلْت: فما وجه الحمد في أن الله تعالى يملك السماوات والأرض؟ نقول: فَرْق بين أنْ يخدمك في الكون مَا لا تملك، وبين أنْ يخدمك ما تملك، فالعظمة هنا أنك تنتفع هنا بما لا تملك، فالسماوات والأرض مِلْك لله، ومع ذلك هي في خدمتك أنت، وليست العظمة من أنْ يخدمكَ ما تملكه.
لذلك قالوا لأحد الناس: لماذا لا تشتري لك سيارة؟ قال: والله الإخوان كثيرون، وكلهم عندهم سيارات، وكل يوم أركب سيارة واحد منهم، ولا يغرمني هذا شيئاً. إذن: انتفاعك بما يملك الغير أعظمُ من انتفاعك بما تملك أنت، وملْك الله جُعل لصالحنا نحن، وهذه تستحق الحمد، فاللهم لا تحرمنا نعمك.
ملحظ آخر أن الحق سبحانه يريد أن يُطمئِنَ العبادَ، فمُلْك السماوات والأرض لله وحده، ولو كانت لغيره لمنعنا منها، فكأن ربك يقول لك: اطمئن فهذا ملْكي وأنا ربك ولن أتخلى عنك أبداً، وليس لي شريك ينازعني، فيمنع عنك خيراتي، فأنا المتفرِّد بالملْك والسلطان.

لذلك، فالحق سبحانه حين يقول للشيء:

كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٤٧] ما قال (كُنْ) إلا لأنه سبحانه يعلم أنه لا يستطيع ألاَّ يكون، والدليل قوله تعالى عن الأرض
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] أي: أصغتْ السمع، وحَقَّ لها ذلك، فما قال سبحانه لشيء كُنْ إلا وهو واثق أنه لا يخرج عن أمره.
لذلك سبق أن قُلْنا: إن الحق سبحانه حين طلب منا أنْ نشهد أنه لا إله إلا هو شهد بها لنفسه أولاً، فقال:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨] وهذه شهادة الذات للذات، ولذلك تصرَّف سبحانه في الملك تصرُّف مَنْ لا شريكَ له، فلم يقُل شيئاً أو يحكم حكماً، ثم خاف أن ينقضه أحد أو يعدله.
ثم شهدتْ بذلك الملائكة، ثم شهد بذلك أولو العلم من عباده
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ.. [آل عمران: ١٨].
فشهادة الله شهادة الذات للذات، وشهادة الملائكة شهادة المشهد، وشهادة أُولي العلم شهادة العلم والدليل.
ونلحظ أيضاً أن الحق سبحانه قال: الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.. [سبأ: ١] فكرَّر الاسم الموصول (ما) ولم يقُلْ له ما في السماوات والأرض، كما جاء في قوله سبحانه في التسبيح: مرة:
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.. [الجمعة: ١].

ومرة:

يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الحشر: ٢٤].
وفَرْق بين التعبيرين؛ لأن هناك خَلْقاً مشتركاً بين السماء والأرض، وهناك خَلْق خاص بالسماء، وخَلْق آخر خاص بالأرض، فإنْ أراد الكل قال:
مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الحشر: ٢٤]، وإنْ أراد الاختلاف كلاً في جهته، قال مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.. [سبأ: ١].
والسماوات والأرض ظرف لما فيهما من خيرات، والذي يملك الظرف والمكان يملك المظروف فيه، فالحيز هنا مشغول.
ثم يقول سبحانه تذييلاً لهذه الآية وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سبأ: ١] الحكيم: هو الذي يضع الشيء في مكانه وموضعه المناسب، ولا يتأتّى هذا إلا لخبير يعلم الشيء، ويعلم موضعه الذي يناسبه؛ لذلك قال سبحانه وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سبأ: ١] الذي لديه خِبْرة بدقائق الأشياء وبواطنها.
ثم أراد سبحانه أنْ يعطينا نموذجاً لهذه الحكمة ولهذه الخبرة، فقال سبحانه:
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا....
معنى يَلِجُ.. [سبأ: ٢] يدخل، ومنه قوله تعالى: يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ.. [فاطر: ١٣] يعني: يُدخِل كلاً منهما في الآخر، فزيادة الليل تنقص من النهار، وزيادة النهار تنقص من الليل؛ لذلك نرى اختلاف المواقيت.
لكن، ما الذي يدخل في الأرض - في حدود ما تراه أنظارنا -؟ هناك أشياء تدخل في الأرض لا دَخْلَ لنا بها كماء المطر مثلاً حين ينزل من السماء، نأخذ منه حاجاتنا، ويتسرَّب منه جزء في باطن الأرض، كما قال تعالى: فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ.. [الزمر: ٢١].
ويدخل في الأرض الحبة التي نزرعها، فينشأ عنها الاقتيات الذي يضمن لنا بقاء الحياة، وهذه الاقتيات يأتي من مضاعفة الحبة إلى أضعاف كثيرة، كذلك يدخل في الأرض الميِّت الذي نستودعه الأرضَ بعد أنْ يموت، ولك أنْ تلحظ وجه الشبه بين الحبة تزرعها، والميت تدفنه في ضوء قوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ [طه: ٥٥].
فكما أن الحبة أنبتتْ سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، كذلك يجب أن نقيس المتواليات الذهنية فنقول كذلك حين أدخل أو أدفن في الأرض بعد الموت: أخرج بحياة أخرى أكثر نماءً من حياتي في الدنيا، وأكثر خَيْراً فضلاً عما سترَتْه الأرض من سَوْءاتي.
وقوله سبحانه: وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ.. [سبأ: ٢] ما الذي ينزل من السماء؟ ينزل منها المطر لاستبقاء الحياة، وبالماء حياة كل شيء حي، هذا في مادة تكوينك، أما في حياتك الروحية فتنزل الملائكة بالقيم وبالمنهج الذي به تحيا الأرواح والقلوب، وتنزل الملائكة المدبِّرات أمراً، التي تدبر شئون الخلائق، والتي قال الله فيها: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ.. [الرعد: ١١].
والبعض لا يفهم معنى الآية، فيقول: كيف تحفظه الملائكة من أمر الله؟ يريدون أن أمر الله ينبغي أنْ يُنفذ، فكيف يحفظونه منه؟ والمعنى: يحفظونه حِفْظاً صادراً من أمر الله، ليس تطوُّعاً من عندهم.
والحق سبحانه يُرينا قدرته في إنزال المطر حينما نُجري عملية تقطير الماء في المعامل والأجزاخانات، انظر كم يتكلف كوب الماء المقطر، وكم يأخذ من الوقت والجهد، أما المطر فتُقطِّره لك قدرة الله دون أنْ تشعر أنت به، فحرارة الشمس تُبخِّر الماء الذي يُكوِّن السحب، ثم تسوقه الرياح إلى حيث شاء الله له أنْ ينزل، ومن حكمته تعالى أنْ جعل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماءً لتتسع مساحة البخر، فيكفي المطر حاجة الأحياء.
ومثّلنا لهذه الظاهرة بكوب الماء الذي تتركه لمدة شهر، فلا ينقص إلا عدة سنتيمترات، أما إنْ سكبْتَه في أرض الحجرة فإنه يجفّ قبل أن تغادرها، لماذا؟ لأنك وسَّعْتَ المساحة التي يتبخر منها الماء.
وماء المطر هو الماء العَذْب الزلال الذي يشرب منه الإنسان والحيوان والطير، ونسقي منه الزرع ومشارف الأرض، وما تبقَّى يسلكه الله في جوف الأرض لحين الحاجة إليه، فالمطر آية من آيات الله الدالة على قدرته تعالى.
ثم يقول سبحانه: وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا.. [سبأ: ٢] أى: يصعد، وقد أشار القرآن إلى هذه المسألة في قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.. [فاطر: ١٠] أى: تصعد آثار التكليف المنهجي من الله تعالى.
لكن نلحظ في أسلوب وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا.. [سبأ: ٢] استخدام حرف الجر (في) ولم يَقُلْ يعرج إليها، نعلم أن الحرف يدل على معنًى في ذاته، لكن هذا المعنى لا بُدَّ له من ضميمة شيء إليه، ليعطي معنى يفهم، فالحرف (في) يدل على الظرفية، كما تقول: ماء في الكوب، أمَّا لو قلت (في) مستقلة بذاتها، فإنها لا تدلُّ على شيء.
والعلماء حينما استقبلوا كثيراً من الأساليب وجدوا بها حروفاً ظَنُّوا أنها زائدة، أو أنها بمعنى حرف آخر، كما قالوا في معنى: وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا [سبأ: ٢] أن (في) هنا بمعنى (إلى)، لكن لماذا عدل الأسلوب عن (إلى) إلى (في)؟ إذن: لا بُدَّ أنها تحمل معنى الظرفية.
وللتوضيح نذكر ما قُلْنا في قوله تعالى: وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ [طه: ٧١] البعض قال أي: على جذوع النخل، وهذا فَهْم غير دقيق عن الله؛ لأن (في) هنا تعطيني المعنيين: معنى (على) ومعنى (في).
فالتصليب صَلْب شيء على شيء، وهذا المعنى تؤديه (على)، لكن فيه قصور، فإنْ أردتَ (على) فحسب، فينبغي أنْ تقول: لأصلبنكم على جذوع النخل تصليباً قوياً، بحيث تدخل أجزاء المصلوب في المصلوب عليه. إذن: المعنى الكامل للتصليب لا تؤديه إلا (في).
خُذْ مثلاً عود كبريت وضَعْه على يدك، أو على أصبعك، والفُفْ عليه خيطاً خفيفاً، في هذه الحالة الخيط فقط يثبت العود، أما إذا شددْتَ عليه الخيط بقوة، فإن العود يدخل في الجلد حتى يكاد يختفي بداخله، هذا هو التصليب المراد أنْ تشدَّ المصلوب على المصلوب عليه بقوة بالمسامير أو الحبال أو نحوه.
لذلك قال سبحانه: فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ.. [طه: ٧١] ولم يقُلْ على جذوع النخل؛ لأن (في) أدَّتْ معنى الاستعلاء والظرفية معاً.
كذلك في وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا.. [سبأ: ٢] ولم يقًلْ: وما يعرج إليها؛ لأن إلى لا تؤدي المعنى المطلوب، فـ (إلى) تدل على الغاية، كما تقول: سافرت من القاهرة إلى الإسكندرية. والسماء ليست هي غاية صعود الكَلِم الطيب، إنما غايته ومنتهاه إلى الله عز وجل، وما السماء إلا طريق يُوصل إلى المنتهى الأعلى، وسبق أنْ قُلْنا: إن السماء هي كل مَا علاك.
وهذا المعنى لحرف الجر واضح كذلك في قوله تعالى: وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ.. [آل عمران: ١٣٣] فاستخدم (إلى) لأن المغفرة هي غاية ما يَسْعى إليه المؤمن ويسارع.
وقال: أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ.. [المؤمنون: ٦١].
ولم يقل: إلى الخيرات؛ لأن الخيرات ليست هي الغاية، إنما هي مراتب يترقَّى فيها المؤمن ويتعالى، كلما وصل إلى خير تطلَّع إلى أَخْيَر منه، فكأن الخيرات ظرف يسير فيه لا إليه.
كذلك لما تكلَّم الحق سبحانه عن الذين كذَّبوا الرسل، قال: فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ.. [إبراهيم: ٩].
البعض يقول: أي: إلى أفواههم، لا لأن (في) تحمل معنى المبالغة في رَدِّ المنهج الذي جاء به الرسل، فالمعنى أن الرسل حينما جاءوا بالمنهج لم يقبله المكذِّبون وقالوا لهم: وفروا عليكم كلامكم، يعنى: لن يُجدي معنا شيئاً، وجعلوا أيديهم داخل الأفواه، وعَضُّوا عليها من الغيظ مما سمعوا من الرسل، وهذا المعنى لا تؤديه لفظة: إلى أفواههم.
ثم هو سبحانه: وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ [سبأ: ٢] صفة الرحيم أي: الذي يمنع وقوع الضُّرِّ بِدايةً، كما قال سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ.. [الإسراء: ٨٢].
كلمة شِفَآءٌ.. [الإسراء: ٨٢] تعني: أنه أصابك مرض نشأ من الغفلة، فجاء القرآن ليُذكِّرك ويُنبِّهك ويشفي نفسك من هذه الغفلة، فإنْ لم توجد الغفلة كان القرآن رحمة تمنع حدوث الداء من البداية. و (رحيم) صيغة مبالغة من الرحمة.
كذلك ٱلْغَفُورُ [سبأ: ٢] صيغة مبالغة من المغفرة، والحق سبحانه كثيراً ما يؤكد على هذه الصفة؛ لأنه سبحانه خلق الإنسان، ويعلم أنه لن يسير دائماً على الصراط المستقيم، ولا بُدَّ أن ينحرف يوماً ما عن المنهج القويم؛ لذلك قال يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ.. [المائدة: ١٥].
وقلنا: إنه لولا صفة الرحمة والتوبة والمغفرة لتمادى المذنب في الذنوب، ويئس أنْ يعود إلى الطريق المستقيم، وهذا الذي أسميناه (فاقد) وبه يشقى المجتمع كله، لكن إنْ عرف أن له رباً يغفر الذنب ويقبل التوبة، فإنه يُقبل عليها ويتوب ولم لا، وقد تكفَّل الله له بمغفرة ذنوبه إنْ تاب وأناب؟
إذن: شرع اللهُ التوبةَ ليرحم الخَلْقَ ليرحم الخَلْق كلهم، ويُقدِّم لهم جميلاً، فحين يتوب على المذنب يرحم المجتمع مِن شرِّه، ويرحمه هو من آثار ذنوبه؛ لذلك يقول تعالى: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ.. [التوبة: ١١٨] أى: شرع لهم التوبة ليفتح لهم مجال التراجع وطريق العودة إلى الله، حتى لا يكون هناك شراسة وتَمَادٍ في الشر، ولا ينقلب المذنب إلى طاغوت.
وحين نتأمل قوله تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا.. [إبراهيم: ٣٤] نجد صَدْر الآية ورد بنفس اللفظ في موضعين، لكن العَجُز مختلف، ففي آية: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] وفي الأخرى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: ١٨].
عندما وقف بعضهم عند هذه الآية اعترضوا، فقالوا: كيف تُعَدُّ النعمة، وهي واحدة؟ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا.. [إبراهيم: ٣٤] والرد: أن النعمة التي تراها واحدة في ظاهرها في طَيِّها نِعَم شتى، وقد وَضُح لنا هذا بعد أنْ تقدَّمت العلوم وظهر علم عناصر الأشياء، فالتفاحة مثلاً تراها في ظاهرها نعمة واحدة، لكن علم العناصر يُبيِّن لنا أن بها نعَماً شتى، وعناصر وفوائد مختلفة، فهي نعمة في طيِّها نِعَم.
والنعمة تقتضي: نعمة، ومُنْعِماً، ومُنْعَماً عليه، فالنعمة في ذاتها من الكثرة بحيث لا تُعَدُّ ولاَ تُحصى؛ لذلك استخدم كلمة (إنْ) الدالة على الشك، ولم يقل مثلاً: إذا عددتم نعمة الله؛ لأن هذا مجال لا يطمع فيه أحد، ونِعَم الله ليست مظنة الإحصاء.
لذلك لم يُقْدِم أحد على محاولة عَدِّ نِعَم الله حتى بعد أنْ وُجدت جامعات وكليات متخصصة في الإحصاء، حاولت إحصاء كل شيء إلا هذه المسألة، لأن الإقبال على العَدِّ والإحصاء يعني إمكانية الوصول إلى إحصاء المعدود.
أما من حيث المنْعَم عليه وهو الإنسان، فهو ظَلُوم كفار، ظلوم لنفسه ولغيره، كفَّار بالنعمة، ولو آخذناه بذلك لحرمناه هذه النعمة، والذي حماه من هذا الحرمان أن المُنعِم عليه غفور ورحيم، وهذا إذا نظرنا إلى المنعمِ سبحانه.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ... .
هنا أيضاً يُحدِّثنا عن الساعة، ففي آخر الأحزاب
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ.. [الأحزاب: ٦٣] وهنا ينكرونها وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ.. [سبأ: ٣] أي: القيامة.
فلماذا ينكرونها؟ نعم ينكرونها؛ لأنهم أسرفوا على أنفسهم، وتمادوا في غيِّهم، ولن تكون القيامة في صالحهم؛ لذلك يهربون منها بالإنكار والتكذيب. حتى إخوان هؤلاء المكذبين مِمَّنْ يحبون أن يستدركوا على كلام الله يقولون: إذا كان الله قد قدَّر كل شيء على العبد، فقدَّر الطاعة، وقدَّر المعصية، فلماذا يعذبه على المعصية؟
والملاحظ، أنه لم يقُلْ أحد منهم في المقابل: ولماذا يثيبه على الطاعة؟ مما يدل على أن هذه الوقفة خاطئة وغير منطقية، وأنهم يخافون العقاب، وصاحب هذه المقولة ما قالها إلا لأنه واثق من كثرة سيئاته، ومن مصلحته أن يُكذِّب بالقيامة وينكرها، كالذي قال: وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
فكثرة سؤالهم عن الساعة وإنكارهم لها يدلُّ على خوفهم منها، بل هم مرعوبون من مجرد تصديقها؛ لأنهم يعلمون جيداً أنهم إن استتروا عن الناس فلن يستتروا من الله، وإنْ عَمُّوا على قضاء الأرض فلن يُعَمُّوا على قضاء السماء، ولن تنفعهم في القيامة حجة ولا لباقة منطق، ولا تزييف للحقائق.
لذلك قال صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ أحدكم أن يكون ألحنَ بحُجَّته فأقضى له، فمَنْ قضيتُ له من حقِّ أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أُقْطِع له قطعةً من النار".
فالقاضي يحكم بالحجة وبالبيان، ويمكن للمتكلم أَن يُضلِّل القاضي، وأنْ يأخذ حقَّ الآخرين ظلماً، كما يفعل بعض المحامين الآن، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فأنت في محكمة قاضيها الحق سبحانه وتعالى.
إذن: هؤلاء ينكرون القيامة؛ لأنها اللغز الذي يحيِّرهم، والحقيقة التي تقضُّ مضاجعهم وتُرعبهم، الحقيقة التي تزلزل جاههم، وتقضي على سيادتهم، وإنْ أَمِنوا في الدنيا لما لهم من جاه وسيطرة، ففي القيامة سيأتون كما قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ.. [الأنعام: ٩٤]...
ثم يرد الحق سبحانه على إنكارهم للساعة، فيقول مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.. يعني: قُلْ بِملء فيك (بلى) وبلى نفي للنفي السابق في قولهم لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ.. وحين ننقض النفي، فإننا نثبت المقابلَ له، فمعنى (بلى) أي: أنها ستأتي.
ثم لا يكتفي الأسلوب بذلك، إنما يؤكد هذه القضية بالقَسَم قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.. فالحق سبحانه يُعلِّم رسوله أنْ يحلف بذاته سبحانه وهو مطمئن أنها ستأتيهم، والحق سبحانه لا يُلقِّن رسوله يميناً كاذباً، والحق سبحانه صادق دون حلف، فما بالك حين يحلف لك؟
وقوله تعالى بعدها عَالِمِ الْغَيْبِ.. فيه إشارة إلى أننا لا نخبر بالساعة ولا نحلف على إتيانها من فراغ، إنما بما عندنا من علم الغيب، فهي لا بُدَّ آتية، ليس هذا فحسب، إنما سنُوافيكم فيها بإحصاء كامل للذنوب، كبيرها وصغيرها، ظاهرها وخَفيِّها، فعالِم الغيب لا يخفى عليه شيء مهما استتر، ومهما كنتَ بارعاً في إخفائه عن الناس.
عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ لا يعزب: لا يغيب عن علمه.
والحق سبحانه في جمهرة الآيات يضرب المثل لِصِغَر الأشياء بالذرة، وهي الهباءة التي نراها في شعاع الشمس، ولا نراها في الظل لِصِغَر حجمها...
وتأمل الدقة الأدائية هنا، فقط ذكر الذرة، وهي أصغر شيء عرفه الإنسان، ثم ذكر الصغير عنها والأصغر بحيث مهما وصلنا في تفتيت الذرة نجد في كلام الله رصيداً لما سنصل إليه...
ولقائل أنْ يقول: إذا كان الحق سبحانه يمتنُّ علينا بمعرفة الذرة، وما دَقَّ من الأشياء، فما الميْزة في أنه سبحانه يعلم الأكبر منها؟
قالوا: هذه دقيقة من دقائق الأسلوب القرآني، فالشيء يخفى عليك، إما لأنه مُتناهٍ في الصِّغَر، بحيث لا تدركه بأدواتك، أو لأنه كبير بحيث لا يبلغه إدراكك، فهو أكبر من أنْ تحيط به لِكبره، إذن: فالحق سبحانه مُسلَّط على أصغر شيء، وعلى أكبر شيء لا يغيب عنه صغير لصِغَره، ولا كبير لِكِبَره.
والحق سبحانه لا يحيط علمه بما في كَوْنه فحسب، بل ويُسجِّله في كتاب مُعْجِز خالد، وفَرْق بين الأخبار بالعلم قوْلاً وبين تسجيله، فإذا لم يكُنْ العلم مُسجَّلاً فَلَك أن تقول ما تشاء، لكن حين يسجل يصير حجة عليك.
لذلك نرى الحق سبحانه حين يعطينا قضية في الكون يحفظها مع القرآن، وأنت لا تحفظ إلا ما في صالحك، وما دام الحق سبحانه يحفظها فهذا يعنى أنها واقعة لا محالة، وإلا ما سجَّلها الحق سبحانه وحفظها، فهو سبحانه يعلم تمام العلم أنه لا يكون في مُلْكه إلا ما علم، إذن: كتب لأنه علم، وليس عَلِم لأنه كُتِب. ومَن الذي أمر بكتابته؟ علمه سبحانه إذن: فالعلم أسبق.
لكن، لماذا عندما سألوا عن الساعة أو أنكروها ذكَّرهم الله بعلمه لكل صغيرة وكبيرة، فقال: لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ.
قالوا: ذكر لهم الحق سبحانه إحاطة علْمه بكل شيء؛ ليلهيهم عن التفكير في أمر الساعة، ويشغلهم بذنوبهم، وأنها محسوبة عليهم لا يخفى على الله منها شيء، وعندها سيقولون: ليتنا ما سألنا، كما قال تعالى:
يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.. [المائدة: ١٠١].
إذن: سألوا عن الساعة، فأخذهم إلى ساحة أخرى تزعجهم وتزلزلهم كلما علموا أنَّ عِلْم الله تعالى يحيط بكل شيء في السماوات وفي الأرض...
لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ....
عجيب أنْ يُوصف الرزق ذاته بأنه كريم، فالكريم صفة الرازق الذي يهبُكَ الرزق، فما بالك إنْ كان الرزق نفسه كريماً يذهب إليك ويعرف مكانك...
سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا..:... ألَّبوا الناس عليها ليزهد فيها مَنْ كان مُقْبلاً عليها، ويخرج منها مَنْ كان فيها ويتملَّص منها، سعَوْا في آيات الله وهي القرآن ليبطلوه وليصرفوا الناس عنه، لماذا؟ لأنهم واثقون من أثر القرآن في القلوب، فلو أعطاه الناسُ آذانهم لابد وأنْ يؤثر فيهم ويجذبهم إلى ساحة الإيمان، فتنفعل به قلوبهم. وتلهج به ألسنتهم.
وهؤلاء هم الذين قالوا: لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦] ولو كان القرآن كلاماً عادياً غير ذي أثر لَمَا نَهوْا عن سماعه، ولما شوَّشوا عليه، وخافوا من سماعه.
مُعَاجِزِينَ..... عَاجَزَ يعنى: حاول كُلٌّ من الطرفين إثبات عجز الآخر. تقول: عاجزني يعني: جعلني أفعل فعلاً أعجز عنه، فكأنهم يريدون بسعيهم في آيات الله أنْ يُثبِتوا عجزها، وأن يُعجِزوا الدعوة أنْ تبلغ مداها، ويُعجِزوا رسولَ الله أنْ يتمم رسالته، ويُعْجزوا منهج الله أن يصل إلى خلق الله.
لكن يُعاجزون مَنْ؟ يُعاجزون الله؟ كيف وهو سبحانه الذي أرسل الرسل، وتكفَّل بنصرتهم وعدم التخلِّي عنهم، وما كانت الحروب والقتال بين الرسل والمكذبين إلا سبباً يأتي من خلاله نصر الله، كما قال سبحانه:
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤].

وقال سبحانه:

وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٢].
إذن: مَنْ سيُعاجزون؟ ربما يُقبل أنْ يُعاجزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يُعاجزوا المؤمنين، أما الحق سبحانه فهو الغالب القادر، وهل يستطيع أحد أنْ يُعجز الله، ويتغلب عليه سبحانه، فيجعله عاجزاً، وهو سبحانه القادر الغالب؟
فمعنى سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا.. أي: وضعوا المكايد والعراقيل في طريقها: ليفسدوا أمر الدعوة، وحتى يردُّوها على رسول الله في فمه الذي قالها مُعَاجِزِينَ حالة كونهم معاجزين، يعني: يسيرون مع خالقهم في مضمار واحد، الله يريد أن يُعجزهم، وهم يريدون أنْ يُعجزوا الله، وأنْ يكونوا في مكان القدرة الإلهية العليا؛ ليثبتوا أن الدعوة باطلة.
ثم يُبيِّن سبحانه جزاء هؤلاء المعاجزين: أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ [سبأ: ٥] الرِّجز والرُّجز هو الحِمْل الثقيل، وأصله الذنب، وما يترتب عليه من عقوبة...
هنا تثبيت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأن ربه -عز وجل- يقول له: يا محمد لا تيأس من هؤلاء الذين سَعَوْا في آياتنا معاجزين ولا تهتم، فإن الذي جعل من الكفرة مَنْ يسعون بالفساد ويُعاجزون خالقهم جعل أيضاً لك مَنْ ينصر دعوتك ويؤيدك من الذين يؤمنون بآيات الله، ويعلمون أنها الحق، وأن مَا يقوله هؤلاء من الهراء، وهو الباطل.
فكما أثبتَ لهم سَعْياً في الباطل ومعاجزة أثبتَ للمؤمنين العلم بآيات الله وتصديقها والاعتراف بأنها الحق، وطمأن رسول الله أن هؤلاء لن يفسدوا عليك أمرك، ولن يُطفئوا نور الله، كما قال سبحانه: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَٰفِرُونَ [الصف: ٨].
وقال: هُوَ الَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣].
فقوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ.. أي: يشهدون لك بأنك على الحق، وأنك جِئتَهم بمنهج هو الحق، ويهدي إلى صراط مستقيم. إذن: فضَعْ هؤلاء قبالة الذين سعَوْا في آياتنا معاجزين، واعقد مقارنة بين هؤلاء وهؤلاء.
فالكفار الذين سَعَوْا في آياتنا بالفساد مُجرَّدون عن معونة القدرة، بل إن القدرة ضدهم ولهم بالمرصاد، أما الذين أوتوا العلم وشهدوا لرسول الله، فهم مُؤيِّدون للقدرة الإلهية، والقدرة معهم تساندهم، فأيُّ الكِفَّتين أرجح؟
ومعنى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ [سبأ: ٦] الذين أوتول العلم من المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم الذين صدَّقوه وصدَّقوا معجزته ورسالته. أو: الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب اليهود أو النصارى، فالمنصفون منهم يعلمون صِدْق رسول الله، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم وهم الذين ذهبوا إلى يثرب قبل بعثة رسول الله ينتظرون بعثته، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا يقولون: لقد أظلّ زمن نبي جديد نتبعه ونقتلكم به قَتْل عاد وإرم
فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ.. [البقرة: ٨٩].

لذلك يقولون القرآن في جدال الكافرين:

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ.. [الرعد: ٤٣] أي: رداً عليهم
كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.. [الرعد: ٤٣] أي: الله الذي أرسلني بالمعجزة
وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد: ٤٣] أي: من اليهود والنصارى، أهل التوراة والإنجيل.
والعلم: هو كل قضية مجزوم بها، وهي واقعة وعليها دليل، وغير ذلك لا يعتبر عِلْماً، فالقضية إنْ لم يكُنْ مجزوماً بها فلا تدخل في العلم، إنما هي في الشك، أو في الظن، أو في الوهم، فإنْ كانت القضية مجزوماً بها، لكن ليس لها واقع، فهذا هو الجهل.
لذلك سبق أن قلْنا: ليس الجاهل هو الذي لا يعلم، إنما الجاهل الذي يعلم قضية منافية للواقع، أما الذي لا يعلم فهو الأميُّ خالي الذِّهْن تماماً؛ لذلك يقبل منك ما تقول، على خلاف الجاهل الذي ينبغي عليك أنْ تثبت له خطأ قضيته أولاً، ثم تقنعه بما تريد.
فإنْ كانت القضية مجزوماً بها ولها واقع، لكن لا تستطيع أنْ تُدلِّل عليها، فهي تقليد...
والعلم وإنْ كان أنواعاً كثيرة، إلا أنه يمكن حَصْره في العلم الشرعي والعلم الكوني: العلم الشرعي أو علم الشرع، ومصدره السماء يُبلِّغه رسول بمعجزة، ولا دَخْلَ لأحد فيه، وليس للبشر في علم الشرع إلا النقل والرواية، والبلاغ من الرسول، وهذا العلم هو الذي يُحدِّد لنا الحلال والحرام، وقد جاء العلم الشرعي لا ليتدخل في العلم الكوني، إنما جاء ليضبط الأهواء المختلفة؛ لذلك يختلف الناس في هذا العلم.
أما العلم الكوني فهو العلم الذي يبحث في أجناس الوجود كلها: في الجماد، وفي النبات، وفي الحيوان، وفي الإنسان، فهذا العلم يقوم على نشاط العقل، ولا يختلف الناس فيه؛ لأنه مادىٌّ يعتمد على البحث والتجربة والملاحظة؛ لذلك يتنافس فيه الناس، وربما سرقوه بعضهم من بعض.
وبهذا العلم الكوني يُرَقِّي الإنسان حياته، فالخالق عز وجل أعطاك كل مُقوِّمات الحياة وضرورياتها، وعليك إنْ أردتَ رفاهية الحياة أن تُعمِل عقلك وفكرك في معطيات الكون من حولك لتكتشف ما لله تعالى في كونه من أسرار وآيات تُرقِّي بها حياتك...
فمعنى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ.. أي: العلم الشرعي، وهم الذين آمنوا بك وصدَّقوك بالمعجزة على أنك رسول الله، وأن ما جئتَ به هو الحق الَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ...
وكذلك الذين أوتوا العلم الكوني لهم دَوْر في تصديق الرسل وتأييدهم بما أوتوا من العلم الكوني الذي يدلُّ على الله، وإذا كان القرآن كتابَ الله المقروء، فالكون بأجناسه المختلفة كتاب الله المشَاهَد المنظور.

واقرأ إنْ شئت قول الحق سبحانه وتعالى:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا.. [فاطر: ٢٧] هذا هو النبات
وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [فاطر: ٢٧] وهذا هو الجماد
وَمِنَ النَّاسِ.. [فاطر: ٢٨] الإنسان
وَالدَّوَآبِّ وَالأَنْعَامِ.. [فاطر: ٢٨] أي: الحيوان
مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ.. [فاطر: ٢٨].

ثم يختم الحق سبحانه بقوله:

إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.. [فاطر: ٢٨] أيّ علماء؟ علماء الكون الذين يبحثون في أجناسه المختلفة وقوانينه العلمية والاجتماعية والصحية.. إلخ.
وهؤلاء العلماء يخشوْنَ الله؛ لأنهم يشاهدون أسراره في كونه، ويُطْلِعون الناس عليها، فهم جُنْد من جنود الدعوة إنْ آمنوا يؤيدون قدرةَ الله، بل ويستشهد علماء الشرع بكلامهم، ويُظْهِرون قدرة الله في الكون من خلال نظرياتهم العلمية، إذن: للعلم الكوني مهمة كبرى في مجال الدعوة إلى الله.
لكن، مَنْ الذي يرى مِنْ هؤلاء -علماء الشرع، أو علماء الكون- أن الذي جاء به محمد هو الحق؟
إنْ قُلْنا علماء الشرع فقد شهدوا لرسول الله وصدَّقُوه، سواء من المؤمنين برسالته، أم من علماء أهل الكتاب، وإنْ قلنا علماء الكون فقد شهدوا هم أيضاً لرسول الله وأيَّدوه بما لديهم من أسرار قدرة الله...
فقوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ.. أي: العلم الشرعي المنزَّل من أعلى، أو العلم الكوني القائم على البحث والمشاهدة. وقوله أُوتُواْ الْعِلْمَ.. سواء كان عِلْماً شرعياً، أو علما كونياً يدل على أن العلم إيتاءٌ، فليس هناك عالم بذاته، إنما العلم إيتاء من الله حتى فى علم الكونيات لذلك لم يقل علموا، إنما أُوتُواْ الْعِلْمَ.....
ونلحظ في أسلوب الآية أن المفعول الثانى للفعل (يرى) جاء على صورة الضمير المنفصل وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ.. ولم يقل الحق فقط إنما هُوَ الْحَقَّ.. وهذا الضمير المنفصل يعني أن غيره ليس حقاً، فالحق هو الذي أُنزِل على رسول، وما عداه ليس حقاً، وكأنها خاصية لم تُعْط إلا له صلى الله عليه وسلم.
ومثلها قوله تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم:
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: ٧٨] فلم يَقُلْ: الذي خلقني يهديني؛ لأنها تحتمل أن يهديك غيره، إنما فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: ٧٨] قصرت الهداية عليه سبحانه وتعالى...
إذن: قوله تعالى: هُوَ الْحَقَّ.. دلَّتْ على أن الحق واحد، هو ما أنزل الله، وما عداه باطل...
والحق هو: الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يُنكر، وكيف تنكر الحق وأنت حين تريد أنْ تؤيد نفسك في شيء تقول: هذا حقي يعني لي ولا ينازعني فيه أحد، فالدَّعْوى التي تقيمها أن هذا حقك.
والحق إلى جانب أنه أمر ثابت فهو ينفعك، فله إذن ميزتان أو حجتان: الأولى أنه الحق الثابت وغيره باطل، والأخرى أنه يعود عليك نفعه؛ لذلك قال تعالى بعدها: وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، فإذا لم تقبل الحق لذاته وتتعصب له، فاقبله لما يعود عليك من نفعه، فهذان الأمران هما من حيثيات التمسك بالحق.
ومعنى الْعَزِيزِ.. هو الذي لا يُغلب ولا يُقهر، ومنه قولنا: عزَّ علىَّ كذا يعني: لم أقدر عليه، وفلان عزيز يعني لا يقهره أحد، فصفة العزة صفة ترهيب، فحين تُعرِض عن هذا الحق فاعلم أنك تعصي عزيزاً لا يُقهر، يغلب ولا يُغلب.
ثم يتبعها سبحانه بصفة من صفات الترغيب الْحَمِيدِ بمعنى المحمود على ما يُعطى من النِّعَم، فهي تُرغِّبك في المزيد من نِعَم الله.
قوله تعالى: وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ.. [سبأ: ٧] معلوم أن القول يحتاج إلى قائل، وإلى مقُول له، القائل هم الذين كفروا، قالوا: لمن؟ قالوا بعضهم لبعض وهم يتسامرون، أو قال المتبوع منهم لتابعه الذي يقلده. أما قولهم فهو هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ: ٧].
ويلفت أنظارنا في هذا القول أنهم وصفوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة (رجل)، وهي نكرة قصدوا بها الاستهزاء والاستنكار والتقليل من شأنه صلى الله عليه وسلم.
وهذا في حد ذاته يدل على غبائهم وتغفيلهم، فهم أنفسهم الذين وصفوه بأنه رسول الله حين قالوا كما حكى القرآن عنهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ٧] فدلَّ ذلك على غبائهم.
وهم أيضاً الذين قالوا - لما فَتَر الوحي عن رسول الله - إن ربَّ محمد قلاه، وهذا عجيب منهم، فعند المحنة والسوء يعترفون أن لمحمد رباً.
وقولهم يُنَبِّئُكُمْ.. [سبأ: ٧] من النبأ، ولا يُطلَق إلا على الخبر الهام وليس مطلق الخبر، فمثلاً حين أقول لك: أكلتُ اليوم كذا وكذا، وذهبتُ إلى مكان كذا لا يُعَدُّ هذا نبأ؛ لأنه خبر عادي، أما النبأ فخبر عجيب وهام وعظيم، كما جاء في قول الله تعالى: عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ [النبأ: ١-٢].
ومعنى إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.. [سبأ: ٧] التمزيق: إبطال الكل عن أجزائه، وإبعاد الأجزاء بعضها عن بعض، فمثلاً أنا أجلس الآن على كرسي، هذا الكرسي كُلٌّ مكوَّن من أجزاء: خشب ومسامير وغِراء وقطن وقماش.. إلخ، فتمزيق هذا الكل أن أفصل هذه الأجزاء عن بعضها، فينهدم هذا الكل إلى أجزاء.
وينبغي هنا أن نُفرِّق بين الكل والكلى: الكل مكوَّن من شيء كثير، لكنه مختلف في الحقيقة، فالخشب غير المسمار غير الغِراء غير القماش، فكل جزء له تكوينه الخاص.
أما الكلي فيُطلق على أشياء كثيرة منفصلة، إلا أنها متفقة في الحقيقة، كما نقول مثلاً: إنسان بالنسبة للأفراد شيء كلي؛ لأن الإنسان يُطلق على كل المجموع، بحيث يُقال عن كل فرد: إنسان، إنما في الكل لا أقول الخشب كرسي.
هذا هو التمزيق، فماذا أضافت كُلَّ مُمَزَّقٍ.. [سبأ: ٧]؟
أي: تمزيقاً شديداً يُمزِّق الكل، ويمزِّق الجزء، إذن: التمزيق له مراحل وصور، فمعنى مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.. [سبأ: ٧] استقصاء لأصغر شيء يصل إليه الممزَّق، وهذا التمزيق نشاهده في تحلل الميت وتفكُّك أجزائه وعناصره، حتى تذهب في الأرض، لا يبقى لها أثر.
ومن ذلك قولهم: وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.. [السجدة: ١٠].
فمعنى ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ.. [السجدة: ١٠] أي: ذهبنا فيها وغِبْنا في متاهتها.
والتمزيق له أسباب متعددة، فمَنْ يموت ويُدفن تمزِّقه الأرض، ومَنْ يموت محروقاً تمزِّقه النار، وربما تذروه الرياح وتتبعثر ذراته، ومَنْ تأكله الحيوانات والطير.. إلخ.
ومع هذا التمزيق والتفتيت والبعثرة تستطيع قدرة الله أنْ تعيد الإنسان من جديد، واقرأ: قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ١-٣] يستبعدون البعث، فيردّ القرآن عليهم قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ.. [ق: ٤] يعني: لا تستعجبوا، فكل ذرة تبعثرتْ نعلمها، ونعلم مكانها، ونقدر على إعادتها وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤] يعني: ليس مجرد علم، إنما علم مُسجَّل محفوظ، لا يناله تغيير ولا تبديل.
وقوله: إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ: ٧] الخلق الجديد أن يُعاد الشيء إلى أصل تكوينه، كالذي يقلب البدلة مثلاً فتصير جديدة، لماذا؟ لأنه أعاد تكوينها من جديد.

ثم يقول الحق سبحانه:

أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ... .
هذا القول كسابقه يحتاج إلى قائل ومقول له، ويصح أنْ يكون قائله هو القائل الأول الذي قال هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ.. [سبأ: ٧] ويصح أن يكون الآخر الذى سمع القائل الأول فردَّ عليه: أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ.. [سبأ: ٨].
معنى أَفْتَرَىٰ.. [سبأ: ٨] من الافتراء، وهو تعمُّد الكذب أَم بِهِ جِنَّةٌ.. [سبأ: ٨] أي: جنون يعني: كلامه هراء، لا وزن له، ولا يُقال له صدق ولا كذب. لكن لماذا اتهموا رسول الله بأن به جِنَّة بعد أن اتهموه بالكذب والافتراء؟
قالوا: لأن هذا اتهام كذب، والكاذب دائماً يخاف أنْ يُفتضح أمره، وينكشف كذبه؛ لذلك يحاول أنْ يجعل لنفسه مخرجاً حين يثبت كذبه، فقالوا: أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ.. [سبأ: ٨] فإذا ما ثبت صدق رسول الله، وأنه ليس كاذباً ولا مفترياً وجد المتهم له مخرجاً فقال: والله أنا لا أدري أهو مُفْتر أم به جِنَّة، وما دام ثبتَ صِدْقه، فهو به جِنَّة.
وعجيب أن يصف كفار مكة رسول الله بالكذب والافتراء على الله، وهو واحد منهم، ما عرفوا عنه إلا أنه الصادق الأمين، وما جرَّبوا عليه كذباً قط، وما رأوْه يوماً خطيباً ولا شاعراً، وهم أهل الفصاحة وفرسان الكلمة، لا يَخْفى عليهم تذوُّق اللغة وفَهْم الأساليب العربية، فكان عليهم أنْ يعقلوا أولاً قبل أن يُوجِّهوا لرسول الله هذا الاتهام.
ثم، هل تأتي البلاغة؟ وهل يأتي النبوغ بعد سنِّ الأربعين؟ معلوم أن النبوغ يأتي فى أواخر العقد الثانى أو أوائل العقد الثالث من العمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لَبِثَ فيهم أربعين سنة قبل أن يُبلِّغهم عن الله كلمة واحدة.
لذلك يخاطبهم القرآن، ويجادلهم بالحجة، فيقول على لسان سيدنا رسول الله: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس: ١٦] يعنى: تدبَّروا الأمر واعقلوه، فأنتم أهل البلاغة واللسان الفصيح، ومنكم الخطباء والشعراء ملأوا الدنيا كلاماً، فهل رأيتم مني شيئاً من هذا؟
إذن: الذي قال: أَم بِهِ جِنَّةٌ.. [سبأ: ٨] احتاط لنفسه، فحين يظهر صِدْق رسول الله يقول هو: أنا قُلْت: إنه إما كاذب، وإما مجنون.
ثم يردُّ الحق على هؤلاء: بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ [سبأ: ٨] كلمة (بَلْ) تفيد الإضراب عما قبلها ونفيه ورفضه، ثم إثبات ما بعدها، فهي تنفي أن يكون رسول الله مفترياً، وتنفي أن يكون مجنوناً؛ لأن رسول الله ما جرَّبتُمْ عليه كذباً من قبل، وما رأيتم عليه علامة من علامات الجنون؛ لأن المجنون لا يُحمد على فعل، ولا يُذم على فعل، ولا يُوصَف بصدق ولا كذب، وقد سبق أن مدحتم رسول الله فقلتم عنه "الصادق الأمين".
لذلك يقول الحق سبحانه: نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ١-٤] وهل يُوصَف المجنون بأنه على خلق عظيم؟ هل يُوصَف المجنون بالأدب أو الوفاء أو غيرها من خصال الخلق الحميد؟
فكيف إذن تصفون رسول الله بالجنون، وقد شهدتم له بسيدة الخصال الحميدة في النفس البشرية وهي الأمانة، وكنتم تأتمنونه على أشيائكم، وتضعونها عنده؟ لذلك خلَّف رسول الله الإمام علياً وراءه بعد أنْ هاجر ليرد الودائع والأمانات إلى أهلها.
وبعد أن أبطل الحق سبحانه كذبهم على رسول الله يقرر ما يستحقونه على ذلك من العذاب بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ [سبأ: ٨] في العذاب لأنهم اتهموا رسول الله بالكذب والافتراء على الله، ورسول الله لم يكذب، ولم يفْترِ على الله، وهم في الضلال البعيد؛ لأنهم وصفوا رسول الله بالجنون، وهو شيء مُخِلٌّ بتكوينه إنما لم يكذب، إذن: العذاب مقابل الاتهام بالافتراء على الله، والضلال البعيد مقابل اتهامه صلى الله عليه وسلم بالجنون.

ثم يقول الحق سبحانه:

أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ... .
الهمزة هنا للاستفهام. والمعنى: كيف يقولون هذا ويغفلون عن آيات الله في كونه، وهي ظاهرة لهم غير مطموسة عليهم؛ لأنهم يعيشون في بادية سماؤها مكشوفة لهم، ليستْ ذات عمائر تحجب عنهم آيات الله كأهل المدن مثلاً، قلَّما يَروْن الشمس أو القمر، وإذا حدث كسوف أو خسوف لا يدرون به إلا من أخبار الصحف.
أمَّا أهل البادية فيعيشون في صحراء شاسعة، وتبدو لهم صفحة السماء، أنيسهم الشمس بالنهار، والقمر والنجوم بالليل، وهم ينظرون إلى هذه الآيات ويتأملونها؛ لذلك قال الرجل العربي وهو يتأمل الكون من حوله وهو على الفطرة: سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، القدم تدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، أفلا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟
إذن: كيف وآيات الحق واضحة أمامكم - تتهمون رسول الله وتغفلون عن آيات الله أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ.. [سبأ: ٩] معنى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.. [سبأ: ٩] أمامهم وَمَا خَلْفَهُمْ.. [سبأ: ٩] وراءهم، ويمكنك أن تزيد يمينهم وشمالهم؛ لأنك أينما سِرْتَ في هذه الاتجاهات فلن تجد إلا السماء، حتى لو قلت تحتهم وحاولتَ أنْ تخترق الأرض فلا بُدَّ أن تصل في النهاية إلى سماء في الجهة الأخرى، لكنه لم يقل تحتهم؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يخترق الأرض إلى نهايتها.
ثم أيُّ عظمة في خَلْق السماء بهذا الاتساع وهي بلا عمد؟ إنك لا تستطيع إقامة خيمة مساحتها عدة أمتار إلا بأن تثبتها بالحبال والأوتاد وترفعها بالأعمدة، ولو هبَّتْ عليها الريح اقتلعتْ أوتادها وأعمدتها وهدمتها على مَنْ فيها، فكيف تمرُّ على آيات الله في السماء وفي الأرض دون أن تتأملها؟
ثم يقول سبحانه: إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ.. [سبأ: ٩] كما خسفها بقارون أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ.. [سبأ: ٩] كما نزلت الصاعقة من قَبْل على المكذِّبين للرسل و (كسفاً) جمع كسفة أي: قطعة إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ [سبأ: ٩] آية يعني: عبرة وعِظَة لكل عبد يحاول أنْ يرجع لربه.
فكأن الحق سبحانه جعل في كونه هذه الآيات لتُذكِّر كل غافل، وتردّ كل كافر، وتعطفه إلى أنْ يرجع إلى ربه، ولو رجع الكافر إلى ربه لَقَبِلَه.
إذن: الحق سبحانه خلق الخَلْق، ويريد أن يسعدهم، لكن لا بُدَّ أنْ نختبر مَنْ يستحق السعادة، وأن نُميز مَنْ أطاع منهج الله ومَنْ عصاه.
لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فالحق سبحانه يفتح لعباده - حتى الكافرين منهم - باب الأمل ليعودوا إلى ساحته، وقد ورد عن رسول الله أنه قال: ففتح بالتوبة وبالإنابة باب الرجوع إليه، وخاصة إذا اكتملتْ للإنسان الوسائل الداعية للتوبة من تقدُّم السن أو المرض.. إلخ.
مما يبعد الإنسان عن مَظَانِّ الشهوات، ويدعوه لأنْ يُقبل على الله ويصلح ما فسد من علاقته بربه وخالقه، حتى إذا ما عاد إليه يوم القيامة عاد طاهراً من ذنوبه؛ ذلك لأن الخَلْق خَلْقه، وصَنْعته، والصانع يريد لصنعته الخير والسعادة.
وسبق أنْ ذكرنا الحديث الذي يُوضِّح أن السماء والأرض والجبال والبحار تمرَّدتْ على ابن آدم، واستأذنت ربها - تبارك وتعالى - أن تفتك به. فقالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كِسَفاً على ابن آدم، فقد طَعِم خيرك، ومنع شكْرك.. إلخ، فماذا قال الحق سبحانه لها؟ قال: دعوني وما خلقتُ، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ... .
بعد أن فتح الحق سبحانه باب التوبة لعباده، وأعطاهم الأمل حتى الكافرين منهم، وبعد أنْ فعلوا برسول الله ما فعلوا، وسعَوْا في آيات الله معاجزين ما يزال الحق سبحانه رحيماً بهم، حريصاً عليهم، فيلفت أنظارهم إلى واسع رحمته.
وكأنه سبحانه يقول لهم: لا تستكثروا أفعالكم وذنوبكم أمام رحمة الله، ولا تصدَّنكم هذه الذنوب عن التوبة والعودة إلى الله، وإنْ كنتم أذنبتمْ، فمن الرسل مَنْ حدثت هفوة من بعضهم مع أنهم أنبياء، فكأن الحق سبحانه مع هذا كله يلتمس لهم عذراً.
لذلك ذكر بعدها حكاية سيدنا داود: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً.. وفي موضع آخر بيَّن ما كان من أمر سيدنا داود:
وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [ص: ٢٤].
إذن: لا تخجلوا أنْ تُنيبوا إلى الله؛ لأن سيدكم الذي أعطيته كذا وكذا لمَّا حدثتْ منه هفوة استغفر وخَرَّ راكعاً وأناب، يريد سبحانه أنْ يُحنِّن قلوبهم ليعودوا إلى أحضان ربهم.
كذلك سيدنا سليمان حدثتْ منه هفوة، فابتلاه الله وعاقبه، فتاب واستغفر، واقرأ:
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً.. [ص: ٣٤] والجسد يعني: أنه أصبح لا يستطيع الحركة في ذاته
ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص: ٣٤-٣٥] فماذا كان من أمره بعد أن استغفر
فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ [ص: ٣٦-٣٨].
ومعنى (الفضل) الشيء الزائد، وقد أعطى الله داود عليه السلام نِعَماً كثيرة لم يُعْطِها لكثير من الأنبياء، أعطاه الاصطفاءَ وأعطاه المنهج، وزاده نعمة أخرى خاصة به، وهي أنه ألان له الحديد، كما قال سبحانه: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ...
وكلمة مِنَّا.. دلتْ على أن النعمة ليست من ذاتك، إنما من الله، فتقديم الجار والمجرور هنا أفاد قصْر النعمة على المنعِم سبحانه..
والفضل من الله يأتي الناس جميعاً، لكن الرسل لهم نِعَم متميزة، وفضل أعظم في صورة معجزات، ويُبيِّن الحق سبحانه فضله على نبيه داود بقوله: يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ.
(يا جبال) نداء، فالله ينادي الجبال؛ لأنها تسمع وتعي هذا النداء أَوِّبِي.. يعني: رجِّعي معه ما يقول وما يقرأ من الزبور أو من الذكر، وهنا دليل على أنه يفهم قول الجبال، وأنها تفهم قوله، وتُردِّد خلفه، إذن: للجبال منطق ولغة أفهمها اللهُ نبيَّه داود.
وقد تناولنا مسألة تسبيح الجمادات لمَّا تعرضنا لقوله تعالى:
وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤] ورددنا قول مَنْ قال إنه تسبيح الحال لا تسبيح المقال؛ لأن الله قال
وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤] وما دام قد حكم سبحانه أننا لا نفقه تسبيحهم، فهو تسبيح بالقول.
والذين قالوا بتسبيح الدلالة استعظموا أنْ يكون للجبل كلام ولغة وتفاهم، لكن هل للجبل كلام معك أنت؟ للجبل كلام مع ربه وخالقه الذي قال:
أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
إذن: ما دَخْلك أنت في هذه المسألة؟ ولماذا تنكرها؟

وتأمل قوله سبحانه:

وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ.. [الرعد: ١٣] فجمع بين تسبيح الرعد وهو جماد وتسبيح الملائكة، وهم على أجناس المخلوقات، وأين وجه الدلالة في تسبيح الملائكة؟ فلماذا العجب، وقد ثبت أن لكل شيء لغة تناسبه، وقد رأينا لغة للهدهد، ولغة للنمل.. إلخ.
فعظمة سيدنا داود أنه فهم لغة الجبال، وسمع تسبيحها، ووافق تسبيحُها تسبيحَه، كذلك وَالطَّيْرَ.. يعني: يا طير أوِّب مع داود، وردِّد معه التسبيح.
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ وهذه معجزة أخرى لسيدنا داود، وإذا قال الله عدة أشياء، ثم حدث في الواقع أنه صدق في واحدة، ألاَ أُصدِّقه في الأخرى؟
فإذا قال سبحانه وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ فلا بُدَّ أن نصدِّق بذلك، وأن نعتقد أن الحديد صار في يد سيدنا داود مثل طين الصلصال الذي يشكِّله الأطفال كيفما أرادوا، لأن البعض يرى أن وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ يعني: علَّمه الله أن النار تذيب الحديد، ولو أن الأمر كذلك فليس فيه معجزة، ولا ميزة على غيره من الناس.
وللحديد ميزات عدة، وأنواع مختلفة، وتتوقف مدى أهميته على مدى صلابته، ولأهميته أنزله الله من عَلٍ كما أنزل الكتب؛ لذلك تكلم سبحانه في سورة الحديد عن الرسل مثل موسى وعيسى -عليهما السلام- وتكلم عن إنزال الكتب، وقال عن الحديد:
وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ.. [الحديد: ٢٥].
ومعلوم أن الإنزال يأتي من جهة العلو، فالحق سبحانه أنزل الكتب ينطق بها الرسل لهداية المهتدى الذي يسمع، وأنزل الحديد لردع العاصي وزَجْره، ففي الحديد بأس شديد في وقت الحرب، ومنافع للناس في وقت السلم.

لذلك قال تعالى بعدها:

وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد: ٢٥] ينصره في أيِّ شيء؟ ينصره في الحديد، وفي استخدامه وقت الحروب، وسيدنا داود -عليه السلام- آتاه الله، وأنزل عليه هذا وهذا: الكتاب للهداية، والحديدَ للحرب.
لذلك قال له: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ.. [سبأ: ١١]
أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ.. يعني: دروعاً واسعة، وهي عُدة الحرب يلبسها الجندي على مظانِّ الفتك، وخاصة على الصدر؛ لأن بداخله القلب والرئتين، ولم يقُلْ له اعمل فأساً ولا محراثاً مثلاً؛ لأن هذه لمنافع الأرض، والله يريد ما يحمي المنهج ويزجر العاصي.
وكانت الدروع قبله تُصنع ملساء يتحرك عليها السيف ويتزحلق، وربما أصاب منطقة أخرى من الجسم، وكانت تُصْنع على قدر ما يحمي الصدر، فعلَّمه الله أنْ تكون واسعة لتحمي أكبر قدر ممكن من الجسم، فقال أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ.. [سبأ: ١١].
وعلَّمه كذلك أن تكون على شكل حلَقٍ متداخلة وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ.. [سبأ: ١١] يعني: أحكم تداخل هذه الحِلَق بعضها في بعض، حتى إذا ما نزل عليها السيف ثبت على إحداها ولم يتحرك...
فتأمل أن الله تعالى لم يُعلِّم نبيه داود أولاً وسائل السلم، إنما علَّمه أولاً وسائل الحرب وإعداد العُدة لمن نقض كلمة الله، وحاد عن منهجه، علَّمه أنْ يُعِد له ما استطاع من قوة.
ومعنى: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ.. اجعلها بتقدير دقيق وإحكام في النسج...
ثم يقول سبحانه: وَاعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ كأن الحق سبحانه يقول لنبيه داود: تذكَّر حين تعمل ما طُلِب منك أنِّي بصير بعملك مُطلع عليه، وهذه التذكرة لنبي مأمون على التصرف، فما بالك بنا نحن؟
إننا نلاحظ العامل يتقن عمله طالما يراه صاحب العمل، فإنْ غاب عنه أهمل العمل وغَشَّه، فالله يحذرنا من هذه المسألة.
يعني: كما آتينا داود منّا فضلاً، وكان من هذا الفضل أنْ أوَّبَتْ معه الجبال، وألنَّا له الحديد، كذلك كان من فضل الله على ولده سليمان أنْ طوَّعنا له الريح، وجعلناها تأتمر بأمره.
وسبق أنْ بينَّا أن كلمة الريح إنْ وردت مفردة، فهي في الشر والعذاب، وإنْ جاءت جمعاً دلَّت على الخير والرحمة، واقرأ قوله تعالى:
وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١-٤٢] وقال:
بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤].
وفي الرياح قال: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ.. [الحجر: ٢٢].
وبيان ذلك، أن الريح إنْ كانت مفردة تُعَدّ ريحاً مدمرة؛ لأنها تأتي من ناحية واحدة، والذي يقيم الأشياء ويحفظ توازنها أن الرياح تحيط بها من كل جانب فتستقيم، فالذي يدعم ناطحات السحاب مثلاً الهواء الذي يحيط بها، فإنْ أفرغتَ الهواء من ناحية منها انهارتْ نحو هذه الناحية؛ لذلك كانت الريح الواحدة من جنس العذاب، والرياح من جنس الرحمة، ألاَ ترى الأعاصير تدمر؛ لأنها تأتي من جهة واحدة؟
لكن، هل سخَّر الله تعالى لسليمان الرياح؟ أمْ سخَّر له الريح؟ قالوا: لم تُسخَّر لسليمان الرياح كلها، إنما ريحاً مخصوصة وظَّفها له وطوَّعها لأمره، وهذه الريح أعطتْ سليمان عليه السلام عزَّة ومنعة بحيث لا يَقْوَى أحد على مواجهته أو التصدي له.
لذلك كان هو -عليه السلام- النبي والملك الذي لم يحاربه أحد، ولم يجرؤ أحد على منازعته مُلْكَه ولا نبوته. كيف وفي يده من القوة ما لم يتوفر لغيره، فسلطانه سلطان قَهْر إنْ أراد شيئاً أذعن الجميع لإرادته.
أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت دعوته لاستمالة القلوب، لا لإرغام القوالب؛ لذلك خاطبه ربه بقوله:
إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء: ٤]...
ثم يذكر الحق سبحانه أمراً آخر مما خصَّ به سليمان عليه السلام: وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ.. ومعنى بِإِذْنِ رَبِّهِ.. أن المسألة كلها تسخير من الله لنبيه سليمان، وليس أمراً ذاتياً من عنده.
لذلك قال: وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا.. أي: يميل، أو ينحرف عنه، أو يعصاه نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ فأَمْر سليمان للجن من باطن أَمْر الله، ومَنْ يَعْصِ أمره كأنه عَصَى أمرنا.
... ومعنى اعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً.. [سبأ: ١٣] أى: شُكْراً لله على نعمه، لا لتقوتوا أنفسكم فحسب، إذن: فربُّك يُعلِّمك: لا تعمل على قدر حاجتك فحسب؛ لأن في مجتمعك مَنْ لا يقدر على العمل، فاعمل أنت أيها القادر على قَدْر طاقتك، وخُذْ لنفسك ما يكفيك، وتصدَّق بما فاض عنك لغير القادرين. ومعلوم أن شكر النعمة يقيدها أي يديمها بل ويزيدها، كما قال سبحانه:
لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ.. [إبراهيم: ٧].
أو: المعنى اعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً.. [سبأ: ١٣] أن أقدركم على العمل حتى تعولوا مَنْ لا يقدر على العمل وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣] يعني: قليل من الناس مَنْ يقابل نعمة الله بالشكر.
قلنا: إن من الأشياء التي سخَّرها الله لسليمان ليحقق له مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده أنْ سخَّر له الريح وسخَّر له الجن يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل.. إلخ.
وتسخير الجن يعني: أن الله سبحانه وتعالى سخَّر له أخفَّ الخَلْق حركة وأخفاها وهم الجن؛ لأن للجن طبيعة مخصوصة؛ لذلك قال الله عنهم: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ.. [الأعراف: ٢٧].
ولهم أيضاً خِفَّة في مزاولة الأعمال بأن يقصروا زمنها، وأنْ يكثروا حملها، والدليل على ذلك أن سليمان - عليه السلام - حينما طلب عرش بلقيس، وكان في سبأ قال لجلاَّسه: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣٨] فلم يتكلم أحد من الإنس؛ لأن سليمان قيَّد الإتيان بزمن فوق قدرة البشر، وقد طلب سليمان العرش بعد أنْ علم أن قوم سبأ قد خرجوا وهم في الطريق إليه، ويريد مَنْ يحضر عرش بلقيس قبل أن يصلوا إليه.
حتى الجن لم يتعرض لهذه المهمة جنيٌّ عادي، إنما عفريت من الجن قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ.. [النمل: ٣٩].
وكلمة (عفريت) تعني: أنه الماهر من الجن، الشاطر الذي يأتي بما لا يأتي به غيره من بني جنسه، وهذا يدل على أن الجن منهم العفريت الماهر ومنهم (اللبخة) يعني: مثلنا تماماً. وما زلنا في لغتنا العامية نقول: فلان عفريت يعني: ماهر يجيد ما لا يجيده الآخرون.
لكن، كان في مجلس سليمان مَنْ هو أمهر من العفريت وأكثر منه خبرة وخفَّة، إنه الذي أُوتي قَدْراً من العلم قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ.. [النمل: ٤٠].
فإن كان العفريت سيأتي بعرش بلقيس قبل أنْ يقوم سليمان من مقامه، وربما أقام سليمان في مقامه هذا ساعة أو عدة ساعات، لكن الذي عنده علم من الكتاب تعهد بأنْ يأتي به قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ.. [النمل: ٤٠] وارتداد الطَّرْف لا يحتاج إلى زمن طويل، فالطرف يطرف في الدقيقة الواحدة عدة مرات.
لذلك صوَّر الحق سبحانه سرعة الاستجابة لهذا الفعل، فقال: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: ٤٠].
ولم يتعرَّض السياق لتفاصيل الإتيان بالعرش، ولم يذكر حتى أن سليمان أمره بالإتيان به، بل: أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ.. [النمل: ٤٠] هكذا مباشرة؛ لأن الفعل نفسه لم يستغرق وقتاً، وكذلك جاء التعبير سريعاً مباشراً.
والحق - سبحانه وتعالى - يعلم أن الجن كانوا يَسْترقون السمع قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فقد منعهم الله من استراق السمع، فقال سبحانه: فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩].
وهذه واحدة من ميزات رسالته صلى الله عليه وسلم، فقبل رسول الله صينَ سر السماء جُلُّه. وبعده صلى الله عليه وسلم صِينَ سرُّ السماء كلُّه. قبل رسول الله كان الجن يصعدون في السماء يسترقُون السمع، ويلتقطون بعض كلام الملائكة، ثم يوحونه إلى أوليائهم من شياطين الإنس، كما قال سبحانه: وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ.. [الأنعام: ١٢١].
ثم يخبرون الناس بما علموا، ويدَّعُون أنهم يعلمون الغيب، وفعلاً تأتي الأحداث كما أخبروا، فيغشُّون الناس ويخدعونهم ويفتنونهم؛ لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يفضح الجن في هذه المسألة، فقال:
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ.. [سبأ: ١٤] أي: على سليمان، وكلمة (قَضَيْنَا) تعني: أن الموت قضاء، لا مندوحة عنه، ولا يترتب على سبب من مرض أو كِبَر أو غيره، وكما قُلْنا: والموت من دون أسباب هو السبب، يعني: مات لأنه يموت.
لذلك يخاطب الحق سبحانه الأحياء، بما فيهم سيدنا رسول الله بقوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] ويخاطبه هو صلى الله عليه وسلم أولاً قبل أنْ يخاطب أمته بهذه الحقيقة.
ومعنى (ميِّت) أى: تؤول إلى الموت، فنحن ونحن أحياء ميِّتون أي: سنموت، أما الذي مات بالفعل فيسمى (مَيْت) بسكون الياء، كما قال الشاعر:
* ومَا الميْتُ إلاَّ مَا إلَى القَبْر يُحْمَلُ
لذلك، فإن العلماء لما أعطوْنَا صورة حِسِّية للموت قالوا: مع حياتك التي بدأت انطلق معها سهم الموت إليك، فعُمْرك بمقدار وصوله إليك، فنحن - وإنْ كنا أحياء - ميتون.
وقوله تعالى: مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ.. [سبأ: ١٤] أي: دلَّ الجن، فضمير الغائبين في (دَلَّهُم) يعود على معلوم من السياق الأول في: وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ.. [سبأ: ١٢].
قالوا في قصة سيدنا سليمان عليه السلام أنه كان يعبد الله ويشكره بمقدار ما أنعم عليه وما أعطاه من الملْك، فمع كل هذه النِّعم كان يقضي الأسبوع والشهر ولا يأكل إلا الخشكار، وهي (الردة) التي نعرفها، وهي آخر درجة في الدقيق، والتي نسميها في الفلاحين السِّن، وهو طعام الفقراء والعبيد، أما السادة والأغنياء فيأكلون الدقيق الفاخر أو (نمرة واحد).
وسبحان الله، أظهر العلم الحديث أن الفائدة في هذا السنّ الذي يأكله الفقراء، لدرجة أنه أصبح يُوصَف كدواء، ويجعلونه الآن على هيئة أقراص كعلاج لبعض الأمراض، حتى أن أهل الرفاهية الذين عاشوا على الدقيق الفاخر وتغذَّوْا طوال حياتهم على الخبز السياحي والقطايف.. إلخ. يأتي الواحد منهم في أواخر حياته فيُحرِّم عليه الطبيب كل هذه الأنواع ولا يجد له دواء إلا في السنِّ وفي الردة التي ما ذاقها طوال حياته، وكأنها معادلة لا بُدَّ أنْ تتم بين الأغنياء والفقراء.
وهذه البحوث التي أظهرت لنا أهمية (الردة) تلفتنا وتُفهمنا معنى قول الله سبحانه وتعالى وقسمه: وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ [الرحمن: ١٢].
كذلك كان سيدنا سليمان يعبد الله واقفاً، لا على هيئة مريحة، فكان يشق على نفسه شكراً لله، ويقف عابداً لله حتى يتعب، فيراوح بين قدميه، ثم يستعين بالعصا يتكىء عليها من شدة تعبه.
وقد قضى الله عليه الموت، وهو على هذه الهيئة، فلم يكتشف الجن موته، وظلوا يعملون بين يديه ويجتهدون خوفاً منه عليه السلام.
وأراد الحق سبحانه أن يُنهى بموت سليمان مسألة شغلتْ الجن والإنس، هي قضية علم الجن للغيب، أراد سبحانه أن يفضح الجن، وأنْ يُظهر عجزهم عن علم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله.
مات سليمان واقفاً متكئاً على عصاه، وظل على هذه الحالة حتى سلَّط الله على عصاه دابة الأرض، كما قال سبحانه: مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ.. [سبأ: ١٤].
البعض يفهم أن دَابَّةُ الأَرْضِ.. [سبأ: ١٤] الأرض التي تقابل السماء، لكن المراد الدابة التي تَقْرِض كما نقول: قرض الفأر كذا وكذا، وفعلها قرض يقرض قَرْضاً. مثل: ضرب يضرب ضرباً، وهذه الدابة هي العتة التي تصيب الخشب وتأكله.
هذه الدابة أو العتة ظلتْ تنخر في العصا حتى اختلَّ توازن سليمان عليه السلام، فسقط على الأرض فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ [سبأ: ١٤] أي: ما مكثوا وما ظلُّوا في العذاب المهين. ومعنى خَرَّ: سقط بلا نظام، كما جاء في قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ.. [النحل: ٢٦].
فالخرور انهيار بلا نظام وبلا ترتيب، وعندها فقط عَلِم الجن بموت سليمان، وكذلك الإنس، وعلموا أنهم لا يعلمون الغيب، ولو علموا الغيب لاكتشفوا موته، وما لبثوا في العمل، وفي التعب والعذاب طوال هذه المدة، عندها انكشف أمرهم، وعُلم كذبهم وادعاؤهم معرفة الغيب.
وقوله تعالى: مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ [سبأ: ١٤] يدل على أن الجن يتعب من العمل ويطرأ عليه ما يطرأ على كل حىٍّ من تعب وإجهاد.
والمِنْسأة هي العصا من الفعل نَسَأ بمعنى أخَّر، وسُميَتْ العصا منسأة؛ لأن الإنسان يزجر بها الهوام والحيوانات الضارية التي تؤذيه ويؤخرها عنه ويبعدها ويُردعها؛ لذلك سميت منسأة.
وسيدنا موسى - عليه السلام - قال في عصاه لما سأله ربه: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٧-١٨].
وقد أطال موسى الحديث مع الله؛ لأن الله تعالى آنسه أن يطيل حين قال له وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ [طه: ١٧] ولم يقل له مثلاً: ما بيدك؟ ثم مَنِ الذي يخاطبه ربه ولا يطيل الحديث معه سبحانه وتعالى؟ ومع ذلك تدارك موسى أمره، فقال مُجْمِلاً وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٨].
ونفهم من قوله تعالى: مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ [سبأ: ١٤] أن العمل الذي كانوا فيه كان عملاً شاقاً وفيه إهانة لهم؛ لأن الجن يظنون أن لهم خيرية على الإنس، وأنهم جنس تسامى على البشر، بدليل قول أبيهم من قبل: أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف: ١٢].
فمن الإهانة لهم، ومن العذاب أنْ يُسخَّروا لواحد من الإنس، ويعملون له، ويأتمرون بأمره، فالعمل الذي كانوا يعملونه لسليمان إنْ لم يكُنْ مُرهقاً لهم بدنياً فهو مرهق نفسياً، ولم لا وقد سخَّرهم مَنْ هو أدنى منهم - على حسب ظنهم.
ولسائل أنْ يسأل: كيف يكون في العذاب المهين مَنْ يخدم نبياً ويعاشره؟ نقول: هذه الشبهة جاءتْ من كلمة الجن، ففهمنا أن الجن كلهم كانوا مُسخَّرين لسليمان، والحقيقة أن الجنَّ سُمِّي كذلك؛ لأنه مستور الفعل لا نراه، والذي سخر من الجن هم الشياطين، كما قال سبحانه: وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧].
وقال: وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ.. [الأنبياء: ٨٢] وهؤلاء هم أصحاب العذاب المهين، أما مؤمنو الجن فلم يكونوا مُسخَّرين.
وكلمة (خَرَّ) بمعنى سقط توحي بأن كرامة الإنسان في روحه، وفي السر الذي وضعه الله فيه، فهذا سليمان نبي الله بجلالة قدره ومكانته عند ربه يقول عنه فَلَمَّا خَرَّ.. [سبأ: ١٤] وكأنه جماد سقط على الأرض؛ لأن الروح حينما تفارق الجسد يصير كالجماد، كالعصا وكالحجر.
وسبق أنْ قًلْنا: إن الروح ساعة تُسلَب من الجسد أول ما ينسى ينسى اسمه مهما كان عظيماً، ويقولون: الجثة ثم إذا ما وُضِعَتْ في النعش يقولون: الخشبة.
سبحان الله، لم يَعُد لهذه المادة أية صفة، بل ويسارع الأهل والأحبة إلى الخلاص منها ودفنها بأسرع ما يمكن، ولو بقيتْ عندهم لا يتحملها أحد منهم، لما يطرأ عليها من تغيُّر ورائحة يتأذى منها أقرب الأقارب.
ثم يُحدِّثنا الحق سبحانه عن سبأ وأهلها، فيقول تعالى:
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ... .
ينقلنا الحق - تبارك وتعالى - من قصة سليمان عليه السلام إلى أهل سبأ، فما العلاقة بينهما؟ المتأمل في سور القرآن وآياته يجد بينها ترابطاً وانسجاماً، والمناسبة هنا أن سيدنا سليمان كانت له أبرز قصة في الإيمانيات والعقائد مع بلقيس ملكة سبأ، فبينهما إذن علاقة، وهذه النقلة لها مناسبتها.
وقصة سليمان والهدهد وبلقيس قصة مشهورة، وبها دلالات إيمانية عظيمة في العقيدة، وفي بيان أن الحيوان عنده دراية بالعقيدة، وبأسرار الله في كونه.
و (سَبَأ) عَلَم على رجل اسمه عمرو بن عامر، ويُلقِّبونه بمزيقباء وأبوه (ماء السماء) وقد سأل كرَّة بين نسيك رضي الله عنه سيدنا رسول الله عن سبأ فقال: (كذا وكذا...) وكان له عشرة أولاد هم: أزد، وكِنْدة، ومَذْحج، وأشعريون، وأنمار، وغسان، وعاملة، ولَخْم، وجُذَام، وخثعم.
وقد كوَّن كل واحد منهم قبيلة كبيرة. ستة من هؤلاء ذهبوا إلى اليمن، وأربعة ذهبوا إلى الشام، الذين ذهبوا إلى اليمن عاشوا في خيرها الوفير، فَيُروى أن بلقيس لما رأتْ ماء المطر يسيح في الوديان وتتشرَّبه الأرض، فلا يستفيدون به، فكَّرت في بناء سد بين جبلين يحجز ماء المطر، وجعلت به عيوناً كالتي عندنا في القناطر الخيرية مثلاً، تفتح عند الحاجة وتعطي الماء بقدر؛ لذلك زاد الخير والنماء في اليمن، حتى سُمِّيت اليمن الخصيب واليمن السعيد.
إلا أن عرافة عندهم أو امرأة حكيمة ذات رأي قالت لسبأ هذا: إن السد سيخرب ويُغْرق ماؤه اليمن فاخرج منها، وفعلاً خرج سبأ إلى الحجاز والشام، حيث ذهب الغساسنة إلى الشام، والمناذرة إلى العراق، وأنمار إلى المدينة، وأزد إلى عمان في الأردن.
واسم سبأ بعد أنْ كان عَلَماً على شخص تعدَّى إلى أنْ صار اسماً لقبيلة، ثم اسماً للمكان الذي يسكنونه.
وقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ.. [سبأ: ١٥] أي: المكان الذي يسكنونه، والمكان الذي يعيش فيه الإنسان يُسمَّى (سكن) أو (بيت) أو (منزل)، ولكل منها معنى. والسكن هو المكان الذي يتخذه الإنسان ليسكن إليه وليطمئن فيه، ويرتاح من حركة الحياة والعمل، والإنسان لا يسكن إلا في مكان تتوفر فيه مُقوِّمات الحياة والأمن.
لذلك فإن سيدنا إبراهيم عليه السلام لما وضع زوجته وولده عند البيت دعا ربه: رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ.. [إبراهيم: ٣٧].
فقد كان هذا المكان جَدْباً لا زرع فيه ولا ماء، ولا مُقوِّم من مقومات الحياة إلا الهواء ومعنى أَسْكَنتُ.. [إبراهيم: ٣٧] أي: وطَّنْتهم في هذا المكان.
أما المنزل فهو المكان تنزل فيه مرة أو عدة مرات، ثم ترحل عنه لا تقيم فيه إقامة دائمة، فهو كالاستراحات التي تُجعل للطوارئ، ولا يقيم فيها أهلها إلا عدة أيام في السنة كلها.
ومن ذلك ماإذن: السكن فيه دوام واستقرار، أما المنزل فهو استراحة، إنْ شئتَ نزلتَ به، وإنْ شئتَ رحلتَ عنه.
أما البيت فيُلاحظ فيه البيتوتة، والإنسان لا ينام نوماً مريحاً إلا في مكان يأمن فيه على نفسه وعلى ماله، فإن الخائف وكذلك الجوعان لا ينام.
ومن السكن قوله تعالى في بني إسرائيل: وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً [الإسراء: ١٠٤].
أخذ أحد المستشرقين هذه الآية، وجعلها دليلاً على أن الأرض كلها مُبَاحة لليهود، كيف وهم في الأرض، وأنت حين تريد هذا الأمر تقول: اسكن القاهرة، اسكن طنطا مثلاً، فتعين لي مكاناً، لكن ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ [الإسراء: ١٠٤] لها معنى آخر، هو التقطيع الذي قال الله عنه: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً.. [الأعراف: ١٦٨].
يعني: ليس لهم وطن مخصوص، وسوف ينساحون في الدنيا كلها، ولن يتمكن أحد من ضربهم والقضاء عليهم، وهم على هذه الحالة من التقطيع، حتى يأتي أمر الله، ويجمعهم في مكان واحد، وعندها سيسهل القضاء عليهم.
ومعنى كلمة آيَةٌ.. [سبأ: ١٥] نقول: فلان آية في الكرم، وفلان آية في الأدب.. إلخ، والمراد شيء عجيب نادر الوجود، والحق سبحانه حدثنا عن أنواع ثلاثة من الآيات: آيات كونية مثل: وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ.. [فصلت: ٣٧] وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ.. [فصلت: ٣٩].
وآيات بمعنى معجزات وخوارق للعادة، تأتي على أيدي الرسل لتؤيدهم وتثبت صدْقهم في البلاغ عن الله، كما في قوله تعالى: ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ.. [القصص: ٣٢].
ثم تُطلق الآيات على آيات الكتاب الحاملة لأحكام الله في القرآن الكريم، وهذه كلها - سواء كانت آيات كونية، أو معجزات، أو آيات القرآن - كلها عجائب، وإن كانت هذه العجائب واضحة في الآيات الكونية وفي المعجزات، فهي أيضاً واضحة في آيات الكتاب الحكيم، فالقرآن عجيبة في تنظيم حياة الناس بدليل أن الكافر به سيُضطر إلى الأخذ بأحكامه والانصياع لقوانينه، لا على أنها دين، ولكن على أنها قوانين حياة.
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك بأحكام الطلاق التي طالما نقدوها وهاجموها، واتهموا دين الله - ظلماً وجهلاً - بالقسوة، ثم بعد ذلك نراهم يلجئون إليه، ولا يجدون حلاً لبعض مشكلاتهم إلا في الطلاق وفي الرجوع إلى أحكام الله، مع أنهم غير مؤمنين به، وهذا منتهى الغَلَبة لدين الله أن يرجع إليه الكافر به، إنها غلبة الحق وغلبة الحجة.
وسبق أنْ قُلْنا: إن أحد المستشرقين سألنا في سان فرانسيسكو قال: في القرآن هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩].
وبعد أربعة عشر قرناً من الزمان ما زال في الدنيا يهودية ومسيحية وبوذية... إلخ، وهذا الكلام يدل على عدم فَهْم لمعنى الآيات، فليس المراد لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ.. [الصف: ٩] أن يصبح الناس جميعاً مؤمنين، بدليل قوله تعالى وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ.. [الصف: ٩].
إذن: فالدين سيظهر ظهور حجة وظهور غلبة على تقنيناتهم، وسوف يطرأ عليهم من مشكلات الحياة ما لا يجدون له حلاً إلا في شرع الله، وهذا هو الظهور المراد في الآية.
ثم يوضح الحق - تبارك وتعالى - ماهية الآية التي كانت لسبأ في مسكنهم، فيقول سبحانه: جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ.. [سبأ: ١٥] وما دام الله تعالى وصف هاتين الجنتين بأنهما آية، فلا بُدَّ أن فيهما عجائب، وأنهما يختلفان عن الجِنَان التي نعرفها.
وقد حدَّثنا العلماء عن هذه العجائب فقالوا عن هاتين الجنتين: لا تجد فيهما عقرباً، ولا حية، ولا ذباباً، ولا برغوثاً... إلخ، فإنْ طرأ عليهما طارئ، وفي جسمه قُمَّل فإنه يموت بمجرد أنْ يدخل إحدى هاتين الجنتين، وهذه كلها عجائب في الجنتين.
ونلحظ هنا أن الآية مفرد والعجائب كثيرة؛ لأن كلمة آية تُطْلَق على الجمع أيضاً، ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا عيسى عليه السلام: وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً.. [المؤمنون: ٥٠] ولم يقل آيتين، قالوا: لأن الأمر العجيب الذي جمعهما واحد، فعيسى عليه السلام وُلِد من لا ذكورة، وأمه حملتْ وولَدتْ كذلك من لا ذكورة، فالآيتان آية واحدة.
ومعنى: جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ.. [سبأ: ١٥] يحتمل أنْ يكون لكل واحد منهم جنتان، واحدة عن اليمين، والأخرى عن الشمال، وبيته في الوسط، ويحتمل أن تكون الجنتان لأهل سبأ جميعاً، بمعنى أنها جِنَان موصولة عن اليمين، وجِنَان موصولة عن الشمال وَصْلاً لا يُميَّز بسور ولا حائط، مما يدل على أن الأمن كان مستتباً بينهم، وقد شاهدنا مثل هذا في أمريكا، حيث الحقول والمزارع ممتدة متصلة لا يفصلها إلا مجرد سِلْك بسيط.
وقوله سبحانه كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ.. [سبأ: ١٥] كيف نفهم كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ.. [سبأ: ١٥] والناس جميعاً يأكلون من رزق الله؟ قالوا: الناس يأكلون من رزق الله بالأسباب، إنما هذا رزق الله مباشرة بلا أسباب؛ لذلك يقول تعالى في موضع آخر كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ.. [طه: ٨١].
فليس كل الرزق طيباً للأكل، إنما هنا كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ.. [سبأ: ١٥] أي: كله طيب، وكله حلو، فالفاكهة في هاتين الجنتين لا يصيبها عطب، ولا يطرأ على ثمارها ما يطرأ على الثمار من فساد؛ لذلك سيقول سبحانه في آخر الآية: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ: ١٥].
ونعرف أن البساتين مؤونة الخدمة فيها قليلة؛ لذلك نرى الفلاح حين يضيق بزراعة الأرض وأجور العمالة يلجأ إلى زراعة الحدائق والبساتين المثمرة؛ لأنها أقلّ تكلفة، ولا تحتاج إلى رعاية كثيرة إلا وقت الإثمار.
والحق سبحانه يقول في غير هذا الموضع: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٣-٦٤] فأثبت لهم عملاً وحرثاً، إنما المسألة هنا في هاتين الجنتين، فهي عطاء من الله بلا عمل وبلا أسباب، فالله سبحانه هو الزارع، وقد خصَّها بالجو اللطيف، لا حرَّ ولا قرَّ، ولا سآمة، ولا مخافة، ولا زهد في نعمة من النعم لتكرارها.
إذن لا عمل لهم في حدائقهم ينتج ما يستمتعون به، إنما عملهم أنْ يشكروا المُنعِمَ سبحانه ليزيدهم من الخيرات، وشكْر النعمة هو حكمة العبد مع مولاه؛ لذلك قال سبحانه عن لقمان: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ.. [لقمان: ١٢] ما هذه الحكمة؟ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ.. [لقمان: ١٢] لأن شكر النعمة يزيدها.
وقوله سبحانه: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ.. [سبأ: ١٥] يعني: تعطيك طيب الأشياء بدون منغصات فيها؛ لأن هناك أشياء تعطيك طيباً تهنأ به، لكنها تتعبك وتنغِّصك فيما بعد.
أما هذه البلدة فما فيها طيب تأكله هنيئاً مريئاً؛ لأنها رزق الله بدون أسباب من العباد، لكن حين يتدخل العباد في عطاء الله تظهر في النعم متاعب ومنغِّصات، وهذا ما نعاني منه الآن بسبب التدخل في المزروعات بالمواد الكيماوية والمبيدات الحشرية، التي أفسدت علينا حياتنا، وجاء ضررها أكثر من نفعها حتى أصبحنا نعزو كل الأمراض إلى تدخّلنا في عطاء الله، ولو تركنا الأرض تُروى بماء السماء كما كان في البداية لذُقْنا الخير بلا مُنغِّصات، فمن الضروري أن نتأدب مع الله في عطائه.
لذلك تجد كثيراً من المترفين والمثقفين وأهل العلم والفلاسفة يحبون الخروج من ضوضاء المدن وتلوث هوائها ومياهها وما فيها من صخب ويخرجون إلى الريف أو البراري، يهربون من الآثار الضارة للحضارة الحديثة إلى الخلاء، حيث يعيش راعي الأغنام، حيث الطبيعة كما خلقها الله، وحيث الفطرة السليمة التي لم يتدخل فيها البشر.
تذكرون في الماضى، كنا نقاوم دودة القطن مقاومة يدوية طبيعية، فلما تقدمت العلوم جاءوا بمادة (دى دى تي) للقضاء على دودة القطن، لكن هذه المادة السامة أماتتْ كل شيء في الحقول، قضَتْ على الأسماك في الترع والمصارف، وقضتْ على (أبى قردان) صديق الفلاح، ولوَّثت الماء والمزروعات... إلخ. أما دودة القطن فهي الوحيدة التي أخذت مناعة، وأصبحت كما قلنا (كييفة) دى دى تي.
أما سبأ فكانت بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ.. [سبأ: ١٥] بكل ما فيها من طيب الماء والهواء والتربة لم يُصِبْها تلوث من أىِّ نوع، وإذا كانت البلدة نفسها طيبة، فما بالك بما عليها؟
وفى الآية طلبان كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ.. [سبأ: ١٥] وفيها تحذير: إياك أنْ تغتر بالنعمة، وتظن أنها أصبحت ملكاً لك، وتنسى المنعم بها عليك، إياك أنْ تكون كالذي قال الله فيه كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
إياك أن تظن أنك أصيل في هذه المسألة، وظلّ دائماً على ذِكْر بأن المنعم هو الله، وأن ما أنت فيه هو من عطاء الله، ثم بعد ذَلك عليك أن تشكره سبحانه؛ لأن الشكر قيد النعم.
وفي موضع آخر، تكلم الحق سبحانه عن شكر النعمة فقال: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ [سبأ: ١٣] والحمد لله أنه سبحانه لم يقُلْ: وقليل من عبادي الشاكر، وتعلمون أن الشكور صيغة مبالغة من الشكر، أو الشكور هو الذي يشكر على النعمة، ثم يشكر الله على أن ألهمه أنْ يشكر على النعمة، فكأنه قدَّم الشكر مرتين.
ثم لم يَقْصُر النعمة على أهل سبأ في الدنيا وحَسْب، إنما تعدَّت نعمته عليهم إلى الآخرة، ففى الدنيا بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ.. [سبأ: ١٥] وفي الآخرة وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ: ١٥] يعني: يتجاوز عنكم إنْ حدثت منكم زَلَّة أو هفوة.
ثم يُبيِّن الحق سبحانه النتيجة وردَّ فِعْلهم: فيقول:
فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ... .
قوله تعالى: فَأَعْرَضُواْ.. أي: عن المأمور به، وهو كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ.. [سبأ: ١٥] فلم يأكلوا من رزق الله، إنما أكلوا من سعيهم ومهارتهم -على حدِّ زعمهم- وهذه أول الخيبة، ثم لم يشكروا الله على هذه النعم؛ لأن النعم أترفتهم فنسوا شكرها.
وفَرْق بين ترف وأترف، نقول: ترف فلان أن تنعَّم. لكن أترف فلان، أي: غرَّته النعمة؛ لذلك قال تعالى: وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا.. [الإسراء: ١٦].
فلا بأس أنْ تتنعم، لكن المصيبة أن تُطغيك النعمة، وتغرّك، وأول طغيان بالنعمة أن تنسبها إلى نفسك فتقول: بمجهودي وشطارتي كالذي قال:
إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ.. [القصص: ٧٨] ثم أنْ تنسى المنعِم، فلا تشكره على النعمة...
وكلمة الإعراض تُعطِي شيئاً فوق الإهمال وفوق النسيان؛ لأن الإعراض أنْ تنصرف عن مُحدِّثك وتعطيه جانبك...
إذن: الإعراض تَرْك متعمَّد بلا مبالاة، أما السهو أو النسيان أو الخطأ أو عند النوم، فهذه كلها أمور مُعْفىً عنها، قد رفعها الله عنَّا رحمة بنا، فربُّك عز وجل لا يعاملك إلا على اليقظة والانتباه وتعمد الفعل.
واقرأ إنْ شئتَ قول ربك: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىٰ [طه: ١٢٤].
لماذا؟ لأن الإعراض فيه شبهة عدم اعتناء بالآمر، فالنكبة فيه أشدُّ على خلاف أنْ تكون معتنياً بالآمر، وبعد ذلك تتهم نفسك لأيِّ سبب آخر...
فماذا كانت نتيجة هذا الإعراض؟ يقول تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ.. أي: بعد أن انهار سدُّ العرم، فسال ماؤه، فأغرقهم، ومن العجيب أن الله تعالى جعل من الماء كل شيء حي، لكن إذا أراده سبحانه وسيلة هلاك أهلك، وبه أهلك اللهُ قومَ نوح، وبه أهلك فرعونَ وجنوده، وهذا من طلاقة قدرة الله، حيث يوجه الشيء للحياة فيُحيى، وللهلاك فيُهلك.
وبعد أنْ أفزعهم سيل العرم لماذا أرادوا الإقامة بعد ذلك أقاموا في أماكن لا ماء فيها، فإذا أرادوا الماء جلبوه من الآبار بالقِرَب، وكأن الماء أحدث لديهم (عقدة)...
والسيل: أن يسيل الماء على وجه الأرض بعد أن تشرَّبت منه قَدْر حاجتها، فما فاض عليها سال من مكان لآخر، والحق سبحانه يعلمنا: قبل أنْ نبحث عن مصادر الماء لا بُدَّ أنْ نبحث عن مصارفه حتى لا يغرقنا...
آية رقم ١٧
ثم يقرر الحق تبارك وتعالى أن ما نزل بهم ليس ظلماً لهم، إنما جزاء ما فعلوا ذَٰلِكَ.. يعني: ما سبق ذِكْره من الأكل الخمط والأثل والسدر جَزَيْنَاهُمْ.. أي: جزاءً لهم بِمَا كَفَرُواْ.. والكفر سَتْر النعمة، وهؤلاء ستروا نعمة الله حين ظنوا أنهم يأكلون من جَهْدهم وسعيهم وملكهم، وستروا نعمة الله حين لم يلتفتوا إلى المنعم سبحانه ولم يشكروه، فما أطاعوا في
كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ.. [سبأ: ١٥] وما أطاعوا في وَاشْكُرُواْ لَهُ.. [سبأ: ١٥].
ثم يُنزه الحق سبحانه نفسه بهذا الاستفهام التقريري: وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ الْكَفُورَ وجاء بالكفور وهي صيغة مبالغة، ولم يقل سبحانه: الكافر، وهذا من رحمته سبحانه بعباده، فهو سبحانه لا يجازي منهم إلاَّ الكفور أي: المُصِرّ على الكفر المتمادي فيه.
ونعلم أن أهل اليمن كانوا أهل تجارة بين اليمن والشام، فجعل الله لهم في طريق تجارتهم قُرًى ظَاهِرَةً.. يعني: متقاربة متواصلة، كانت بمثابة استراحات في الطريق... وذلك لبُعْد المسافة بين اليمن والشام... فأراد الحق سبحانه أنْ يُيسِّر لهم تلك الرحلات، وأنْ يقطعوها بلا مشقة.
وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ.. يعني: جعلنا سيرهم على مسافات متقاربة، فالقرى الظاهرة لهم في سيرهم والقريبة منهم بحيث يمرون بها ويروْنَها على طريقهم بلا مشقة، قرى مُوزَّعة على مسافات الطريق، بحيث كلما ساروا مسافة وجدوا قرية على سابلة الطريق.
وهذا يعني أنهم سيأمنون، لا يخيفهم شيء، وأنهم لا يحتاجون لِحَمْل زاد، فالقرى التى سيمرون بها تكفيهم مؤنة الطريق، ويجدون بها حاجتهم، وهذا أيضاً يعني أنهم لن يحتاجوا إلى دواب كثيرة للحمل.
والسير أي في الصباح ويقال كذلك للغدوة والروحة، ثم يُؤنسهم الحق سبحانه بهذا الأمر سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ بحيث يسير في الغدوة إلى مكان يقيل فيه، ويسير في الرواح إلى مكان يبيت فيه يعني: محطة للقيلولة ومحطة للبيتوتة. وهذا السير في ظل أمن وأمان ضَمِنه لهم الحق سبحانه، فلا يروعهم شيء لا من الناس، ولا من الوحوش.
وحين نقارن بين قوله تعالى هنا آمِنِينَ وبين قوله تعالى عن قريش:
الَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ٤] نجد أن الأمن يتوفر بالإطعام والأمان من الخوف، وهنا قال آمِنِينَ ولم يَقُل من خوف؛ لأن معنى آمِنِينَ [سبأ: ١٨] أي: الأمن التام آمنين من الخوف، وآمنين من الجوع؛ لأنه لم يُذكر مع آمِنِينَ [سبأ: ١٨] متعلق.
تأمل هذا التعنت وهذا البطر لنعمة الله، حيث لم يعجبهم أنْ قَاربَ الله لهم بين القرى، فطلبوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا يعني: افصل بين هذه القرى بصحارٍ شاسعة، بحيث لا يستطيع السفر فيها إلا الأغنياء والقادرون الذين يملكون المطايا القوية القادرة على الحمل.
إذن: نظرتهم في هذه المسألة نظرة اقتصادية كلها جشع وطمع، فهم يريدون أنْ يحرموا الفقراء وغير القادرين من السفر للتجارة معهم، فحين تتقارب القرى وتكثر الاستراحات على طول الطريق، فلا يكاد المسافر يتجاوز قرية إلا بدَتْ له الأخرى من بعيد، فهذا يُسهِّل السفر على الفقراء الذين يركبون الدواب الضعيفة، فوسائل الامتطاء تختلف حسب قدرات الناس، فواحد على جواد، وواحد على ناقة، وواحد على حمار.
وقُرْب المسافات بين القرى شجَّع الفقراء على السفر لرحلة الشام؛ لذلك طلب هؤلاء أنْ يباعد الله بين هذه القرى فهو مطلب جَشِع أنانى؛ لذلك قال تعالى بعدها: وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ.. نعم ظلموا أنفسهم؛ لأنهم حرموها من الراحة التي جعلها الله لهم، وظلموا أنفسهم لأنهم أرادوا أنْ يحتكروا هذه التجارة، وألاَّ يخرج إليها غيرهم من الفقراء، أو ظلموا أنفسهم لأنهم أثبتوا لها عدم اكتمال الإيمان؛ لأن الإيمان لا يكتمل للمؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهؤلاء يحبون أنْ يستأثروا بالنعمة لأنفسهم، ويحرموا منها غيرهم.
لكن، كيف تكون المباعدة التي طلبوها في طريق تجارتهم؟ عرفنا من علم الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فاستقامة الطريق تُيسِّر الحركة فيه، وتقلِّل الوقت والمجهود، والمباعدة لا تكون إلا بتحطيم بعض القرى لتبعد المسافة بينها، أو بأنْ يلتوي الطريق، أو يدور هنا وهناك.
فكانت نتيجة هذا الجشع والبطر فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.. أى: أحدوثة يتحدث بها الناس أو (حدوتة) تُحكى، كما لو وقع مجرم في أيدي رجال الشرطة، فجعلوه عبرة لغيره حتى تحاكَى الناس به، كذلك أهل سبأ جعلهم الله عبرة لغيرهم حتى صارت سيرتهم مثلاً يُضرب، يقولون في المثل العربي الدال على التفرُّق: تفرقوا أيدي سبأ، يعني: تفرقوا بعد اجتماع كما تفرَّق أهل سبأ.
ومعنى وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.. أي: التمزيق والتفريق بكل أنواعه وطرقه، بحيث يتناول التمزيق كل الأجزاء مهما صَغُرَتْ.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ.. يعني: فيها عبر وعظات يستفيد منها العاقل في حياته.
لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ صبار وشكور من صيغ المبالغة، صبَّار مبالغة من الصبر؛ لأن هؤلاء ظلموا الفقراء واضطهدوهم، وأرادوا أنْ يقطعوا عليهم سبيل النعمة، وأن يستأثروا به لأنفسهم وقد تكرر منهم ذلك؛ لذلك لم يقل لكل صابر؛ لأنهم تحملوا من الأذى ما يحتاج إلى صبر كثير.
وقال أيضاً شَكُورٍ يعني: كثير الشكر لله أنْ أقْدره على أن يصبر...
معنى: وَلَقَدْ.. [سبأ: ٢٠] توكيد باللام مرة وبقد أخرى صَدَّقَ.. [سبأ: ٢٠] حقق وأكد عَلَيْهِمْ.. [سبأ: ٢٠] على أهل سبأ وأمثالهم ممَّن اتبعوه إِبْلِيسُ ظَنَّهُ.. [سبأ: ٢٠] ما ظَنُّ إبليس؟ ظنُّه أن شهوات البشر ستُمكِّنه من إغوائهم، ونحن نعلم قصته لمَّا أمره الله بالسجود لآدم فأَبَى وقال مهدداً: بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] وقال: فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢] وكان لا يزال فيه بقية من حياء، فقال: إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [الحجر: ٤٠].
فظنُّ إبليس أنه قال: لقد أغويتُ أباهم وقدرْتُ عليه حين أغويته، فأكل من الشجرة مع أنه كان أول الخَلْق وأقواهم، وقد كلَّفه الله مباشرة وكلَّفه بشيء واحد، وهو أنْ يأكل من كل ثمار الجنة، عدا هذه الشجرة، ومع ذلك قدرْتُ عليه. إذن: فأنا أقدر على ذريته؛ لأنهم أقلُّ منه قوةً، وقد كلَّفهم الله تكليفاً غير مباشر، وكلَّفهم بتكاليف متعددة، فأنا أقدر عليهم من قدرتي على أبيهم.
وهذا الظن من إبليس ليس عِلْماً للغيب، إنما هو قياس قاس ذرية آدم على أبيهم، فإذا كان آدم هو المخلوق الأول الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته وكلَّفه مباشرة ولم يُكلِّفه إلا بأمر واحد، ومع ذلك قدرْت عليه فأنا على ذريته أقدر، هذا قياس لم يصل إليه إبليس ولايةً ولا كرامةً؛ لذلك سماه ظناً.
فلما قدر إبليس على ذرية آدم وأغواهم بالفعل قال: ظني جاء في محله؛ لأنهم بالفعل اتبعوه وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ.. [سبأ: ٢٠] ثم يأتي هذا الاستثناء إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠] فجاء هذا الاستثناء مطابقاً للاستثناء الأول إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [الحجر: ٤٠].

ثم يقول الحق سبحانه:

وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ... .
لما أغوى إبليس بني آدم هل لهم عذر في هذا الإغواء؟ وهل الذنب هنا ذنب إبليس؟ الحق سبحانه يخبر عنه وعنهم هذا الخبر في سياق قصة سبأ: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ.. [سبأ: ٢١]، وقد التقط إبليس هذه العبارة وجعلها حُجَّة له يوم القيامة، فإذا قال له البشر يوم القيامة: أنت سبب ضلالنا وغوايتنا قال: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. [إبراهيم: ٢٢].
يعني: لا تلوموني ولا تظلموني، فقد كنتم (على تشويره) مني، وليس لي عليكم من سلطان: لا سلطان قوة أقهركم بها وأجبركم على طاعتي، ولا سلطان حجة أقنعكم به، والفرق بين سلطان القهر وسلطان الحجة أنك تفعل مع الأول وأنت غير راض فأنت مُكْره، أمّا مع سلطان الحجة والمنطق فإنك تفعل ما يُطلَب منك عن رضا واقتناع.
وربنا عز وجل حذرنا من إبليس ووسوسته ونزغه، وعلمنا أننا لن نقهره إلا بالله خصوصاً بهذه (الروشتة) التي قال الله فيها: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ.. [فصلت: ٣٦].
مجرد أنْ تُذكِّره بالله يخنس ويهرب ويتراجع، فهو يقدر عليك وحدك، فإنْ لجأتَ إلى ربك خاف وفَرَّ؛ لأنه لا قدرةَ له، ولا كيد مع ذكر الله، لذلك قال بعض العارفين: قل هذه الكلمة بقوة وكأنك تراه وتصرعه.
فماذا نفعل إنْ جاء لأحدنا وهو يقرأ القرآن؟ قالوا: يقطع قراءته، ويقول بصوت أعلى وبأسلوب مغاير لقراءته: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقد حاولنا أن نُقرِّب هذا المعنى لأذهان الناشئة فقلنا: لو أن أحد الأغنياء مثلاً يجلس في (الشرفة) ليلاً، فرأى لصاً يحاول دخول بيته، فقام من مكانه، وقال (إحم) ماذا يصنع اللص؟ يهرب، فإنْ قال في نفسه لعلها مصادفة، ثم عاد في الليلة التي بعدها، فتنبَّه له صاحب البيت، وقال (إحم) عندها يفرّ بلا عودة، فصاحب البيت متنبه غير غافل.
كذلك، قَوْل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يُفزع الشيطان ويطرده، فإنْ عاد إليك مرة ومرة فقُلْ كلما شعرت بوسوسته ونزغاته: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، عندها سيعلم أنك (فقسته)، وأنه لا مدخل له إليك.
وقد عرف الشيطان حين جادل ربه من أين يدخل على ابن آدم، فقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] فهو كما ذكرنا، لا يقعد في خمارة مثلاً، إنما يقعد في المسجد، فهو يعلم أنك في عبادة، وكُل مُناه أنْ يُفسِد عليك عبادتك، أَلاَ تراه يُذكّرك في الصلاة ما نسيتَ من مهمات الحياة، وعلى المؤمن أنْ يقدِّر موقفه بين يدي الله، وألاّ ينشغل بأي شيء وهو في حضرة ربه.
فالصلاة هي الصراط المستقيم الذي سيقعد لك الشيطانُ عليه؛ لذلك علَّمنا فقهاؤنا - رحمهم الله ورضي الله عنهم - أنْ نغيظ الشيطان، فإذا وسوس لك في الصلاة بحيث لا تدري، أصليتَ ركعتين أم ثلاثاً، فاعتبرها ركعتين وابْنِ على الأقل، كذلك في الوضوء وأمثاله من العبادات، لتغيظه وتُيئسه منك.
وظاهرة السهو في الصلاة في الحقيقة ظاهرة صحية فهي الإيمان، فلا تُمرِض نفسك بها، وكُنْ قويَّ الإيمان وتشجِّع على هذا العدو، وقُلْ له: لن أعطيك الفرصة لتفسد عليَّ لقائي مع ربي، قل هذا (واشخط شخطة إيمان) فإنك تحرقه، وإن عاد فَعُدْ، واعلم أن كيد الشيطان كان ضعيفاً إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء: ٧٦].
فلا قدرة له عليك ما دُمْت في معية الله، وما دُمْت ذاكراً لله، عندك تنبُّه إيماني، وتنبُّه عقدي.
وسبق أنْ حكينا قصة الإمام أبي حنيفة لما جاءه رجل يستفتيه ويقول: يا إمام، لقد كنتُ أخفيتُ مالاً في مكان في الصحراء، وعلَّمته بحجر، فجاء السيل فطمسه حتى ضللتُ مكانه، فضحك الإمام وقال للرجل بما لديه من خبرة وتمرُّس ومَلَكة في الفتيا: يا بنى ليس في هذا علم، لكني سأحتال لك، اذهب بعد أنْ تصلي العشاء، فتوضأ وضوءاً جديداً بنية أنْ يهديك الله إلى ضالتك وصَلِّ لله ركعتين، ثم أخبرني ماذا حدث.
فعل الرجل ما أوصاه به الإمام، فجاءه إبليس ليفسد عليه صلاته وقال له: إن المال في مكان كذا وكذا، فراح فوجد المال، ثم عاد إلى الإمام فأخبره فقال: والله لقد علمتُ أن الشيطان لا يدعك تُتِم ليلتك مع ربك.
إذن: فَثِق بكلمة (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وقُلْها بقوة إيمان، أيقول الله قَوْلة يأتي واقع الحياة من المؤمن به ليكذبها؟ وجَرِّبها أنت بنفسك.
وقوله تعالى: إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ.. [سبأ: ٢١] ما دام أنه ليس لإبليس سلطان على بني آدم، وما دام أنهم على (تشويرة) منه، فلا بُدَّ أنَّ إيمانهم غير راسخ، وأنهم نَسُوا حكماً من أحكام الله؛ لأنه سبحانه حذرهم منه ووصف لهم طريقة التغلب عليه فلم يفعلوا.
فكانت غواية إبليس لهم لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ.. [سبأ: ٢١] أي: عِلْم وقوع، وإلا فالحق سبحانه يعلم ما سيكون منهم أزلاً، لكن لا بُدَّ أنْ يحدث منهم الفعل لتقوم الحجة عليهم كالمعلم الذى يرى على تلميذه علامات الفشل، فيحذره، فحين يدخل الامتحان ويرسب فيه يأتي يعاتب أستاذه أنه بشَّره بالرسوب فيقول المعلم: وهل أمسكتُ بيدك ومنعتُك من الإجابة، لقد حكمتُ عليك من خلال المقدمات التي رأيتها منك.
ومع ذلك كان من الممكن أنْ يغشَّ هذا التلميذ في الامتحان وينجح رغم ما قاله المعلم؛ لأن علمه عِلْمٌ ناقص، أما علم الحق سبحانه فعِلْم تام. إذن: فعِلْم الوقوع ألزم للحجة.
ثم يقول سبحانه: وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ [سبأ: ٢١] حفيظ صيغة مبالغة من الحفظ، فالله تعالى حفيظ على الكنوز وعلى الأرزاق وعلى العلم وعلى كل شيء، كما قال سبحانه: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: ٢١] وما دام الله تعالى هو الحفيظ، فلا أحدَ يستطيع أنْ يخل بهذه القضية.

ثم يقول الحق سبحانه:

قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ... .
ينتقل الحق سبحانه إلى قضية عامة، هي قضية هؤلاء القوم الذين يعبدون غير الله ويجادلهم، ليُظهِر لهم فساد مسلكهم وبطلان عبادتهم دون الله، وقد ردَّ هؤلاء فقالوا:
مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣].
ونقول أولاً: ما هي العبادة؟ العبادة أن يطيع العابدُ أمرَ معبوده ونهيه، فإذا كان الكفار يعبدون الشمس أو القمر أو الأصنام... إلخ بماذا أمرتهم هذه الآلهة؟ وعن أي شيء نهَتْهم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها من الثواب؟ وماذا أعدتْ لمن كفر بها من عقاب؟
إذن: أنتم كاذبون في كلمة نعبدهم، وإذا كنتم تعبدونهم ليقربوكم إلى الله زُلْفى، فلماذا لا تتوجهون بالعبادة إلى الله مباشرة؟ فكيف تعبدون آلهة بلا منهج ولا عمل لها فيمن عبدها، ولا عمل لها فيمن كفر بعبادتها؟
وهذه المخلوقات التي يعبدونها من دون الله مخلوقة لله مُسخَّرة له سبحانه مُسبِّحة، وهي بريئة من هذا الشرك ولا ترضاه، بل هي أعبد لله منهم؛ لذلك نطقتْ الأحجار على لسان هذا الشاعر. وقالت:
فالحق سبحانه يناقشهم في هذه المسألة: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ.. ادعوا هذه الآلهة المدَّعَاة، لكنهم لم يَدْعُوا، لعلمهم أن آلهتَهم المزعومة لن تجيب؛ لذلك أكمل الله لهم وأظهر لهم النتيجة: لو دعوتُم هذه الآلهة، فإنهم لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ...
فعلام إذن تعبدونهم، وهم لا يملكون شيئاً، ولم يصنعوا لكم معروفاً، ولا قدَّموا لكم خدمة وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا.. أي: في السماوات والأرض مِن شِرْكٍ.. يعني: مع الله، أي ليس لهم مع الله شركة في مسألة الخَلْق وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ يعني: لم يعاونوا الله حين خلق السماوات والأرض، والظهير هو المعين القوي...
وحين تصطدم الفطرة السَّوية والتديُّن الطبيعي بشهوات النفس يبحث الإنسان عن تديُّن يُرضي شهواته ويُشبع غرائزه، فهو يريد أنْ يكون متديناً، وفي الوقت ذاته يريد ألاَّ تُقيَّد شهواته، فماذا يفعل؟ يلجأ إلى عبادة آلهة بلا منهج وبلا تكاليف، ومن هنا عبد الناسُ غير الله، ودَعْك ممن عبدوا الأَشجار والأحجار، وتأمل الذين عبدوا الملائكة مثلاً، هل أمرتهم بشيء أو نهتهم عن شيء؟
لذلك الحق سبحانه يقول: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ.. ولو بحثنا مسألة الشركاء بالعقل لظهر بطلانها وكذبها، فإذا كان لله تعالى شركاء، ومعه سبحانه آلهة أخرى، فأين هم؟ أدرَوْا بأن الله تعالى استبدَّ بالألوهية، وشهد بها لنفسه، وأعلنها صراحة من دونهم؟ إنْ كانوا على دراية بذلك، فلما تركوه سبحانه يستبد بالألوهية؟ وإنْ كانوا لم يدروا بذلك فهم آلهة نيام؟ وفي كلتا الحالتين لا يستحقون هذه الألوهية.
لذلك الحق سبحانه يمسُّ هذه القضية مسَّاً جميلاً، فيقول:
قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢] يعني: لو كان صحيحاً وجود آلهة مع الله لَذَهبوا إليه ليناقشوه، لماذا استبدَّ بالألوهية من دونهم، أو لذَهبوا إليه ليتقوه، وليتقربوا إليه.
وأرقى ما يعبد المشركون يعبدون الملائكة، وكأن عبادتهم أصبحتْ قريبة من عبادة الله، والله يقول عن الملائكة:
بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].

ويردُّ القرآن عليهم:

أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ.. [الإسراء: ٥٧].
فهؤلاء الملائكة الذين تعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يتقربون إلى الله ويتوسَّلون إليه، الأقرب منهم يتوسَّل إلى الله، ويحب أن يكون أكثر قُرْباً، فإذا كان الأقرب هو الذي يبتغي الوسيلة والقرب، فما بالك بالقريب؟ وما بالك بالبعيد والأبعد؟
إذن: أنتم أغبياء بعبادتكم الملائكة، وهل تظنون أن خَلْقاً من خَلْق الله كالملائكة يرضى أنْ تعبدوه من دون الله، أو يقبل أنْ يشفع لك عند الله، هذا سَفَه في التفكير.

فالحق سبحانه وضع شروطاً للشفاعة، فقال:

يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً [طه: ١٠٩].
قال العلماء: يُشترط للشفاعة شرط في المشفوع له أن يكون من أهل التوحيد، وشرط في الشافع أن يُؤذن له بالشفاعة، كما قال تعالى:
مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ.. [البقرة: ٢٥٥] فلا يقوم الشافع فيشفع مباشرة، إنما ينتظر أنْ يُؤذَن له بها، وهنا يضطرب المشفوع له ويفزع، ويكون قلقاً، يا ترى أيُؤذن للشافع؟ أم تُرَد شفاعته؟
لذلك يقول تعالى: حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ.. يعني: أُزيل عنها الفزع. فالتضعيف في (فُزِّع) أفاد إزالة الحدث المأخوذ منه الفعل...
قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ.. أي: قال القول الحق، وأذِن بالشفاعة لمن ارتضى.
وقال تعالى: وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ.. ولم يقُلْ تُقبل الشفاعة؛ لأن هدف الشافع أن تنفع الشفاعةُ المشفوعَ له، فإذا ما ذهب ليشفع له قال له المشفوع عنده: أنا لا أرضى أنْ تشفع للمشفوع له، فالذي انتفى نَفْع الشفاعة لا قبولها، ففَرْق بين أنْ توجد الشفاعة، وبين أنْ تنفع الشفاعة...
وسُمِّيت شفاعة؛ لأن الشَّفْع يقابل الوتر، وصاحب الحاجة الذي يطلب الشفاعة واحد، فإذا انضم إليه الشافع، فهما اثنان يعني: شفع.
ثم يقول سبحانه في ختام الآية: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣] عليٌّ أن يُناقَش في أي قرار يتخذه، وكبير يعني أكبر من الشافع، وأكبر من المشفوع له. فالحق سبحانه قال الحقُّ ونطق به، وهذا يعني أنه وقف بجانب الحق، فلم يعبأ بشافع مهما كانت منزلته، ولا بمشفوع له مهما كانت ذِلَّته ورِقَّته؛ لأنه سبحانه هو العليُّ الكبير.
وبعد ذلك يعود الحق سبحانه إلى مناقشة المسألة مناقشة عقلية، فيقول:
قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ....
أي: قُلْ لهم يا محمد: من يرزقكم من السماوات والأرض؟ لكن إذا كان محمد هو المستفهم منهم، فمَنْ يجيب؟ بالطبع هم لن يجيبوا؛ لذلك أجاب الله (قل الله) فهذه حقيقة لا يستطيعون مجابهتها، ولو اعترفوا بها لقُلْنا لهم إذن: لماذا لم تؤمنوا بالله وهو رازقكم؟
أيليق بكم أنْ تكفروا به وهو الرازق، وتؤمنوا بآلهة أخرى لا تنفعكم ولا تضركم؟ فاعترافهم بهذه الحقيقة يلزمهم الحجة، ويقيم عليهم الدليل على سَفَه تفكيرهم، وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يُعفيهم من هذا الحرج، فأجاب بدلاً منهم.
والحق سبحانه يسألهم هذا السؤال؛ لأن الإجابة لن تكون إلا على وَفْق مراده سبحانه وتعالى...
وقوله سبحانه وتعالى: وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ.
الهدى: هو الدلالة على الخير والطريق إليه، والضلال: أن تضلَّ عن الخير والدلالة إليه، ومنه قوله تعالى:
وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ [الضحى: ٧].
والهدى والضلال من المتناقضات في الدين، والمتناقضان لا يجتمعان أبداً، فلا بُدَّ أنْ يكون واحد على هدى والآخر على ضلال. كثيرون لا يفهمون الفرق بين الضد والنقيض، الضد شيء يضادّ شيئاً، لكن لا ينفيه، كما تقول مثلاً: الشيء الفلاني أحمر أم أخضر؟ فيقول لك: لا أحمر ولا أخضر إنما أبيض، إذن: الضِّدان لا يجتمعان وقد يرتفعان معاً، لا هذا ولا هذا، بل شيء آخر. أما النقيضان فإنِ ارتفع واحد ثبتَ الآخر، كما هنا في الهدى والضلال.
فمعنى وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ إنْ كان أحدنا على الهدى فلا بُدَّ أنْ يكون الآخر في الضلال، ولا ثالث لهما، والحديث هنا عن منهج خير في جانب الإيمان، ومنهج شرٍّ في جانب الكفر، فرسول الله يقول لهم: نحن وأنتم على طرفي نقيض، نحن نقول لا إله إلا الله وندعو إلى الخير، وأنتم تكفرون بالله وتدعون إلى الشر، ومع ذلك لا أحكم لي بالهدى، ولا عليكم بالضلال، بل أقول: أنا وأنتم على النقيض، إنْ كان أحدنا على الهدى فالآخر في الضلال.
بالله عليكم، هل رأيتم حِجَاجاً أرقّ من هذا الحِجَاج؟ فرسول الله لم يحكم لنفسه وللمؤمنين معه بالهدى رغم وضوحه في جانبهم، ولم يحكم على الكفار بالضلال رغم وضوحه في جانبهم، ومثال ذلك، لو حلف رجلان على شيء واحد أمام رجل أعمى أيقول لواحد: أنت صادق، وللآخر أنت كاذب؟ لا، بل يقول: واحد منكما صادق، والآخر كاذب، فهذا حكم أوَّلي لا يُلزم أحداً.
لكن، حين تبحث القضية يتضح لك مَنْ على هدى ومَنْ في ضلال وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ كلمة لَعَلَىٰ هُدًى على تفيد الاستعلاء، كأن الهدى لا يستعلي عليك، وإنما تستعلي أنت على الهدى وتكون فوقه، كأنه مطية توصِّلك للخير المطلوب وللطريق المستقيم، فساعةَ تقرأ (عَلَى) فاعلم أن هناك مكاناً عالياً، وهناك ما هو دون هذا...
إذن: نقول لَعَلَىٰ هُدًى.. أى: أن الهدى سيكون مطيتك التي توصلك إلى الجنة وإلى النعيم، أما الضلال فقال فِي ضَلاَلٍ.. وكأنها ظلمة تحيط بالضالِّ وهو يتخبط فيها، لا يدري أين يذهب، ومعنى مُّبِينٍ واضح بيِّن.
آية رقم ٢٥
هذا تلطف آخر وارتقاء فى حِجَاجِ الكفار يُظهِر مدى حرص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يستلَّ الضغينة من نفوس الكفار، وتأمل: لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا.. فيجعل رسول الله الإجرام في جانبه وهو ولم يُسَوِّ هذه المرة بين الطرفين، كما قال هناك وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ.. [سبأ: ٢٤] إنما وصف فِعْله بالإجرام وقال عن الكفار وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ولم يَقُل تجرمون.
وفي الآية دقيقة أخرى، هي ورود (أَجْرَمْنَا) بصيغة الماضي، كأن الإجرام حدث بالفعل، أما هم فورد الفعل (تَعْلَمُونَ) بصيغة المضارع؛ ليدل على أنه لم يحدث منهم بعد، وهذا تلطف آخر، وارتقاء في النقاش، وتودُّد إلى الخَصْم عَلَّه يرعوى، فيفرح الله بتوبته وعودته إلى رحابه.
وهذا الأسلوب الجدلي في الآيتين لا يتأتَّى إلا من المجادل القوي الحجة الذي لا تنزله عنها زَلَّة سابقة من خَصْمه. ومثل ذلك قولنا في المناقشة: سلَّمنا جدلاً بكذا وكذا، ونرضى لأنفسنا بالأقل، لماذا؟ لأنك تعلم أنك على الحق، وقوة الجدل لديك تجعلك على ثقة بأن البحث في المسألة سينتهي لصالحك.
لكن، مع ذلك كيف يأمر الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أنْ ينسب الإجرام إلى نفسه؟ قالوا: لأن الجُرْم يختلف باختلاف المخاطب به، كما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ثم تنتهي الآيات إلى خلاصة هذه القضية في قوله تعالى:
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ....
المعنى: لن نطيل معكم النقاش والحجة؛ لأننا نتكلم بالحق وأنتم تتلاعبون بالباطل، فالخلاصة معكم أنْ يفصل اللهُ بيننا وبينكم في محكمته الإلهية قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا.. أي: يوم القيامة ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ.. أي: يحكم ويقضي، وفي بعض بلادنا حتى الآن يقولون للقاضى: الفتاح وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ أي: الذي يحكم عن علم كامل، ولا تَخْفى عليه خافية.
وسُمِّي الحكم فَتْحاً، لأنه يفتح شيئاً عن شيء ويحدث فُرْجة بينهما، فكأنهما كانا متشابكين، بحيث يلتبس الحق بالباطل، وكأنها معركة، فيأتي الحكم فيفضُّ هذا الاشتباك، وفَضُّ الاشتباك هذا هو الفتح، ولا يفتح بين الحق والباطل إلا الله.
الحق سبحانه يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لهم: أروني الذين أشركتم مع الله، وهو صلى الله عليه وسلم يراهم بالفعل، يرى أصنامهم التي يعبدونها من دون الله، فما فائدة أَرُونِيَ..؟ قالوا: لأنه حين يطلب منهم هذا المطلب يعلم أنهم يَسْتحون أنْ يشيروا إليها، ولا يجرؤون على ذلك؛ لأنهم يعلمون أنها أحجار صَمَّاء، لا تضر ولا تنفع.
ومعنى أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ.. من الإلحاق، وهو أنْ تأتي بشيء جديد تُلحقه بشيء ثابت، فكأن ألوهية الله هي الألوهية الحق الثابتة، وآلهتهم الجديدة طارئة عليها، ليست أصيلة، فالإيمان ثابت وأصيل وفطريٌّ في النفس الإنسانية، أما هذه الآلهة فمُحْدثة طارئة باطلة، لذلك ينفيها بقوله كَلاَّ...
ثم يُضرب عن هذا الكلام السابق ليثبت الألوهية لله وحده بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحْكِيمُ و (بل) تفيد الإضراب عما قبلها وإثبات الحكم لما بعدها، فالإله الحق هو الله...
وقوله: بَلْ هُوَ اللَّهُ.. جاء هنا أيضاً بضمير الغيبة (هُوَ)، ومعلوم أن ضمير الغيبة لا يأتي إلا إذا سبقه مرجع، تقول: جاءني على فأكرمتُه، إلا مع الله سبحانه وتعالى، فإن هو تسبق المرجع بَلْ هُوَ اللَّهُ.. لماذا؟ قلنا: لأنه ضمير لا ينصرف إلا لغائب واحد هو الموجود الأعلى سبحانه.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً....
معنى أَرْسَلْنَاكَ.. [سبأ: ٢٨] أي: جعلناك رسولاً إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ.. [سبأ: ٢٨] كلمة كافة تبين منزلة الرسول الخاتم، فقبل بعثة سيدنا رسول الله كان الرسول يُبعث لقوم مخصوصين، كما قال سبحانه وتعالى: وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ.. [آل عمران: ٤٩].
ذلك، لأن البشر لما تكاثروا كما قال سبحانه: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً.. [النساء: ١] تفرَّقوا في أنحاء الأرض هنا وهناك، والعالم لا يزال في طفولة فطرته، ليس فيه ارتقاءات للقاء بين هذه الجماعات، فكانت جماعات منعزلة، لا اتصال بينها، ولكل بيئة منها داءاتها:
فهؤلاء يُطفِّفون الكيل والميزان، وهؤلاء يعبدون الأصنام إلخ فيأتي الرسول إلى قوم مخصوصين ليعالج داءهم لا علاقة له بغيرهم.
أما سيدنا رسول الله، فكان هو الرسول الخاتم المبعوث للناس كافّة؛ لأن الله تعالى عَلِم أزلاً أنه سيأتي على التقاء مع الدنيا كلها، وعلى اتصال بين الجماعات التي كانت مُتفرِّقة، وها نحن الآن نعيش عالم القرية الواحدة، وما يحدث في أقصى بلاد الدنيا نسمعه ونراه في وقته، وما دام العالم التقت مجتمعاته وقاراته، فالداءات واحدة؛ لذلك جاء رسول واحد ليعالج كل الداءات في كل المجتمعات، هذا معنى: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ.. [سبأ: ٢٨].
ومعنى أنه صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل أنه مشهود له، وليس شاهداً لغيره، فقد أخذ الله تعالى العهد على الرسل، أنه إذا جاء محمد يشهدون له فشهدوا له جميعاً، أما هو صلى الله عليه وسلم فلم يشهد لأحد؛ لأنه لم يأْتِ بعده رسول.
قال العلماء في كلمة كَآفَّةً.. [سبأ: ٢٨] يعني: للناس جميعاً، ففي موضع آخر يقول تعالى: قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً.. [الأعراف: ١٥٨].
يعني: لم تَعُدْ هناك خصوصية، لا زمانية ولا مكانية. وحين نتأمل كلمة كَآفَّةً.. [سبأ: ٢٨] نجد لها مناسبة في واقع لغتنا، استقر على ألسنة العامة: نشاهد الخياط مثلاً حين يخيط ثوباً يُعمِل المقصَّ في القماش، فيقطعه إلى لُحمة وسُدة، لكن تخرج خيوط الثوب من خلال أطرافه كما نقول القماش (بينسِّل) فيجمع الخياط هذه الأطراف بعضها إلى بعض، بحيث تكون أطراف القماش إلى الداخل، وهذه العملية نسميها (كفكفة) القماش، أو نسميها الآن (السَّرفلة).
ومن ذلك كلمة (كَافَّة) يعني: جَمْع شتات الناس في كل زمان ومكان، بحيث لا يخرج منهم جنس ولا جماعة، ولا يشذّ عن منهجه أحد.
وعندنا في الفلاحين نبات ينمو على حوافِّ القنوات اسمه النجيل، وهو غير الحشيش المعروف، والنجيل لا يرتفع عن سطح الأرض، وتتشابك عيدانه وجذوره بحيث يمنع هذه الحوافّ أن تنهار، أو يسقط منها الردم فيسدّ القناة، فكأن النجيل أدى مهمة هي كفّ الردم ومنعه أنْ ينهار يعني: كفّ جنساً أن يشرد عن مهمته.
وكلمة كَآفَّةً.. [سبأ: ٢٨] من كفّ الشيء يكُفُّه، فهو كافٌّ، وزيدت تاء التأنيث للمبالغة، كما في عالم وعلاَّم وعلاَّمة، لذلك يقول ربنا عن نفسه سبحانه: عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ [التوبة: ٧٨] فإنْ قُلْتَ: لماذا لم يَقُلْ علاَّمة؟ نقول: لأن علْم الله تعالى لا يترقى بلاغة وقِلَّة.
فمعنى وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ.. [سبأ: ٢٨] يعني: تكفُّهم وتمنعهم عن كل شر يفسد الصلاح في الأرض، وهذه هي مهمة المنهج الذي جاء به سيدنا رسول الله؛ لذلك قال سبحانه: وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا.. [الأعراف: ٥٦].
إذن: كلمة كَآفَّةً.. [سبأ: ٢٨] إما وَصْف للناس بمعنى جميعاً، وإما وَصْف لرسول الله بمعنى كافٌّ للناس عن الشر، والتاء للمبالغة.
ومعنى بَشِيراً وَنَذِيراً.. [سبأ: ٢٨] من البشارة، وهي أنْ تخبر بخير لم يَأْتِ أوانه بعد، ويقابلها النذارة، وهي أن تخبر بشرٍّ لم يأْتِ أوانه بعد، فمَيْزة البشارة أنها نخبرك بالخير القادم لك لتأخذ بأسبابه وتُقبل عليه وتجتهد في سبيله، وأنت مشتاق إليه، كذلك النذارة تحذرك من الخطر المقبل لتنصرف عن أسبابه وتدفعه عنك.
ومثال ذلك: المعلم الذي يبشِّر التلميذ المجتهد بالنجاح والتفوق، وينذر المهمل بالفشل والرسوب، لماذا؟ لأنه يريد من المجتهد أنْ يزيد في اجتهاده، ومن الكسول المهمل أنْ يترك الكسل والإهمال ليتفوَّق هو الآخر.
وقوله: وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [سبأ: ٢٨] أي: لا يعلمون أنك الرسول الخاتم، أو الرسول الذي جاء ليمنع الشر عن البشرية كلها ويصلح حركتها. وما دام أكثر الناس لا يعلمون، فمعنى ذلك أن القلة هي التي تعلم، وهذه القلة العالمة هي خميرة الخير في الوجود؛ لذلك نرى الناس مهما بالغوا في الإلحاد، وفي الخروج عن منهج الحق لا بُدَّ أن تخرج من بينهم هذه القلة التي تتمسك بالحق وتسعى إليه وتنادي به، فهي موجودة في كل زمان ومكان وإنْ قلَّتْ.
لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذن: لا بُدَّ أنْ تبقى فينا هذه القلة كنماذج وخليّات للخير، ولاستبقائه بين الناس مهما أظلمتْ الدنيا من حولهم.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ... .
آية رقم ٢٩
المتأمل في كتاب الله يجد الحق - سبحانه وتعالى - لم يجعل القرآن أبواباً منفصلة، هذا للصلاة، وهذا للزكاة، وهذا للربا إلخ إنما يخلط هذه الأحكام في نسق رائع، ومزيج مشوِّق، يراوح بين الأساليب، فلا يملُّ منه قارئه، ولا يزهد.
القرآن ليس كتابَ قانون، يُفرد فصلاً لكل جريمة، إنما يتناول الجريمة بأسلوب فريد، فيذكر الجريمة ويُفظِّعها ويبين أثرها، حتى إذا ما قرر العقوبة عليها تجد هذه العقوبة طبيعية تتقبلها النفوس؛ لأن صاحب العقوبة يستحقها.
يقول تعالى حكاية عن الكافرين: وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ.. [سبأ: ٢٩] والوعد لا يكون إلا بالخير، والوعيد يكون بالشر، وعجيب أنْ يسمى الكفار القيامة وَعْداً، فكان ينبغي أنْ يقولوا متى هذا الوعيد، أو: أن الله تعالى لوى ألسنتهم ليقولوا كلمة الحق، فهو بالفعل وَعْد حق من الله، وإنْ كان في حقهم وعيداً.
والوعد من الله فيه أشياء كثيرة، خاتمته البعث والحساب، ثم الجنة أو النار. لكن هل وَعْد الله لا يتحقق إلا في الآخرة؟ قالوا: لا بل يروْنَ شيئاً منه في الدنيا، وإلا لو تركهم الله سالمين إلى أنْ يعاقبهم في الآخرة لاستشرى فسادهم، ولعَربد غير المؤمنين دون رادع لهم.
لذلك من حكمته تعالى أن يُعجِّل لهم شيئاً من وعده، فيروْنَه في الدنيا، كما قال تعالى: سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ [القمر: ٤٥] وفعلاً، جاء يوم بدر وهزمهم الله، وقُتِل منهم مَنْ قُتِل، وأُسِر منهم مَنْ أُسِر، فكما صدقت فيهم المقدمات، فسوف تصدق المتواليات في الآخرة.
لذلك يخاطب الحق نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧].
فمَنْ لم يتحقق فيه وَعْد الله في الدنيا وتشاهده بعينيك، فموعده الآخرة، وإلا فهناك من الكفار مَنْ مات قبل بدر، ولم يشهدوا انتصارات المسلمين وفتوحاتهم، ولم ينَلْهم شيء من عقاب الدنيا.
وقولهم: مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ.. [سبأ: ٢٩] استبطاء للعذاب.
ثم يأمر الله تعالى نبيه أنْ يرد عليهم: قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ [سبأ: ٣٠] هو يوم النصر عليهم، كما في يوم بدر، حيث أذاقهم الله الذلة والهوان والموت، وقضى على جبروتهم، أو هو يوم القيامة.
والذي ضرب لكم هذا الميعاد هو القادر على إنفاذه، وليست هناك قوة تمنعه سبحانه أنْ يفي بما وعد، أو حتى يُؤخِّره لحظة واحدة، وهو سبحانه العليم بأن الآيات الكونية لا تشذّ عما أراد سبحانه.
وسبق أن بينَّا أن البشر حين يَعِدُون لا يملكون أسباب الوفاء بوعودهم، لذلك علَّمنا ربنا - عز وجل - أن نحتاط لذلك؛ فقال سبحانه: وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ.. [الكهف: ٢٣-٢٤].
لأن الله يحب لعبده أن يكون صادقاً، فحين يعلق فِعْله على مشيئة الله يُعْفِي نفسه من الكذب وإخلاف الوعد حين عدم الوفاء خاصة، وهو لا يملك عنصراً واحداً من عناصره، إذن: اطرح المسألة على مَنْ يملك كل هذه العناصر؛ لذلك نُسمِّي الوعد من الناس وَعْداً ومن الله الوعد الحق يعني: الذي لا يتخلف أبداً.
ومعنى لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ [سبأ: ٣٠] أنه ميعاد مضبوط، وكان الحق سبحانه يريد بذلك أنْ يستقبل الإنسانُ كلَّ المعطيات التي منحه الله، وأنْ تظل دائماً في ذهنه لا يغفل عنها.
وجاء (يَوْمٍ) نكرة مبهمة، والإبهام هنا هو عَيْن البيان، كما سبق أنْ أوضحنا، فحين يبهم اللهُ مثلاً أجلَ الإنسان يظل دائماً متذكراً له، ينتظره في أي وقت، ويتوقعه في كل نفَس، وفي كل لحظة دون أنْ يربطه بمرض أو غيره، فالموت من دون أسباب هو السبب.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ... .
ثم يأمر الله تعالى نبيه أنْ يرد عليهم: قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ هو يوم النصر عليهم، كما في يوم بدر، حيث أذاقهم الله الذلة والهوان والموت، وقضى على جبروتهم، أو هو يوم القيامة.
والذي ضرب لكم هذا الميعاد هو القادر على إنفاذه، وليست هناك قوة تمنعه سبحانه أنْ يفي بما وعد، أو حتى يُؤخِّره لحظة واحدة، وهو سبحانه العليم بأن الآيات الكونية لا تشذّ عما أراد سبحانه.
وسبق أن بينَّا أن البشر حين يَعِدُون لا يملكون أسباب الوفاء بوعودهم، لذلك علَّمنا ربنا -عز وجل- أن نحتاط لذلك؛ فقال سبحانه:
وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ.. [الكهف: ٢٣-٢٤].
لأن الله يحب لعبده أن يكون صادقاً، فحين يعلق فِعْله على مشيئة الله يُعْفِي نفسه من الكذب وإخلاف الوعد حين عدم الوفاء خاصة، وهو لا يملك عنصراً واحداً من عناصره، إذن: اطرح المسألة على مَنْ يملك كل هذه العناصر؛ لذلك نُسمِّي الوعد من الناس وَعْداً ومن الله الوعد الحق يعني: الذي لا يتخلف أبداً.
ومعنى لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ أنه ميعاد مضبوط، وكان الحق سبحانه يريد بذلك أنْ يستقبل الإنسانُ كلَّ المعطيات التي منحه الله، وأنْ تظل دائماً في ذهنه لا يغفل عنها.
وجاء (يَوْمٍ) نكرة مبهمة، والإبهام هنا هو عَيْن البيان، كما سبق أنْ أوضحنا، فحين يبهم اللهُ مثلاً أجلَ الإنسان يظل دائماً متذكراً له، ينتظره في أي وقت، ويتوقعه في كل نفَس، وفي كل لحظة دون أنْ يربطه بمرض أو غيره، فالموت من دون أسباب هو السبب.
قولهم لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا الْقُرْآنِ.. يدل على لجلجتهم، ففي موضع آخر حكى القرآن عنهم قولهم:
لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] ومعنى هذا أن القرآن لا غُبارَ عليه ولا اعتراضَ، الاعتراض على مَنْ نزل عليه القرآن، كذلك من الغباء قولهم:
إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ.. [القصص: ٥٧] فاعترفوا أنه جاء بالهدى.
ومثله قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ.. [المنافقون: ٧].
صحيح، الباطل لجلج، يتخبط هنا وهناك في تفكير مُشوّش ليس له سِيال واحد، وهذا التخبط يكشف ما هم عليه من الباطل، وقلنا: إن المحقق الماهر هو الذي يصل إلى الحقيقة من خلال مناقشة المتهم مناقشة تُوقعه دون أن يدري، ذلك لأن المتكلم بالحق يحكي واقعاً على هيئة واحدة، فمهما أعدْتَ عليه السؤال يُجِب إجابة واحدة.
أمّا الكاذب فلا يحكي واقعاً، إنما يحكي كذباً واختلاقاً لا بُدَّ أن ينتهي بتضارب في أقواله...
بعد أن قالوا هذا الكلام أراد الحق سبحانه أن يُفظع الرد عليهم فقال: وَلَوْ تَرَىٰ.. يعني: يا محمد إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ.. يعني: بين يدي الله، ينتظرون الفصل والحساب.
تعلمون أن (لَوْ) أداة شرط تحتاج إلى جواب، هذا الجواب حُذِف من سياق الآية ليدلَّ على التهويل والتفظيع. وتقديره: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم.. لرأيتَ أمراً عظيماً، وهذا الأسلوب تذهب فيه النفس كلَّ مذهب، ونتصور ألوان العذاب والذلة التي يعانيها الكفار في هذا الموقف بين يدي الله عز وجل، فحَذْف الجواب هنا أبلغ من ذِكره...
ثم تستمر الآية في وصف موقف هؤلاء الظالمين بين يد الله تعالى، ويا ليتها تنتهي عند الذلة والانكسار، إنما يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يعني: يتجادلون ويتناقشون، يرمي كل منهم باللائمة على الآخر، ومعنى (يرجع) من المراجعة، فواحد يقول، والآخر يردُّ كلامه ويُنكِره، وفي القرآن مواضع كثيرة تحكى هذه المراجعة بين الأتباع والمتبوعين، وهنا نموذج منها:
يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ يعني: الضعفاء والمقلدين لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ وهم السادة الكبار المتبوعون لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ فيكفي من عظمة القيامة أنْ يقف المستضعف أمام القوي ويراجعه ويواجهه -مع أن كلاهما خائب خاسر- ذلك لأن الضعف كان في الدنيا والاستكبار والتبعية، أما الآن وفي ساحة الحساب فقد تساوتْ الرؤوس، وها هم الضعفاء يقولون لأسيادهم لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ.
وما دامت المسألة مراجعة، كُلٌّ يُرجِع إلى الآخر قوله، فلا بُدَّ أنْ يرد الذين استكبروا، وأنْ يراجعوا الذين استُضْعِفوا.

ثم يقول الحق سبحانه:

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ....
يرد الذين استكبروا: أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ يعني: ما منعناكم عن الهدى، وما حُلْنَا بينكم وبين الإيمان بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ يعني: بطبيعتكم، فقد وجدتم طريقنا سهلاً، وعبادتنا لا تكليف فيها ولا مسئولية، ليس فيها صوم ولا صلاة ولا زكاة، ولو فكرتم واعملتُم عقولكم ما تبعتمونا.
وهذا هو نفسه منطق الشيطان حين يناقش أولياءه يوم القيامة، ويقول لهم:
وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢].
هذا استمرار في المراجعة والحوار، كُلٌّ يلقى بالمسئولية على الآخر، فلما اتهموهم بالإجرام، وأنهم انساقوا خلفهم طمعاً في تدين خفيف، لا تكاليف فيه، ولا منهج يقيد شهواتهم ردَّ المستضعفون بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ [سبأ: ٣٣] يعني: المكر الذي ينشأ في الليل، والمكر الذي ينشأ في النهار، حيث قضيتم الليل والنهار تُلِحُّون علينا وتلعبون في آذاننا حتى اتبعناكم.
إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً [سبأ: ٣٣] يعني: شركاء وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ [سبأ: ٣٣] فالندامة تعتصرهم، ومع ذلك لا يجهرون بها ولا يُبْدونها حتى لا يشمت بهم الآخرون، وفَرْق بين أنْ يندم الإنسان وبين أنْ تُلجِئه الظروف، لأنْ يعلن الندم.
ثم يقول سبحانه: وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [سبأ: ٣٣] الأغلال: القيود، ومعنى هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [سبأ: ٣٣] تنبيه للمؤمنين الذين يسمعون هذا الكلام وهذا الجزاء: إياكم أنْ تأخذكم بهؤلاء رِقَّة على حالهم في الآخرة، وانظروا إلى ما فعلوه في الدنيا من إجرام؛ لتعلموا أن الله تعالى عادل لا يظلم الناس، ولكنَ أنفسهم يظلمون.
ومثال ذلك قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٢٩] إلى أنْ قال سبحانه: هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦].
ذلك لأن الجريمة حين ينتهي وقتها، وتهدأ آثارها ينسى الناسُ بشاعتها، ولا يذكرون إلا بشاعةَ العقاب عليها، أو ترقّ للمجرم قلوب الذين لم يشهدوا جريمته؛ لذلك يُذكِّرنا الحق سبحانه بعدله، وأنَّ هذا الجزاء جزاء وفاق، فلا تأخذكم بالمجرمين رأفة، ولا ترحموهم في هذا الموقف المخزي الذليل، وضَعُوا عقوبتهم أمام جريمتهم يوم كذَّبوا الرسل.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ... .
نلحظ في هذه الآية أنها ذكرتْ النذارة، ولم تذكر البشارة، لماذا؟ قالوا: لأن الحديث عن قرية استشرى فيها الفساد بحيث لم يَعُدْ لها إلا النذارة، فهؤلاء قوم كذَّبوا الرسل، ووقفوا من الدعوة موقفَ العداء والمكابرة. أما البشارة فتكون في عموم الدعوة، والحديث هنا عن دعوة خاصة بهؤلاء المكذبين...
وقوله إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ [سبأ: ٣٤] جمع مُتْرف وترف يترف أي: تنعَّم. أما أترف فتعني أن النعمة أطغَتْه وفتنته، فالحق سبحانه لم يمنع عبده أنْ يتمتع بنعمه، المهم ألاَّ تُطغيه النعمة.
وقد يكون الترف والتنعُّم استدراجاً من الله للعبد، وإملاءً له، ومَدًّا له في النعمة حتى يَطْغى بها...
قوله تعالى: وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ لماذا أنتم كافرون بما جاء به الرسل؟
الحق -تبارك وتعالى- يريد من العباد ألاَّ يستعلي قوي على ضعيف، وألاَّ يستعلي غني على فقير، وألاَّ يستعلي عالم على جاهل، إنما يريد أن يعمَّ الخير، فمَنْ كانت عنده خَصْلة من خصال الخير عَدَّاها إلى غيره.
أما هؤلاء فقد اختاروا الكفر، واطمأنوا إليه؛ لأن النعمة أطغتهم وأترفتهم، فمالوا إلى البذخ وإلى المظالم حتى عَشِقوا هذا كله، فلما جاء الدين ليُعدِّل من سلوكهم صادموه، وحاولوا طمسه والقضاء على دعوته؛ لأنهم ألفوا السيادة، وألِفُوا الطغيان، ولا يريدون أنْ تُسلب منهم هذه السيادة. وإلا لو أن العالم كان مستقيماً متوازناً ما كانت هناك حاجة للرسل، إذن: ما جاء رسول إلا بعد أنْ عَمَّ الفساد وطَمّ.
وسبق أنْ قُلْنا: إن الحق سبحانه خلق في النفس الإنسانية مناعة إيمانية نتيجة الفطرة الأولية، لكن الشهوات وتقاليد الظالمين تطمس هذه الفطرة، فتحتاج إلى مُذكِّر يعيدها إلى الطبيعة والفطرة التي خلقها الله، لذلك قال سبحانه:
إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية: ٢١] يعني: ليس بادئاً...
وقولهم: إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ بم أُرسِل الرسلُ؟ أُرسِلوا أولاً بقضية التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، أرسلوا بالبلاغ عن الله، أرسلوا بمعجزات، أُرسلوا بأحكام ومناهج تحكم حركة الحياة. فهؤلاء كفروا بهذا كله لأنهم يريدون أنْ يعيشوا في ترفهم وظلمهم، وأنْ يستبدوا كما يشاؤون.
لكن قولهم بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ دلَّ على غبائهم؛ لأنهم لم يقولوا مثلاً بما جئتم به، أو بما ادعيتموه، إنما بما أُرسِلتم به، فهم يعترفون بأنهم مُرسَلُون، فهذه كلمة الحق ساقها الله على ألسنتهم، كما ساقه على ألسنتهم في قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ [المنافقون: ٧] وقولهم لما فتر الوحي عن رسول الله: إن رب محمد قلاه.
إذن: هم يعترفون لرسول الله بالرسالة، والمرسل لا يُرسَل من مثله، إنما من جهة أعلى، فالرسالة ليست من عند محمد؛
آية رقم ٣٥
قلنا إن الدين إنما جاء ليُحدِث توازناً في المجتمع واستطراقاً عقدياً واقتصادياً واجتماعياً، فمنطق هؤلاء الذين كفروا بالرسل أنهم ليسوا في حاجة إلى هذا كله، فعندهم المال والأولاد، وعندهم كل مُتع الحياة.
وَقَالُواْ.. أي: في حيثيات كفرهم نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً بل أكثر من ذلك يأخذهم غرورهم إلى أن يقولوا: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ لماذا؟ يقولون: لأن الله ما كان ليعطينا هذا النعيم في الدنيا، ويضنّ علينا في الآخرة.
لكن نقول لهم: أنتم واهمون، ففَرْق بين عطاء الألوهية وعطاء الربوبية، الله تعالى أعطاكم بعطاء الربوبية الذي يشمل الجميع المؤمنَ والكافر، والطائع والعاصي، أما عطاء الألوهية فتكليف، فالله يعطيكم في الدنيا بعطاء الربوبية، ويعاقبكم في الآخرة بمقتضى الألوهية.
وهذه الحيثية منهم: نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً حجة عليهم لا لهم، فمن أين لكم هذا الخير؟ ثم إن كثرة الأموال كان يجب أنْ تحملكم على نواحي الخير، وكثرة الأولاد كان ينبغى أنْ تجعلوا منهم [عونا] لكم على الحق، إذن: كفركم بعد هذه النِّعَم دليل على أنكم استخدمتموها في الباطل وفي الظلم والطغيان.
وما أشبه قولهم: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ بقول صاحب الجنة:
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦] وهذا بَطَر بنعمة الله وغرور بها، فليس بين الله تعالى وبين أحد من خَلْقه قرابة ولا نسب، لينعم في الدنيا وينعم في الآخرة بلا عمل، فهؤلاء فتنتهم المال، وفتنتهم الذرية.
أي (قُلْ) ردًّا عليهم في اغترارهم بكثرة الأموال والأولاد: إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ [سبأ: ٣٦] يبسط: يُوسع الرزق بكرمه، ويقدر: يعني: يضيقه على مَنْ يشاء بحكمته تعالى. والرزق لازمة من لوازم الربوبية التي خَلَقَتْ، والتي استدعت الإنسان للوجود، فلا بُدَّ أن تضمن له مقومات حياته.
لكن الرازق سبحانه لا يرزق الناس جميعاً (بمسطرة) يعني بالتساوي؛ لأن الله تعالى يريد أن تكون المجتمعات متعاونة متكافلة، ولو أن كل إنسان كان عنده ما يكفيه ما احتاج أحد إلى أحد، وما حدث في المجتمع هذا الترابط وهذا الاتصال الجماعي.
وسبق أنْ أوضحنا أن ترابط المجتمع لا بُدَّ أنْ يكون ترابط حاجة، لا ترابط تفضّل، فلو فرضنا أننا جميعاً تخرّجنا في الجامعة، أو أخذنا الدكتوراة، فمن (يكنس) الشوارع، ومن يمسح الأحذية؟ لو جعلنا هذه الأعمال تفضّلاً من بعضنا ما قَبِلها أحد.
وقلنا: إن الرجل المتعجرف أو المتكبر أو الباشا لو عاد إلى بيته فوجد به رائحة كريهة فسأل فقالوا: المجاري بها كذا وكذا لا شكّ أنه لن يهدأ له بال حتى تنتهي هذه المشكلة، وربما ركب سيارته، وذهب بنفسه إلى السباك ليُخلِّصه من هذه المشكلة.
نقول في هذه الحالة: إن السباك فاضل على الباشا في هذا الوقت، لأن الله أعطاه قدرة على نفسه لا يملكها الباشا أو حامل الدكتوراة، وهذا السباك ما تحمَّل مثل هذا العمل إلا لحاجته إليه وإلا ما قَبِلَه.

لذلك أحسن الشاعر حين قال:

النَّاس للنَّاسِ من بَدْوٍ وحَاضِرةٍ  بَعْضٌ لبعْضٍ وإنْ لم يَشْعُروا خَدَمُ
وهذه الخدمة تقوم على التداول، فالحق سبحانه لم يجعل ذرية كلها خادمة، وذرية مخدومة، إنما أنت خادم في شيء ومخدوم في شيء آخر، وهكذا كلنا خادم، وكلنا مخدوم، ليعلم الإنسان أياً كان أنه ابن أغيار، وأن سيادته ليست ذاتية فيه، فإنْ كان هو الأعلى عليه أنْ يُقدر هذا العلو ويعمل له ليظل على عُلُوه، فإنْ رأى الأدنى منه فلا يحقره، بل يُقدِّر له مهمته في خدمته، وأنه سيحتاج إليه في يوم ما في عمل لا يقدر هو عليه.
لذلك يقول تعالى: وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ.. [النحل: ٧١] كثيرون يظنون أن الرزق هو المال، إنما الرزق كلمة عامة يُراد بها كل ما ينتفع به الإنسان، والحق سبحانه فضَّل بعضنا على بعض في هذه الأشياء، لكن أيُّ بعض فضَّل؟ وأيُّ بعض فضَّل عليه؟ أنت مُفضَّل فيما لك فيه موهبة، ومفضَّل عليه فيما لا موهبةَ لك فيه، وهكذا يتكاتف المجتمع ويتكامل، ويرتبط ارتباطَ حاجة لا ارتباطَ تفضُّل.
وتأمل قوله تعالى: فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ [الفجر: ١٥] وشكراً، وكثَّر الله خيرك أنْ نسبتَ الإكرام لربك وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ [الفجر: ١٦] فيقول الحق (كَلاَّ) يعني: أنت كذاب في هذا القول؛ لأن بَسْط الرزق ليس دليلاً على التكرم، ولا تضييقه دليل إهانة. وإلا كيف يكون بَسْط الرزق دليلَ التكريم، والناس فيما يُرْزَقون لا يكرمون به اليتيم، ولا المسكين، ويأكلون التراث أكلاً لماً. كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً [الفجر: ١٨-٢٠].
إذن: على الإنسان أنْ يتأدب مع الله فيما صنع؛ لأن الله يعلم كيف يرزق، وهو سبحانه يريد أنْ يجعل من الناس أُسْوة للناس، فالغني الذي افترى بماله يُبقيه الله حتى يرى فيه الفقير المفْترَى عليه، يرى فيه عقاب الله ليعلم أن لله تعالى ألوهية، ولله تعالى قيومية، لا يفلت الظالم من عقابها في الدنيا قبل الآخرة. وهذا المعنى خاطب الله به نبيه فقال: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧].
ثم إن مسألة الرزق لا تتوقف على مهارة، أو شطارة، أو علم، فهناك مَنْ سعى للرزق وزرع واجتهد، لكن عند الحصاد جاءتْه جائحة اجتاحت زرعه فأهلكتْه، وكأن الحق سبحانه يقول لنا: إياك أنْ تفطن إلى ألوهية الأسباب، وتغفل ألوهية المسبب.
والرزق مقسوم لصاحبه، وإنْ حمله غيره، فالجنين في بطن أمه غذاؤه من تكوينها ومن دمها، لكن هذا الدم وإنْ حملتْه الأم ليس رزقها، بدليل أنه إذا حدث الحمل توافر هذا الدم لغذاء الجنين، فإنْ لم يحدث الحمل نزل منها هذا الدم في عملية الحيض، ولم تنتفع به الأم، لماذا؟ لأنه ليس رزقها هي، وهذا يساعدنا في فهم قوله تعالى: نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم [الإسراء: ٣١].
لذلك قالوا: ليس كل ما تملك رِزْقاً لك، إنما رزقك ما انتفعتَ به، فالشيء يكون في ملكك وفي حوزتك تظن أنه لك، ثم يضيع منك، أو يُسرق أو يُؤمَّم أو تُصيبه جائحة.. إلخ بل أكثر من ذلك قد يكون طعاماً وتأكله بالفعل، ويتمثل في جسمك دماً يجري في عروقك، ثم يسيل منك بسبب جرح، أو عملية جراحية مثلاً: إذن: هذا الدم ليس رزقاً لك.
فالمؤمن ينبغي أنْ يظمئن إذن إلى عملية الرزق، ويعلم أنها بقيومية الله التي ترزق المؤمن والكافر، وأن الرزق مقسوم لك، مُسمّى باسمك، فلا يأخذه غيرك مهما كان، فإنْ بُسِط لك فاحمد الله، وإن قُتِّر وضُيِّق عليك فاعلم أنها بحكمة الله، واقرأ: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر ٢١].
ثم تُختم الآية بقوله تعالى: وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [سبأ: ٣٦] فالأكثرية لا يعلمون حكمة الله في تفاوت الأرزاق، وهذا يعني أن قلة منهم هم الذين يعلمون، فاللهم اجعلْنَا من هذه الأقلية.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ... .
الكلام هنا مُوجَّه إلى الكفار الذين ظلموا بأموالهم وأولادهم، فمثل هذا المال، ومثل هؤلاء الأولاد لا يكونون أبداً زلفى، ولا قربى إلى الله، لكن إن استغل هذا في مرضاة الله وفي سبيل الله وفي أبواب الخير فهو من أعظم القربات.
المال يُنْفَق منه في نواحي الخير، والأولاد يُربوْن التربية الصالحة ليكونوا أسوة خَيْر في مجتمعهم، لذلك استثنى الله تعالى فقال: إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً [سبأ: ٣٧] أى: فيما أعطاه الله من نعمة المال ومن نعمة الأولاد.
فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ [سبأ: ٣٧] وهكذا فتح الله الباب للنعمة، حين تُستغل في مرضاة الله، فليس كل الأموال ولا كل الأولاد نعمة، فالمال قد يجرُّ صاحبه إلى الهلاك، ويلقي به في النار، والأولاد الذين ظننتَ أنهم لك عِزْوة وقوة قد تنقلب هذه العِزْوة عليك.
ورأينا كثيراً من الذين يبحثون عن هذه العِزْوة في الباطل، لكن يريد الله أنْ يُذِلَهم بما فتنوا، يذهب الرجل مثلاً فيخطب لولده بنت أحد الأعيان، أو الأغنياء، أو أحد أصحاب المناصب، ويفرح بهذا النسب ويفخر به، لكن أضمنتَ أنك سترضي هذه البنت؟ وأنك لن تختلف معها في يوم من الأيام؛ لذلك كثيراً ما تنقلب هذه العِزْوة وهذا الجاه على صاحبنا، فيُذله الله من حيث ظنَّ هو العزة والكرامة.
وقوله تعالى: فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ [سبأ: ٣٧] لا يأتي الضعف إلا في جزاء الحسنة، أما السيئة فلا تُضاعف، إنما يكون الجزاء بمثلها، وهذا من رحمة الله تعالى بنا، وقال ٱلضِّعْفِ [سبأ: ٣٧] ولم يقُلْ الأضعاف؛ لأن (الضعف) اسم جنس يصلح للقليل وللكثير، ومن ذلك قوله تعالى: وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ [العصر: ١-٣] فاستثنى (الذِينَ) وهي جمع من المفرد (الإنْسَانَ) لأنه اسم جنس.
والضِّعْف أي: مضاعفة الحسنة، أو مضاعفة الصدقة، ومن معاني الضِّعف أنك إذا وزنتَ الأصل الذي أنفقتَه وجدته ضعيفاً بالنسبة لما أخذتَ عليه من الجزاء.
وليست المضاعفة هي نهاية العطاء عند الله؛ لأن الحديث النبوي الشريف أكمل هذه المسألة، فقال صلى الله عليه وسلم: فالله تعالى يُضاعف لمن يشاء على قَدر النيات في العطاء والبَذْل، فواحد يعطي وفي نفسه أنه أعطى وبذل من ماله ومن جهده، وآخر يعطي ويؤمن أنه مجرد مُناول عن الله، فالمال عنده مال الله، والعطاء من الله.
ومن صور العطاء ما تعلَّمناه من السيدة فاطمة، فرُوي أن سيدنا رسول الله دخل عليها فوجدها تجلو درهماً لها، فَسألها رسول الله عنه فقالت: لأنني نويت أنْ أتصدق به، وأنا أعلم انه يقع في يد الله قبل أنْ يقع في يد الفقير.
ثم إن المتصدق بمجرد أنْ يُخرج الصدقة من يده تخرج قيمتها من قلبه، ولا يتتبعها، ولا تتعلق نفسه بها، أما حين يُقْرِض قرضاً، فإن نفسه لا تنساه وتتعلق به، وكلما تحركت نفسه لطلب القرض صبر عليه، فكان له الثواب على قَرْضه كلما صبر عليه.
لذلك أثار المستشرقون ضجة حول مسألة الجزاء على الصدقة وعلى القرض، وادعَوْا تضارب الآية والحديث في هذه المسألة، ففي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: والحق سبحانه يقول: مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً.. [البقرة: ٢٤٥].
وبالجمع بين الاثنين يكون القَرْض حين يُضَاعف بعشرين لا بثمانية عشر، والحمد لله فتح الله لنا ما أُغْلِق من هذه المسألة، فقُلْنا: لو أن رجلاً تصدَّق بدينار مثلاً، فالله يجازيه الحسنة بعشر أمثالها، لكن هل أعاد إليه الدينا الذي دفعه؟ لا، إنما ذهب الدينار مقابل العشرة، إذن: أخذ في الواقع تسعة، فحين تُضاعف تساوي ثمانية عشر.
نعود إلى قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً [سبأ: ٣٧] في مواضع كثيرة من كتاب الله يجمع الله بين الإيمان والعمل الصالح، لماذا؟ لأنهما جناحان لا يتم العمل إلا بهما معاً، فالعمل الصالح بلا إيمان هَبَاء لا قيمةَ له كأعمال الكفار الخيرية التي يأخذون الجزاء عليها في الدنيا شهرةً وتكريماً وتخليداً لهم، لكن لا نصيبَ لهم في ثواب الآخرة، كذلك لا قيمة للإيمان إنْ لم يُترجم إلى عمل صالح.
فَأُوْلَـٰئِكَ [سبأ: ٣٧] أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ: ٣٧] الغرفات جمع غرفة، وهي المكان الذى يُبْنى عادى أعلى البيت، وتكون خاصة للاستقرار الذاتي، لذلك نرى حتى الآن في بناء الفيلات مثلاً يجعلون الدور الأرضي للاستقبال العام وللطعام، فإنْ أراد صاحب البيت أنْ يرتاح يصعد إلى الدور العلوي الذي جُعِل للاستقلالية والخصوصية.
وللإنسان خصوصيات، حتى داخل بيته وبين أولاده، فإذا كان صاحب البيت مثلاً في غرفة نومه، فله الحرية أن يلبس ما يشاء، أو حتى يجلس فيها عرياناً، فإن أراد أن يخرج إلى الصالة تهيَّأ لها وارتدى الملابس التي تناسبها، فإنْ أراد أنْ يخرج إلى الشارع تهيَّأ أيضاً له بما يناسبه منة ملابس، كذلك النادي، أو مكان اجتماع القوم، لكُلٍّ زي خاص وسَمْت خاص.
ولهذه الاستقلالية والخصوصية جعل الناس الآن غرفة للبنين، وغرفة للبنات، فإنْ لم تَكُنْ هناك سَعَة في المكان جعلوا سريراً للولد، وسريراً للبنت.
فالحق سبحانه يحفظ لعبده قَدْره، ويحفظ له هذه الخصوصية، وهي خصوصية آمنة لا يُنغص أمنها فَزَع وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ: ٣٧].
آية رقم ٣٨
هؤلاء سَعَوْا في آيات الله ليصرفوا الناس عنها، ويشغلوهم عن سماعها.
ومعنى: مُعَاجِزِينَ مفردها مُعاجز، والمعاجزة مفاعلة يعني: واحد يعاجز الآخر أي: يريد أن يُعجزه، إذن: المعاجزة معركة، لكن إياكم أنْ تظنوا أنها بين مؤمنين وكافرين، أو بين الرسل والمكذِّبين لهم، لا إنما هي معركة عالية، فالذين يُعاجزون يُعاجزون الله في آياته ليبطلوها، وليضعوا العقبات في طريقها، ومهما كان كيدهم فلن يعجزوا الله، ولن يُفْلتوا منه سبحانه، كما قال تعالى:
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ [سبأ: ٥١].
وهنا يقول: أُوْلَـٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ومعنى محضرون أنهم يحضرون رغماً عنهم، فهي اسم مفعول من حضر، فهم يُجَرُّون ويُشدُّون كالمقبوض عليهم...
قلنا: يبسط يعني يُوسِّع. ويقدر يعني: يُضيق، وقد ورد هذا المعنى قبل عدة آيات، لكن هنا يضيف لفتة جديدة، فيقول سبحانه بعدها مباشرة وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وكأن الحق سبحانه يلفت أنظارنا إلى أن الخَلْق جميعاً خَلْقه وعباده، وهو قادر سبحانه أنْ يعطي الجميع، وأنْ يُوسِّع على الجميع، لكن يريد أنْ يتحابَّ الخَلْق، وأنْ يتكافل الناس؛ لذلك وسَّع على بعضهم، وضَيَّق على بعضهم، ثم أشار لمن وسَّع عليه ولوَّح له بجزاء الإنفاق، لينفق على أخيه الذي ضُيَّق عليه.
وهذه الآية تعطينا ملخصاً لاقتصاد العالم كله؛ لأن معنى الاقتصاد موازنة المصروفات بالواردات، فالمصروفات لمصروف له، والواردات لوارد عليه، إذن: لا بُدَّ أن يكون في المكان الواحد فئة تعطي وفئة تأخذ... لذلك الحق سبحانه لم يترك بَسْطة الغنى هكذا حرة، كذلك لم يترك تقتير الفقير، بل جعل لهذا مَبْذلاً، ولهذا مصدراً.
فبعد أن أخبر سبحانه: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ حكمها فقال: وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ فالحق سبحانه يراعي مبدأ النفعية لصاحب المال، ويراعب حب الأغنياء للمال؛ لذلك يطمئنهم على أموالهم، ويتكفَّل هو سبحانه بأنْ يخلفها لهم.
والحق سبحانه بسط الرزق للأغنياء وهم يحبون المال ولكنه يقول لهم: إذا أُحِلْت على غنى فاتبع، يعني: إنْ كان لك دَيْن عند فقير فأحالك بدينك إلى غنى قادر على السداد فتحوَّل؛ لأنك لا تضمن متى سيُوسِّع الله على الفقير ليُسدِّد ما عليه.
وهكذا طمأن اللهُ الأغنياءَ بأنّ أموالهم لن تنقص بالإنفاق؛ لأنها أحيلت إلى الله وتكفَّل هو بالسداد.
لذلك يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:"ليس لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقْتَ فأبقيْتَ"...
لذلك تُختم الآية بقوله تعالى: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قال سبحانه خير الرازقين؛ لأن الرازق: كل مَنْ يمدُّ لك يده بما تنتفع به، وعليه فأبوك بالنسبة لك رازق، والذي يعولك ويتكفَّل بك رازق، كذلك ربُّك عز وجل رازق، لكن فَرْق بينهما، فأبوك رازق؛ لأنه يأتي لك بالرزق، لكن إنْ سألته من أين هذا الرزق يقول: من عند الله، فهو سبب ومناول، أما الحق سبحانه فهو خالق الرزق؛ لذلك قال وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
وسبق أنْ أوضحنا: إذا رأيتَ صفة مشتركة بين الخَلْق والخالق فاعلم أن الجهة مُنفكّة، فلكلٍّ ما يناسبه. إذن: حيثية الخيرية هنا أنه تعالى هو الرازق، وهو خالق الرزق، وهو الذى يُيسِّر لك أسبابه حتى يصل إليك.
وقالوا: خيرية الله في الرزق ناشئة من ثلاث مسائل: الأولى: أنه سبحانه لا يُؤجِّل الرزق لوقت الحاجة إليه، إنما خلقه لك قبل أنْ يخلقك، وأعدَّ لك مُقوِّمات الحياة قبل أنْ يستدعيك إليها. الثانية: أنه لا يحاسبك على ما رزقك. الثالثة: لا يطلب منك ثواباً على ما وهبك.
لهذا كله كان الحق سبحانه وما يزال خير الرازقين...
المعنى: واذكر يوم يحشرهم جميعاً، واليوم ظرف للحشر وللجمع يوم القيامة، لكن لماذا يذكر رسول الله هذا اليوم؟ قالوا: هنا إشارة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله لم يَنْسَه وما تركه، ولا تخلى عنه، بدليل أنه سينتقم له من أعدائه ومكذِّبيه في هذا اليوم، وكأن الله يقول له: سترى ماذا سنفعل بهم، كما قال سبحانه في آخر المطففين: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦].
وقوله تعالى: ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ معلوم أن الكفار عبدوا آلهة كثيرة، فلماذا خَصَّ الملائكة هنا بهذا السؤال؟ قالوا: لأنهم أعلى الأجناس التي عُبدَتْ من دون الله وأقربهم إلى الله؛ لذلك قالوا عنهم: بنات الله، فهم يظنون أنَّ الملائكة لهم كلمة عند الله، ويمكن أنْ يشفعوا لهم أو يدافعوا عنهم إنْ عبدوهم؛ لذلك ذكر هنا الملائكة، ولم يذكر الشجر والحجر الذي عُبِد من دونه سبحانه.
لكن، لماذا وُجِّه السؤالُ للملائكة المعبودين، ولم يُوجَّه للعابدين الذين أشركوا؟ لماذا لم يُوبِّخهم الله ويُقرِّعهم على عبادتهم دون الله؟ قالوا: لأن الحق سبحانه أراد أنْ يسمع المشركون من الملائكة أنفسهم الردّ: لتكون الحجة عليهم أبلغ.
المعنى: واذكر يوم يحشرهم جميعاً، واليوم ظرف للحشر وللجمع يوم القيامة، لكن لماذا يذكر رسول الله هذا اليوم؟ قالوا: هنا إشارة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله لم يَنْسَه وما تركه، ولا تخلى عنه، بدليل أنه سينتقم له من أعدائه ومكذِّبيه في هذا اليوم، وكأن الله يقول له: سترى ماذا سنفعل بهم، كما قال سبحانه في آخر المطففين: هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦].
وقوله تعالى: ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ [سبأ: ٤٠] معلوم أن الكفار عبدوا آلهة كثيرة، فلماذا خَصَّ الملائكة هنا بهذا السؤال؟ قالوا: لأنهم أعلى الأجناس التي عُبدَتْ من دون الله وأقربهم إلى الله؛ لذلك قالوا عنهم: بنات الله، فهم يظنون أنَّ الملائكة لهم كلمة عند الله، ويمكن أنْ يشفعوا لهم أو يدافعوا عنهم إنْ عبدوهم؛ لذلك ذكر هنا الملائكة، ولم يذكر الشجر والحجر الذي عُبِد من دونه سبحانه.
لكن، لماذا وُجِّه السؤالُ للملائكة المعبودين، ولم يُوجَّه للعابدين الذين أشركوا؟ لماذا لم يُوبِّخهم الله ويُقرِّعهم على عبادتهم دون الله؟ قالوا: لأن الحق سبحانه أراد أنْ يسمع المشركون من الملائكة أنفسهم الردّ: لتكون الحجة عليهم أبلغ.
يقول سبحانه للملائكة: أَهَـٰؤُلاَءِ [سبأ: ٤٠] المشركون إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ [سبأ: ٤٠] فأول ردِّهم قَالُواْ سُبْحَانَكَ [سبأ: ٤١] يعني: تنزيه لك يا رب أنْ يُعبد سواك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ [سبأ: ٤١] يعني: نحن في ذُلِّية عبوديتنا لك يا رب أعزُّ وأكرم من كونهم يعبدوننا بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ [سبأ: ٤١] يعني: ما عبدونا، إنما عبدوا الجن أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ: ٤١] فلماذا عبدوا الجن؟ ولماذا كان أكثرهم يؤمن بالجن؟
الجن هو الجنس الذي يقابل الإنس، وسُمِّي الجن؛ لأنه مستور عنَّا، يرانا ونحن لا نراه، كما قال تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: ٢٧].
والذين عبدوا الجن لم يعبدوهم جميعاً، إنما عبدوا الشياطين منهم، وعبدوهم لأنهم يطيعونهم، وأكثرهم كانوا بالجن مؤمنين، لماذا؟ لأن الجن كانوا يَسْترقون السمع، فيلتقطون بعض الأخبار والحقائق، ثم يُوحُونها إلى أوليائهم من شياطين الإنس فيأخذها هؤلاء ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، إلا أنهم كانوا يدسُّون في هذه الحقائق الكثير من الباطل، ثم تأتي بعض الأحداث موافقة لما أخبروا به، فيُفْتَن الناس بهم، ويظنون أنهم يعلمون الغيب.

ثم يقول الحق سبحانه:

فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً... .
قوله سبحانه فَٱلْيَوْمَ [سبأ: ٤٢] أي: يوم القيامة لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ [سبأ: ٤٢] أي: الملائكة ومَنْ عبدوهم من المشركين نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً.. [سبأ: ٤٢] فإنْ كانوا يظنون أنهم الملائكة، وأنهم عباد مُكْرمون، وأن لهم منزلة عند الله؛ لذلك سيشفعون لهم فأفهموهم: أنكم لا تشفعون إلا لمن ارتضى ولا تشفعون ابتداءً، بل تنتظرون أنْ يُؤْذَن لكم في الشفاعة، ثم أنتم أيها الملائكة تستحُونَ أنْ تكونوا شفعاء لمن عبد غير الله؛ لأن إخلاصكم في عبوديتكم لله تعالى يمنعكم أنْ تناصروا هؤلاء أو تشفعوا لهم.
ومثل هذا الموقف شاهدناه مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان الذين آمنوا بالله وكفروا برسالته مُقدَّمون عنده على مَنْ كفروا بالله، فعصبية محمد صلى الله عليه وسلم، لربه أكثر من عصبيته لنفسه.
وقوله تعالى: وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ: ٤٢] هذه الآية من المواضع التي وقف أمامها المستشرقون يظنون أن بها مأخذاً على كلام الله، قالوا: القرآن يقول في سبأ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ: ٤٢] ويقول في السجدة: ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة: ٢٠].
فهل كذَّب الكفار بالنار، أم كذَّبوا بالعذاب؟ ونقول: منهم مَنْ كان يُكذِّب بوجود النار أصلاً، وهؤلاء قال الله لهم ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ: ٤٢] لأن تكذيبهم مُنصَبٌّ على النار، والاسم الموصول (التى) يعود إلى النار.
أما الذين آمنوا بوجود النار، لكن ينكرون أنْ يُعذَّبوا بها قال الله لهم ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة: ٢٠] لأن تكذيبهم للعذاب لا للنار؛ لذلك جاء الاسم الموصول (الذي) العائد إلى العذاب.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا... .
... إذا كان محمد ساحراً سحر المؤمنين به كما تقولون، فلماذا لم يسحركم أيضاً وتنتهي هذه المسألة؟ ومعلوم أنه لا خيار للمسحور مع الساحر. إذن: هذا القول منهم كذب على سيدنا رسول الله وعناد ومكابرة لعدم قبول الحق الذي جاء به.
كأن الحق سبحانه يسأل: من أين جاءوا بهذا الكلام، وبهذه الاتهامات، هل آتيناهم كُتباً يدرسونها، ويعلمون منها ذلك؟
ويجيب سبحانه وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا [سبأ: ٤٤] كذلك وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ [سبأ: ٤٤] يعني: رسول يخبرهم بهذا. إذن: من أين جاءوا به؟

يقول سبحانه:

وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ... .
المعنى: أن ما قالوه في رسول الله، وفيما جاء به من الهدى تكذيب كما كذَّب السابقون، فهو سنة مُتبعة وطبيعة في المرسَل إليهم حين يأتي دين جديد ليُخرجهم عن طغيانهم واستبدادهم ويقضي على سيادتهم واستعبادهم للناس؛ لذلك لا بُدَّ أن يصادموا الدين ويُكذِّبوا الرسل، لتظلَّ لهم وسائل الطغيان ووسائل الفساد.
فمعنى وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ الأمم السابقة الذين كذبوا إخوانك الرسل السابقين، فلستَ يا محمد بدْعاً في ذلك.
وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ يعني: الأمم السابقة التي كذَّبت رسلها ما بلغتْ في الرسالة وفي المنهج والحجة والبينة معشار ما آتيناك؛ ذلك لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالدين الوافي والمنهج الكامل الذي لا يمكن الاستدراك عليه.
أو: أن المعنى وَمَا بَلَغُواْ أي: كفار مكة الذين كذَّبوا رسول الله مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ يعني: ما آتينا الأمم السابقة من القوة، فالذين كذَّبوا الرسل من الأمم السابقة كانوا أكثر قوة، وأكثر نفوذاً، وأكثر حضارة من كفار مكة، وأين هم من عاد وثمود وفرعون؟...
فأين قوة كفار قريش من قوة هؤلاء الذين يُضرب بهم المثل في: القوة، والبطش، والجبروت، والطغيان؟ ومع ذلك أصابهم من بأس الله ما أصابهم.
والمعشار أكثر من العشير، والعشير أكثر من العُشْر، فإذا أردتَ العشرات تقول عُشر، وإذا أردت المئات تقول عَشِير، وإذا أردتَ الآلاف تقول معشار.
بعد أنْ أعطاهم الحق سبحانه درساً وعبرة بمَنْ سبقهم من المكذبين يعود ليخاطبهم من جديد، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ يعني: لهم إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ الوعظ ليس إنشاءَ حكم، إنما هو تذكير بحكم سبق ونسيه الناس، فالواعظ يُبيِّن للناس أموراً يعرفونها ويؤمنون بها من الدين، لكم أَنْستهم الشهوات والغفلة هذه الأمور، فهو مُذكِّر بها، والعِظَة لا تكون إلا من مُحبٍّ لك حريص على مصلحتك.
لذلك فالحق -تبارك وتعالى- يعطينا نموذجاً للوعظ في قصة لقمان حين يعِظ ولده: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ.. [لقمان: ١٣].
ومعنى بِوَاحِدَةٍ يعني: موعظة واحدة فيها كل الآحاد، واستخدم السياق إِنَّمَآ الدالة على القصر يعني: لا أعظكم إلا بواحدة، ما هي؟ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ يعني: إياك أنْ تقوم لشهوة نفسك، أو لسيادة تحافظ عليها، إياك أنْ تقوم وأنت تريد الاستعلاء على هذا النبي، إنما يكون قيامك لله، يعني: تتجرد عن هواك، وتتجرَّد عن شهواتك وعن تعصُّبك.
وما دُمْتَ تتودد إليهم أنْ يقوموا لله فلا بُدَّ أن لله تعالى مكانة في قلوبهم، وهو سبحانه في بالهم بدليل: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [لقمان: ٢٥].
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧].
إذن: كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو خالقهم، وهو خالق السماوات والأرض؛ لأن هذه المسألة من الوضوح بحيث لا ينكرها منكر، مهما بلغ من الكفر والإلحاد...
والقيام المراد هنا لا يشترط فيه الجماعة ولا الجماهيرية؛ لأنه قيام للتفكُّر، فينبغي أنْ يكون مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ.. مثنى: يعنى: اثنين اثنين، وفرادى: واحداً واحداً. بحيث يختلي كُلٌّ مع نفسه ليفكر في أمر محمد بواقعية وتجرُّد: كيف كان بينكم، وكيف كانت سيرته وأخلاقه، وهل جرَّبتم عليه كذباً، أو سحراً، أو كهانة؟ وهل سبق له أنْ ادَّعَى ما ليس له؟ هل رأيتم عليه قبل بعثته علامة من علامات الجنون؟ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ.
وهذا التفكُّر في حال رسول الله يحتاج إلى موضوعية؛ لذلك اختار أنْ ينفردوا به، إما مثنى مثنى، وإما فرادى، فالإنسان حين يكون بمفرده، فلا يوجد له نظير ينهزم أمامه، ولا نظير يهيجه على غير الحق، فرأيه في هذه الحالة يكون أقرب للصواب.
والمنفرد إنْ تفكَّر وصل إلى الحق؛ لأنه لن يغشَّ نفسه، ولن يخدعها، ولن يستكبر أنْ يعود للحق، إما أن كانوا جماعة فلا بُدَّ أن يحاول كل منهم أنْ يثبت حجته، ولو اضطر للكذب وللخداع كما نراهم في مثل هذه المواقف، كُلٌّ يحلف أنه على الحق وغيره على الباطل.
فكأن الحق بهذه الطريقة في التفكير يحمينا ويعصمنا من غوغائية الجماهيرية في الحكم، هذه الغوغائية التي نشاهدها مثلاً في المظاهرات، حيث يهتف كُلٌّ بما يريد، فتختلط الأصوات، وتتداخل الهتافات، فلا تستطيع أنْ تميزها...
فالحق يُعلِّمنا كيفية التفكُّر مثنى أو فرادى، ويحمينا من الغوغائية...
كذلك إنْ كانوا مثنى مثنى، فالاثنان كما نقول: الرأي والرأي الآخر، ولو انهزم أحدهما أمام الآخر فهزيمته مستورة؛ لذلك دائماً ما نسمع من يقول لخصمه: أريد أن أجلس أنا وأنت على انفراد؟ لأنكما طرفا المسألة ولا يوجد طرف ثالث يُسبِّب لواحد منكما إحراجاً، أو إذلالاً، يتسبب في تغيُّر مسلكك أمامه.
ومعنى أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ ليس القيام الذي يقابله القعود، إنما مَنْ قام بالأمر يعني: فعله وأدَّاه، وإنْ كان قاعداً، ومن ذلك نقول: فلان يقوم بأمر فلان، أو فلان يؤدي وظيفة فلان. أي: يقوم بها.
ومعنى مَا بِصَاحِبِكُمْ يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم مِّن جِنَّةٍ جنون؛ لأنهم قالوا على رسول الله أنه مجنون، وعجيب منهم وهم أعرف الناس به، أنْ يصفوه بالجنون، وهم لم يَرواْ عليه علامة من علامات الجنون، ولم يصنع شيئاً مخالفاً لمجتمعه الذي عاش فيه، بل كانوا قبل البعثة يقولون عنه: الصادق الأمين، فكما ظهر كذبهم في قولهم (ساحر)، كذلك ظهر كذبهم في قولهم (مجنون).
ولو خَلاَ الواحد منهم إلى نفسه، ثم تفكَّر في شخص رسول الله لوصل بنفسه إلى الحق، ولو أدار في عقله هذه الاتهامات لوجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريئ منها، وما دام منفرداً في هذا التفكُّر، فلن يخجل أبداً أنْ يعود إلى الحق؛ لأنه لن ينهزم أمام أحد...
والحق -سبحانه وتعالى- هنا لم يذكر لنا نتيجة التفكُّر والبحث مثنى وفرادى؛ لأنه معلوم وواضح، إلا أنه قال عنه صلى الله عليه وسلم: إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.
شيء آخر: هل آمن الناس كلهم برسول الله بعد أن سمعوا منه قرآناً مُعْجزاً لنقول: إن القرآن هو المعجزة التي تثبت صِدْق الرسول؟ نقول: لا، إنما منهم مَنْ لم يؤمن بعد أن سمع القرآن، ومنهم مَنْ آمن قبل نزول القرآن، وبمجرد أنْ قال محمد: إني رسول الله. وأولهم السيدة خديجة، والصِّدِّيق أبو بكر، فما حيثية إيمانهم برسول الله؟ وما المعجزة التي عرفوا بها صِدْقه؟ حيثيته ومعجزته عند هؤلاء سيرته صلى الله عليه وسلم فيهم أولاً، فهي كافية لأنْ يؤمنوا به إنْ قال: أنا رسول الله إليكم. أما القرآن فهو معجزة وتحدٍّ لمن جحد.
لذلك نرى سيدنا رسول الله يُذكِّر قومه بهذه السيرة بينهم ويتخذها حجة له، "فلما بُعِث صعد إلى الصفا، ونادى في القوم، فلما اجتمعوا حوله قال: "أرأيتم لو حدثتكم أن خيلاً وراء هذا الوادي جاءت لتُغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقي؟ "قالوا: ما جرَّبنا عليك مِنْ كذب، فقال:"أنا رسول الله إليكم "فقالوا لِتَوِّهم: أنت كذاب تباً لك، أَلهذا جمعتنا؟"...
وتلحظ أن الذين صادموا رسول الله في أول البعثة، والذين اتهموه بالكذب من أهله وأقرب للناس إليه، وعمه هو الذي قال له: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ وهنا موطن حكمة وحجة في بعثة سيدنا رسول الله، جعلها الله ليعلم الناس أن مكانة قريش وسيادتها في الجزيرة العربية لم تكن هي التي صنعت رسالة محمد ليسودوا بها العالم، فأعدى أعدائه كانوا من قريش، ولم يجد رسول الله نُصْرة في مكة، إنما كانت نصرته في يثرب.
لذلك سبق أن قلنا: إن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، لا أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان به صلى الله عليه وسلم.
الأجر: هو الجُعل مقابل عمل، وهذه العبارة قالها كل الرسل، فقد علَّمهم الله أنْ يقول الواحد منهم لقومه: وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٠٩] كأنه في طيّ هذا الأسلوب، أنه لو كان هناك تقييم منصف لكنتُ أستحق أجراً على رسالتي ودعوتي؛ لأنني أجلب لكم بالهداية نفعاً كبيرا؛ لأنه ليس صفقة في هذه الدنيا الفانية، إنما نفعاً باقياً في حياة خالدة باقية.
لكن الواقع أنني لا آخذ أجري منكم، إنما آخذه من الله؛ لأن العمل الذي أقوم به أكبر من أنْ تُقوِّموه بثمن، والحق - سبحانه وتعالى - هو الذي يُقوِّم عملي، وأنا واثق أنه سبحانه سيعطيني إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ [سبأ: ٤٧].
ومعنى: فَهُوَ لَكُمْ [سبأ: ٤٧] يعني: إنْ كنتُ أخذتُ منكم أجراً، فسوف أعمل لكم بهذا الأجر، أو سيعود جزاؤه عليكم.
وسبق أنْ قلنا: إن كل الرسل قالوا هذه العبارة إلا رسولين اثنين لم تَأْتِ هذه العبارة في سياق كَلامهما، هما: سيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى عليهما السلام، مما يدل على أن هذه المسألة مبنية بحكمة كبيرة عالية، فلماذا إبراهيم وموسى بالذات من بين كل الرسل؟
قالوا: لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام أول ما واجه المخالفين واجههم في عمه، فلما صادمه عمه، ورفض دعوته اعتزله، واكتفى بأن يدعو له، وليس من المعقول أنْ ينتظر أجراً من عمه؛ لذلك لم تأْتِ في كلامه مسألة الأجر هذه.
كذلك موسى - عليه السلام - كانت أول دعوته لفرعون، الذي قال له: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [الشعراء: ١٨] يعني: إنْ كان يستحق أجراً على دعوته لفرعون، فسوف يستحي أن يطلب منه الأجر، وقد تربَّى في بيته، وفي رعايته.
وكلمة قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ [سبأ: ٤٧] تحتمل معنيين: أنني أخذتُ أجراً وأعطيته لكم، أو أنا من الأصل لم أسألكم أجراً، ثم تختم الآية بقوله تعالى: وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [سبأ: ٤٧] يعني شاهد علينا جميعاً، ويعلم ما قاسيته في سبيل دعوتكم إلى الحق، ويعلم ما فعلتموه معي من عناد وتعنُّت، وهو سبحانه سيُغلى أجري على قدر معاناتي وما تحملتُه في سبيل هدايتكم، والأخذ بأيديكم إلى ساحته.
وإذا كان الإنسان إنْ عمل عملاً لا بُدَّ أنْ يكون له حَظٌّ منه ومَغْنم ومنفعة، فرسول الله لم يسألكم حتى الأجر على العمل، فبأيِّ شيء تتهمونه بعد ذلك؟
بعد ذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُوضِّح لنا أمراً يتعلق بالحق الذي جاء به رسول الله، فالكفار كانوا يعترضون على شخص رسول الله، بدليل قولهم: أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا.. [ص: ٨]، وقالوا: لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
فهم يعترفون بالقرآن ويعلمون أنه ذِكْر، وأنه لا غبارَ عليه، المشكلة أنه نزل على هذا الرجل بالذات، ولم ينزل على واحد منهم من عظماء القوم؛ لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يقول إن إنزال مناهج الله للأرض لا بُدَّ أن تنزل على مصطفًى يصطفيه الله، لا مصطفًى يصطفيه الخَلْق، فلا معنى لقولهم: لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
لذلك يردُّ الحق سبحانه عليهم بالحجة: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الزخرف: ٣٢].
وقال سبحانه: ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
ورحمة الله هي ما ينتفع به الناس، إما في الدنيا، وهذه رحمة تشمل المؤمن والكافر، وإما رحمة في الآخرة، وهذه للمؤمن دون الكافر، وهذه الرحمة الأخروية دائمة باقية في نعيم لا يفوتك ولا تفوته، فإذا كنتُ أقسم لكم أرزاقكم ومعيشتكم في الحياة الدنيا، فكيف أَكِلُ إليكم اختيار مَنْ يرحمكم في الآخرة؟ هل أقسم لكم الرحمة الموقوتة. وأترك لكم الرحمة الباقية؟
ثم ينحو القرآن معهم منحىً آخر بعد أنْ وعظهم وتودَّد إليهم، فيقول سبحانه:
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ... .
آية رقم ٤٨
لك أنْ تلحظ هنا حدة الأسلوب، خلافاً للآيات السابقة التي كانت تعظهم وتتودد إليهم، وكأن الحق سبحانه يقول لهم: لا تظنّوا أننا سنظل نتودد إليكم، أو أنكم الذين ستسيِّرون المراكب، فالدين سيُظهِره الله رغم عنادكم، والحق سيعلو رغم كفركم.
فقال سبحانه: قُلْ أي: ردًّا عليهم إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ فبعد أنْ أعطاكم الفرصة، وبعد أنْ طال تمردكم، فالآن ربي سيقذف بالحق، كما قال سبحانه في موضع آخر بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٨].
والقذف: الرمي بشدة، وهي كلمة تُوحِي بالعنف والقوة، إنْ جاءت من البشر، فما بالك إنْ كان القذف من الله، والمقذوف من الله هو الحق، والحق كما قلنا هو الشيء الثابت الذي لا يتغير.
والقذف لا بُدَّ أنْ له غرضاً وغاية، ومَنْ أراد أنْ يقذف شيئاً عليه أنْ يُحدِّد المسافة لقريب أم لبعيد، فإن كان لقريب فقلَّما يخطىء القاذفُ المقذوفَ، وإنْ كان القذف لهدف بعيد فاحتمال الخطأ أكثر، وهكذا كلما بَعُدَتْ المسافة؛ لأن معنى القذف تحديد موضع لتصل القذيفةُ إليه، وتصيب الغايةَ المقصودة منها.
وعندما يكون الموضع قريباً، فالتغيرات التي ستطرأ عليه قليلة؛ لأن زمن وصول القذيفة إليه قصير، على خلاف الهدف إنْ كان بعيداً فهو عُرْضة لأنْ يتغير، فتختلف مثلاً زاويته بسبب الريح، أو الأعاصير أو خلافه؛ لذلك نحتاج في هذه الحالة إلى أجهزة وحسابات دقيقة تحسب بُعْد الهدف وقوة المقذوف، وقوة الريح أي: تتصادم معه وغير ذلك من حسابات السرعة والزمن، كالذي يرمي الطير مثلاً وهو في الهواء، لا بُدَّ أنْ يغير نقطة التنشين لتناسب حركةَ واتجاه الطائر.
ولا أَقْدَر على هذه العملية من علاَّم الغيوب سبحانه، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ لذلك جاء الحق سبحانه بالصفة التي تناسب الدقة في هذه العملية، فقال: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ فهو سبحانه أولاً يقذف بالحق، وقذيفته سبحانه لا تخطىء هدفاً؛ لأنه تعالى علاَّم الغيوب.
والحق الذي يقذف الله به هو المنهج الذي أنزله من السماء يقذفه لغاية وهي الرسالة، كما قال سبحانه:
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
إذن: القاذف هو الله، والمقذوف الحق، وهو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والغاية المقصودة هي وصول الرسالة إلى مَن اختاره الله لها، وهذه العملية لا تخطىء؛ لأن القاذف عالم بكلِّ غيب يؤثر على مسار المقذوف، فالحق لا بُدَّ أنْ يصل إلى صاحبه المختار له والمصطفى لحمله، لا إلى سواه...
وكلمة الْغُيُوبِ هنا تدل على كثرة المؤثرات التي يمكن أن تعترض القذيفة، فتُحول بينها وبين هدفها، وهذه المؤثرات لا يعلمها إلا الله.
فإنْ قلت: الفعل يقذف جاء في صيغة المضارع الدال على الحال والاستقبال، يعني: أن الحق سبحانه عمله أنه يقذف بالحق إلى الرسل، فهل قذفه إلى رسول الله؟
تأتي الإجابة في قوله تعالى في الآية بعدها: قُلْ جَآءَ الْحَقُّ.. [سبأ: ٤٩]
آية رقم ٤٩
قُلْ جَآءَ الْحَقُّ.. يعني: قذفه بالفعل في صورة القرآن الذي نزل على محمد الذي اختاره الله للرسالة ولحمل منهجه إلى خَلْقه لينظم به حركة حياتهم، وإذا كان الحق الواضح الثابت قد جاء وظهر، والذي قذفه علام الغيوب، فما موقف الباطل المقابل له؟ لا بُدَّ أنه يتراجع، ولا يستطيع الصمود أمام قوة الحق.
وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ فلا يبدىء في الأولى، ولا يعيد في الأخرى، يعنى: كما نقول: لا في العير ولا في النفير... هذا إذا كان للباطل وجود أو ثبات، إنما الباطل ما هو إلا خيال بعيد في أذهان أصحابه لا وجودَ له.
نلحظ أنه صلى الله عليه وسلم نسب الضلال إنْ حدث إلى النفس، ولكنه صلى الله عليه وسلم نسب الهداية إلى الله وإلى الوحي المنزَّل عليه؛ لأن الله إذا أنزل منهجاً هادياً لإنسان مختار، ومجال الاختيار أنْ تُوجد بدائل يختار العقل منها؛ لأن العقل لا مهمة له في الأمر الواحد الذي ليس له بديل، فمثلاً: تقول أريد أنْ أسافر إلى الفيوم، فلا تجد إلا طريقاً واحداً، فلا عملَ للعقل والاختيار هنا، لكن تقول: أريد أنْ أسافر إلى الإسكندرية، فتجد طريقين: الزراعي وصفته كذا وكذا ومميزاته كذا وكذا، والصحراوي وصفته كذا ومميزاته كذا.
والله تعالى خلق كونه كله مختاراً، إلا في الأمور القضائية القدرية، فقد جعلها الله قهريةً لا اختيارَ للإنسان فيها؛ لأن تدخُّلَه فيها يفسدها.
ولا تظن أنك وحدك مختار في الكون، فكُلُّ ما حولك من السماء والأرض مختار أيضاً، إلا أن السماء والأرض والجبال اختاروا مرة واحدة، ثم سحبوا اختيارهم الكليّ على كل الجزئيات التي تأتي بعد، واقرأ في ذلك قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب: ٧٢].
فالجمادات اختارت من البداية أنْ تكون مقهورة لله عز وجل، وأبَتْ تحمُّل هذه الأمانة، أما الإنسان فتحملها وقال: أستطيع بعقلي أن أختار بين البدائل، وفاته أنه أدرك وقت التحمُّل، ولم يدرك وقت الأداء، وما يطرأ عليه من عوارض وشهوات ووسوسة شيطان.. إلخ؛ لذلك وصفه الحق سبحانه بأنه كان ظلوماً جهولاً، يعني: ظلُوماً لنفسه، جهولاً بالعواقب.
والمنهج الذي وضعه الحق سبحانه منهج عام، وُضع للمؤمن وللكافر، فالله هدى ودلَّ الجميع إلى طريق الخير، وترك الجميع مختاراً، فمنهم مَن اختار شهوات نفسه في الدنيا، ورأى أنْ يتمتع بها، ويحدث ما يحدث بعد ذلك، ومنهم مَنْ تأمل هذا المنهج، فوجده من مُطاع بمعجزة، وهذه المعجزة خرقت نواميس الكون، فهو - إذن - منهج من عليم قادر وإله أعلى، اختار هذا المنهج لصلاح الخَلْق.
والإنسان عموماً يحب الخير لنفسه، لكن يختلف الناس في فهمهم للخير؛ لذلك يقول سبحانه: وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً [الإسراء: ١١].
ويقول سبحانه: سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء: ٣٧].
وكأن الحق سبحانه يقول للإنسان: لا تعجل في دعائك، وارْضَ بما اختاره لك؛ لأن حكمك وفَهْمك للخير على قَدْر علمك بالخير، لكن أعلم منك به، وأعلم منك باستقبالك لهذا الخير وأثره فيك.
لذلك قلنا: إننا نسمع كثيراً مَنْ يقول: أنا أصلي وأسير على منهج الله، ومع ذلك دعوتُ فلم يُسْتَجب لي، نقول: لأنك دعوتَ بالخير بفهمك أنت للخير، لكن ربك أعلم منك بالخير لك؛ لذلك لم يُجِبْ دعاءك.
وكثيراً أيضاً ما نسمع أمَّا تدعو على ولدها الوحيد في ساعة غضب تقول: (إلهي أشرب نارك، إلهي يجيينى خبرك) بالله، لو أن الله أجاب دعاءها، ماذا كانت تقول في ربها؟ إذن: عدم إجابة الله لك فيما تدعو أحياناً هو عين الخير لك، لأنه يعلم حمق دعائك، وهو رب لا يرضى لك بآثار هذا الحمق؛ لذلك يُعدِّل لك ما أخطأتَ فيه.
أمر آخر في هذه المسألة، فقد يكون الدعاء بخير حقيقي، لكن جاء هذا الدعاء من غير مضطر، إنما جاء كما نقول (بغددة)، والحق تبارك وتعالى وعد بإجابة المضطر إذا دعاه، فقال سبحانه: أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل: ٦٢] فلو كنتَ مضطراً لأجابك؛ لأن المضطر استنفد كل الأسباب الموهوبة له من الله، وعجزَتْ قوته، فلجأ إلى الله المسبِّب سبحانه، وأغلبنا يدعو الله عن غير اضطرار.
إذن: حين لا يُجاب دعاؤك، فاعلم أنه دعاء بشرٍّ تظنه أنت خيراً، والخير في ألاَّ يجيبك الله، أو أن دعاءك عن غير اضطرار.
نعود إلى كلامنا عن المنهج الذي وضعه الله لهداية الناس جميعاً، ونقول: الذي آمن بهذا المنهج واهتدى به يعينه الله ويزيده هداية، كما قال سبحانه: وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] والذي انصرف عنه وضلَّ كذلك يزيده الله من الضلال، ويختم على قلبه، بحيث لا يدخله إيمان، ولا يخرج منه كفر، ذلك لأنه تعالى رب يعين عبده على ما أحب، ويزيده مما يريد.
إذن: طالما هناك اختيار في قبول المنهج فلا بُدَّ أن توجد هداية، ويوجد ضلال، الهداية تجلب الخير والثواب، والضلال يجلب الشر والعقاب، هنا الحق سبحانه يُوضِّح لنا أن الضلال يُنسب إلى النفس، أما الهداية فتُنسب إلى الله وإلى منهجه، وقد قال سبحانه في موضع آخر: مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ [النساء: ٧٩].
وقال سبحانه قبلها: قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ [النساء: ٧٨] لماذا؟ لأنه سبحانه جعل الطريقين ودلَّ الجميع، فإنْ نظرتَ إلى الفعل فالله هو الذي أمدَّك، كما قال سبحانه: كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء: ٢٠].
فالله أعطاك مثلاً اللسان تنطق به كلمة التوحيد، أو تنطق به كلمة الكفر والعياذ بالله، فاللسان لم يَعْصِك، لا في هذه ولا في تلك، فمَنِ الذي أعطاك حرية الاختيار؟ الله، لذلك قلنا: لم يكفر كافر قهراً عن الله، أما عدم رضائه عنه، فهذا موضوع آخر.
لذلك قلنا: الرجل الذي أعطى لابنه جنيهاً مثلاً - وهو قوة شرائية - وقال له: اذهب إلى السوق واشترِ به ما تريد، لكن يُرضينى أنْ تنفقه في شيء نافع، فالذي أعطاه القوة الشرائية أبوه، والذي ترك له الخيار أبوه، وهو قادر أنْ يحجر عليه ويسلبه هذه القوة، وهذا هو الاختيار.
كذلك الحق - تبار ك وتعالى - يريد أن يذهب الإنسانُ إليه وهو مختار، وهو قادر ألاَّ يذهب، يريد أن يذهب العباد إليه عن حب، وعن رغبة، وعن إيمان، لا عن قهر وجبروت؛ لأنه سبحانه - كما سبق أنْ قُلْنا - يريد قلوباً تخشع، لا قوالب تخضع.
فقوله تعالى: قُلْ إِن ضَلَلْتُ [سبأ: ٥٠] يعني: أنا وأنتم سواء في هذه المسألة؛ لأن الضلال نتيجة للسيئات التي تقترفها النفس، فهي سبب الضلال قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي [سبأ: ٥٠] أما الهداية فمن الله؛ لأنها بسبب منهج الله وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ: ٥٠].
لكن النبي صلى الله عليه وسلم متفق وأمته في نسبة الضلال إلى النفس، لكن يختلف عنهم في الهداية وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ: ٥٠] فالهداية جاءته صلى الله عليه وسلم من الله مباشرة قبل أنْ يبعث له رسولاً بالرسالة، وقبل أنْ ينزل عليه وحتى السماء، أما هداية الأمة فبواسطة الرسول الذي يُبلِّغ منهج الله ويأتي بالمعجزة.
فهداية رسول الله كانت بداية لما اختاره الله رسولاً على هذا الوضع من الهداية، ثم أنزل عليه المنهج لهداية الأمة.
وقوله تعالى: إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سبأ: ٥٠] سميع أي: يعرف مطلوبي، ويسمع مني كل نَفَس، وهو سبحانه مع سمعه قريب مني لا يبطىء عليّ في الإجابة؛ لأن الفعل من الله تعالى لا يحتاج إلى علاج ومزاولة، إنما الفعل من الله بكُنْ.
ثم يرجع الحق سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ليُسلِّيه:
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ... .
قوله تعالى: وَلَوْ تَرَىٰ [سبأ: ٥١] أسلوب شرط ورد عدة مرات في القرآن الكريم، وتلحظ أن السياق لم يذكر له جواباً، واقرأ: وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ [سبأ: ٣١]. وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا.. [الأنعام: ٢٧].
فالجواب هنا محذوف؛ لأنه معلوم من السياق، فالتقدير هنا: ولو ترى يا محمد إذ فزعوا يوم القيامة أرأيتَ شيئاً عظيماً وأمراً عجيباً يريح قلبك، وينتقم لك جزاءَ ما كذَّبوك وعاندوك، وقد ورد هذا المعنى أيضاً في قوله تعالى: هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦].
فالذين طغَوْا وتجبَّروا في الدنيا، وصادموا كلمة الحق، وكانوا عُتَاة وفراعنة تراهم في الآخرة حين يصيبهم فزعها (بسابس) قططاً وأرانب.
ومعنى فَلاَ فَوْتَ [سبأ: ٥١] لا مهربَ ولا نجاةَ لهم؛ لأن الإنسان قد يفزع ويخاف من شيء، لكن يستطيع الهرب منه، أو ربما ينقذه أحد، أما هؤلاء فسوف يفزعون دون منقذ ودون مهرب ولا مفر، وهذا يشفي صدرك وصدور المؤمنين الذين أوذوا معك في سبيل نشر دعوة الحق.
فكما وقفوا في وجه دعوة الله سيقفون يوم القيامة موقفَ الذلة والمهانة، وتأمل: مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ [سبأ: ٣١] وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ [الأنعام: ٢٧] وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ [الأنعام: ٣٠] يعني: ينتظرون أنْ يُؤذَن لهم ليرَوْا ماذا سيقول شفعاؤهم الذين عبدوهم من دون الله، لكن يُفاجأون بأن شفعاءهم وكبراءهم يسبقونهم إلى النار، ويتقدمونهم إلى العذاب كما تقدَّموهم في الضلال.
لذلك يقول سبحانه: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً [مريم: ٦٩] وقال عن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ [هود: ٩٨].
وهكذا يُيئِّسهم الله من النجاة؛ لأنهم كانوا ينتظرون هؤلاء الشفعاء وهؤلاء الرؤساء ليدافعوا عنهم، فإذا بهم يتقدمونهم إلى العذاب.
وهذه الوقفات التي ذكرناها للكفار يوم القيامة، كل وَقْفة منها لها ذلة، وكل وَقْفة لها فزعة، وكل وقفة عذابٌ في حدِّ ذاتها، وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: لو رأيت وقفاتهم وفزعهم لَشَفى غليلك، ولعلمتَ أننا استطعنا أنْ نجازيهم بما يستحقون.
وسبق أنْ مثَّلْنا لهذا الموقف بواحد (فتوة) أو (فاقد) يُذِل أهل بلده ويُخيفهم، فالكل يخافه ويجامله ويتقي شرَّه، وفي إحدى المرات قبضتْ عليه الشرطة وساقوه في السلاسل، فترى أهل البلدة فرحين يتغامزون به، ونسمع فعلاً في مثل هذا الموقف مَنْ يقول (لو شفتْ اللي حصل لفلان)، والمعنى: رأيتَ أمراً عجيباً لا يُتخيَّل في الذهن.
ومعنى: وَأُخِذُواْ [سبأ: ٥١] أُهْلِكوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ [سبأ: ٥١] هو موقف القيامة ومكان الحساب، يعني: لم يترك لهم الحق سبحانه بحبوحة، إنما أخذهم من الحساب إلى النار.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ... .
آية رقم ٥٢
سبحان الله، فبعد أنْ فعلوا برسول الله وأتباعه ما فعلوا، وبعد أنْ فَزِعوا وحاق بهم العذاب يعلنون الإيمان ويقولون آمَنَّا بِهِ [سبأ: ٥٢] وما أشبه هذا بإيمان فرعون لما أدركه الغرق قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠] فردَّ الله عليه آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١] يعني: هذا وقت لا ينفع فيه إيمان.
وهنا يردُّ الحق عليهم إيمانهم، فيقول: وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ [سبأ: ٥٢] أي: تناول الإيمان مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [سبأ: ٥٢] كلمة (أنّى) يعني: كيف لهم الإيمان الآن، وهم في موقف الموت أو البعث، فقد كان الإيمان قريباً منهم في الدنيا، أما الآن أبعد ما يكون عنهم.
لذلك استخدم السياق أداة الاستفهام (أنّى) ولها معنيان: بمعنى كيف الدالة على التعجُّب يعني: هذا أمر غريب وعجيب منهم، وتأتي (أنّى) بمعنى من أين كما جاء في قول سيدنا زكريا للسيدة مريم: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا [آل عمران: ٣٧].
يعني: من أين لك هذا الرزق؟ لذلك ينبغي لولي الأمر أن يتعلَّم من هذه الآية إذا رأى عند أهله شيئاً لم يأتِ لهم به أن يسألهم من أين جاءوا به، وكيف وصل إلى بيته، وهذا احتياط واجب؛ لأن هذا الشيء قد يكون تسللاً أو استمالة إلى معصية.
وترد السيدة مريم على هذا السؤال قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ [آل عمران: ٣٧] ثم تذكر حيثية ذلك إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٧] يعني: إياك أنْ تحسب المسائل بقدرتك، فتقول: من أين أتتك فاكهة الصيف في الشتاء، أو فاكهة الشتاء في الصيف؟ لأن هذا عطاء الله وقدرته.
وكأن هذا القول من السيدة مريم قد نبّه سيدنا زكريا إلى قضية غفل عنها، فهزَّتْه هذه الكلمة إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٧].
عندها قال في نفسه إذن: لماذا لا أدعو الله أنْ يرزقني الولد بعد أن بلغْتُ من الكِبَر عتيّاً وامرأتي عاقر، فعطاء الله لا يخضع للأسباب هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ [آل عمران: ٣٨].
وهكذا استفاد سيدنا زكريا من هذه القضية العقدية التي نبهته لها السيدة مريم، وفعلاً استجاب الله له وأعطاه ولداً، بل أكَّد ذلك بأنْ سَمَّاه له فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ [آل عمران: ٣٩].
وهذا تسجيل للبُشْرى وتأكيد لها، ومن ذلك ما رُوي عن سيدنا أبي بكر، فقبل أنْ يموت أوصى السيدة عائشة بخصوص الميراث من بعده، فقال لها: إنما هما أُختاك وأخَواك. في وقت لم يكُنْ لها إلا أخوان هما: عبد الرحمن ومحمد، وأخت واحدة هي السيدة أسماء، لكن بعد موت الصِّدِّيق ولدتْ زوجته بنت خارجة بنتاً فصدقتْ وصية الصِّديق، وهو - رضي الله عنه - لم يكُنْ علم الغيب، إنما عُلِّم، وأنطقه الله بذلك، لأنه لا يعلم ما في الأرحام إلا الله، فلا احد يعلم ما في الأرحام بذاته، إنما يُعلَّم من الله.
وقد ورد عن سيدنا رسول الله أنه قال لأهل المدينة: فبيَّن صلى الله عليه وسلم أنه سيموت في المدينة، والله تعالى يقول: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: ٣٤].
فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ يعلم غيباً، إنما عُلِّم الغيب من علاَّم الغيوب سبحانه؛ لذلك لا نقول فلان عالم غيب، إنما مُعلَّم غيب.
لذلك كثيراً ما نرى بعض أهل الصلاح أو الذين كشف الله عنهم الحجاب يرى السيدة الحامل فيقول لها سَمِّ هذا الولد محمداً، وفعلاً تلد ولداً، وتسميه محمداً، هذا تسجيل للبُشْرى وإلهام من الله وتعليم لمن اختارهم الله لهذا العلم.
والناس حين يُسمون يختارون الاسم الذي يُتفَاءل به، فيقولون: سعيد، ذكي.. إلخ تفاؤلاً أن يكون الولد بالفعل سعيداً أو ذكياً، لكن أتملك أن يكون الاسم على مُسمَّاه؟ لا لا أحد يملك أنْ يكون ولده كما يريد، لكن إذا كان المسمِّى هو الله سبحانه فهو وحده القادر على تحقيق المسمَّى.
لذلك لما وهب لسيدنا زكريا الولد وسماه (يحيى) لم يفطن الناس إلى هذه التسمية، وأنها من الله تعني أن هذا الولد سيحيا ولا يموت، فالله سماه يحيى ليحيا، وفي هذه التسمية إشارة إلى أنه سيموت شهيداً، فتتصل حياة الدنيا بحياة الشهادة، ولو فطن قَاتِلوه إلى هذا المعنى ما قتلوه.
لذلك لما ذهبنا لزيارة قبر سيدنا حمزة قلنا هناك:
أَحَمْزةَ عَمّ المصْطَفى أنتَ سَيِّدٌ  على شُهَداء الأرْضِ أجمعِهمْ طُرّا
وحَسْبُكَ من تِلْكَ الشهادةِ عِصْمةٌ من الموْتِ في وَصْل الحيَاتَيْن بالأُخرى

وهذه القضية العقدية التي استفاد منها سيدنا زكريا فطلب من الله الولد، استفادت منها السيدة مريم بعد ذلك حين حملت بلا ذكورة، فتذكرت إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٧] فاطمأن قلبها.
فكلمة (أنَّى) في قوله تعالى: وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [سبأ: ٥٢] هى بمعنى كيف، ومثلها قول السيدة مريم لما بُشّرت بعيسى: أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [مريم: ٢٠].
ومثل قوله تعالى: أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة: ٢٥٩] فالسؤال هنا عن كيفية الإحياء، وهي مسألة لا تُقال إنما تُشَاهد، ألم نقرأ قول سيدنا إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
وللمستشرقين اعتراض على هذه الآية. يقولون: كيف يخاطب الله أبا الأنبياء إبراهيم ويقول له: أَوَلَمْ تُؤْمِن [البقرة: ٢٦٠] ويقول هو بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]، وهل الإيمان إلا اطمئنان قلب إلى عقيدة ما؟
ونقول: الإيمان خلاف الاطمئنان هنا، فالإيمان بأن الله يحيى الموتى موجود عند إبراهيم، فهو لم يسأل: أيوجد إحياء للموتى من الله أم لا يوجد؛ لأنه يؤمن بقدرة الله على إحياء الموتى، إنما يسأل عن كيفية ذلك، فالاطمئنان المقصود على الكيفية، بدليل أن الله تعالى أظهر له آية عملية وتجربة حسِّية في مسألة ذبح الطير؛ لأن الكيفية كما قلنا لا تُقَال إخباراً إنما تُشَاهد.
فالحق سبحانه ينكر على الكفار تناولهم للإيمان في هذا الوقت وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [سبأ: ٥٢] التناوش تناول الشيء بيُسْر، وهم يريدون تناول الإيمان في آخر لحظة، وبعد فوات أوانه وضياع فرصته، يريدون إيماناً بلا تكاليف، وأنَّى لهم ذلك، وهم أبْعد ما يكونون عن الإيمان، لأن محل الإيمان في الدنيا، فهذا القول منهم أشبه بقول أصحابهم الذين قالوا: رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ [فاطر: ٣٧].

ثم يقول الحق سبحانه:

وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ... .
يعني: عرض عليهم الإيمان وهم في بحبوحة الدنيا وسعتها، فكفروا به، والدنيا هي محلُّ الإيمان ومحلُّ التكاليف والأوامر والنواهي، فلما وقفوا موقف الموت أو البعث تمنَّوا الإيمان وقالوا آمنا وهم في هذا يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ يعني: يتكلمون بالظن فيما لا عِلْم لهم به، يريدون أنْ يصلوا إلى غرضهم، وهو أنْ ينجوا من العذاب، لكن يأتي هذا القذف بالظن أيضاً من مكان بعيد، يعني في غير محله، وفي غير وقته، والقرآن هنا أثبت لهم قَذْفاً، كما أثبت للحق سبحانه قَذْفاً
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ [سبأ: ٤٨]، لكن شتَّان بين الاثنين.
قذف هؤلاء من مكان بعيد، والقَذْف من بعيد قَذْف لا يصيب الهدف، وهم في قَذْفهم لا يعلمون الغيب، ولا يعلمون المؤثرات التي تؤثر على المقذوف، أما الحق سبحانه فيقذف وهو سبحانه علاَّم الغيوب الذي لا يغيب عن علمه شيء.
نقول: حُلْتُ بين الخصمين يعني: فصلْتُ بينهما، وجعلتُ بينهما حائلاً ومانعاً من الاشتباك حتى لا يبلغ كل منهم أشُدَّه في المعركة، أو ينال مراده من خَصْمه، فالحق -سبحانه وتعالى- جعل حائلاً ومانعاً بين هؤلاء وبين ما يشتهون.
والاشتهاء طلب شهوة النفس من غير ارتباط بمنهج، لكن ما الذي كان يشتهيه الكفار؟ كانوا يشتهون أنْ يطمسوا دعوة الحق، فلم يُمكِّنهم الله من طمسها، كما قال سبحانه:
يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَٰفِرُونَ [التوبة: ٣٢].

وقال سبحانه:

هُوَ الَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩].
وهم يشتهون انطماس الدعوة؛ لتبقى لهم سيادتهم التي نهبوها على حساب الضعفاء، ولتظل لهم المكانة والتصرُّف، كذلك يَشْتهون انطماس الدعوة حتى لا تقف مناهج الله عقبة أمام شهوات نفوسهم...
فقوله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤] دلَّ على أن المسألة بالنسبة لهم كانت شهوةَ نفس، لا مدخلَ للشيطان فيها، لماذا؟ لأنهم كفروا بالله وفرغ الشيطان منهم، وإلا ماذا يريد منهم بعد ذلك، فلم تَبْقَ إلا شهوات النفس فاشتهوا أنْ يطمسوا الدعوة، وأنْ يذلوا مَنْ آمن ويجعلوه عبرةً لمن يفكر في الإيمان، لكن حال الله بينهم وبين ما أحبوا، وسارت الدعوة على خلاف ما اشتهوا، فمن ذُلَّ وضُرب وأُهين من المؤمنين ثبت على إيمانه، ومَنْ كان يفكر في الإيمان لم يَرْهَبَهُم، ولم يخف مما فعلوه بإخوانه المؤمنين.
فإنْ قلت: كيف أسلم اللهُ المؤمنين الأوائل لأنْ يعذبهم الكفار، وأنْ يُهينوهم ويُخرجوهم من أرضهم؟ نقول: كان هذا لحكمة عالية أرادها الحق سبحانه، وهي أنْ يُمحِّص إيمان المؤمنين، بحيث لا يثبت على إيمانه إلا قوى العزيمة الذي يصبر على تحمل الشدائد، فهؤلاء هم الذين سيحملون منهج السماء ودعوة الحق إلى العالم أجمع، فلا بد أن يكونوا صفوة تختار دين الله وتضحي في سبيله بكل غالٍ ونفيس.
لذلك أراد سبحانه أنْ تتزلزل هذه الدعوة في بدايتها عدة مرات، وأن ترى بعض الفتن التي تُغربل الناس، وتُخرِج المؤمنين في جانب، والمنافقين في الجانب الآخر...
وقوله سبحانه: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ يعني هذه القضية ليست خاصة بكفار مكة، إنما هي سنة مُتبعة في الأمم السابقة، ومعنى بِأَشْيَاعِهِم بأمثالهم من الكفار في الأُمم السابقة.
والأشياع: جمع شيعة، وهم الجماعة المجتمعة على رأي ينتفعون به، ويدافعون عنه، سواء أكان حقاً أم كان باطلاً، فقوله تعالى هنا: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ دلَّ على أنهم كانوا على باطل...
والمعنى: أنهم أُخِذوا كما أُخِذ أمثالهم من الكافرين مع الفارق بين الحالتين، فقبل رسول الله كانت السماء تتدخل مباشرة لتدافع عن دين الله وعن نبي الله؛ لذلك حدثتْ فيهم الزلازل والخسْف والصيحة والمسخ.. إلخ.
فالأمم السابقة لم تكُنْ مأمونة على أنْ تدفع عن دين الله بسيفها، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد استأمنها الله على هذه المهمة، فحملتْ السيف ودافعتْ عن دينها؛ لذلك أكرم الله هذه الأمة، فلم يحدث فها خَسْف، ولا مَسْخ ولا إغراق. مما حدث لسابقيهم.
لذلك لما يئس نوح عليه السلام من هداية قومه دعا عليهم:
رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧].
أما سيدنا رسول الله فجاءه الملَك يعرض عليه الانتقام من كفار قومه، فيقول: لا، لعل الله يُخرِج من أصلابهم مَنْ يقول لا إله إلا الله. وفعلاً آمن منهم كثيرون أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، كما كانوا ألدَّ أعداء الإسلام صاروا قادته الفاتحين.
وقد تألم المسلمون كثيراً؛ لأن هؤلاء نجوْا من القتل، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدخرهم للإسلام، فصار خالد سيف الله المسلول، وعمرو أعظم القادة الفاتحين، ويكفي شهادة لعكرمة أنه ابن أبي جهل، وأنه لما ضُرِب ضربة قوية في موقعة اليرموك احتضنه خالد وهو يعاني سكرات الموت، فقال: يا خالد، أهذه ميتة تُرضي عني الله ورسوله؟...
ثم تُختم السورة بقوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ [سبأ: ٥٤] كانوا في شك من أمر رسول الله، ونُصْرته عليهم، وعدم تخلِّي ربه عنه، مع أنهم كانوا على اتصال بأهل الكتاب، وأهل الكتاب يقرأون كتبهم على هؤلاء الكفار ويستفتحون بها عليهم، وقد علموا منها أن عاقبة الصراع بين الرسل وأقوامهم على مَرِّ موكب الرسالة كانت للرسل؛ لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولاً ثم يُسلمه أو يتخلى عنه.
وهذه قضية ذُكِرت في الكتب السابقة كما ذُكِرت في القرآن في أكثر من موضع، وإن كانت الكتب السابقة قد ضاعت أو حُرِّفت فالقرآن هو كتاب الله الباقي الذى تكفَّل الله بحفظه، فهو يُتلَى كما أُنْزِل إلى يوم القيامة، وفيه يقول الله تعالى:
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [غافر: ٥١].

وقال سبحانه:

وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٢].
لذلك سبق أنْ قلنا: إنْ هُزِم الإسلام في معركة مع غيره فاعلم أن شرط الجندية الإيمانية قد اختلَّ، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية الإيمانية قد اختلَّ، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية فيهم ما قامتْ للإسلام قائمة بعدها، وهذا الدرس تعلمناه في أُحُد، لما خالف الرماة أمر رسول الله ونزلوا من على الجبل يريدون الغنائم، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذَّرهم من هذا، وقال لهم: لا تتركوا أماكنكم مهما حدث، فلما تركوا أماكنهم التفَّ عليهم الكفار، وكادوا يهزمونهم.
وإنْ كان التحقيق أن الكفار لم ينتصروا في أُحُد؛ لأن المعركة (ماعت)، ولو انتصر المسلمون مع هذه المخالفة لهَانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولقالوا: لقد خالفنا أمره في أُحد وانتصرنا، إذن: نقول: الذي هُزِم في أُحد هو مَنِ انخذل عن جندية الإيمان، أمَّا الإسلام في حدِّ ذاته فقد انتصر.
إذن: كانوا في شكٍّ من الغاية التي ينتهي إليها رسول الله، والشك هنا في رسول الله لأن لديهم قضية عقدية هي الإيمان بوجود الله، وأنه سبحانه الخالق لكل شيء، بدليل قوله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧].
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

54 مقطع من التفسير