تفسير سورة الشمس

زاد المسير
تفسير سورة سورة الشمس من كتاب زاد المسير في علم التفسير المعروف بـزاد المسير .
لمؤلفه ابن الجوزي . المتوفي سنة 597 هـ
سورة الشمس وهي مكية كلها بإجماعهم

سورة الشمس
وهي مكّيّة كلّها بإجماعهم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الشمس (٩١) : الآيات ١ الى ١٠]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤)
وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩)
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠)
قوله عزّ وجلّ: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) في المراد «بضحاها» ثلاثة أقوال:
أحدها: ضوؤها، قاله مجاهد، والزجاج. والضحى: حين يصفو ضَوْءُ الشمس بعد طلوعها.
والثاني: النهار كلُّه، قاله قتادة، وابن قتيبة. والثالث: حَرُّها، قاله السّدّيّ، ومقاتل قوله: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها فيه قولان:
أحدهما: إذا تَبِعهَا، قاله ابن عباس في آخرين. ثم في وقت اتّباعه لها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه في أول ليلة من الشهر يرى القمر إذا سقطت الشمس، قاله قتادة. والثاني: أنه في الخامس عشر يطلع القمر مع غروب الشمس، حكاه الماوردي. والثالث: أنه في النّصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخَلَفها في النور، حكاه علي بن أحمد النيسابوري.
والقول الثاني: إذا ساواها، قاله مجاهد. وقال غيره: إذا استدار، فتلا الشمس في الضياء والنور، وذلك في الليالي البيض.
قوله عزّ وجلّ: وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها في المكنى عنها قولان: أحدهما: أنها الشمس، قاله مجاهد، فيكون المعنى: والنهار، إذا بَيَّن الشمس، لأنها تتبيَّن إذا انبسط النهار. والثاني: أنها الظّلمة فتكون كناية عن غير مذكور، لأن المعنى معروف، كما تقول: أصبحت باردة، وهبت شمالاً، وهذا قول الفرّاء، واللغويين قوله: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها أي: يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق. وَالسَّماءِ وَما بَناها في «ما» قولان: أحدهما: بمعنى «مَن» تقديره «ومن بناها»، قاله الحسن، ومجاهد، وأبو عبيدة. وبعضهم يجعلها بمعنى الذي. والثاني: أنها بمعنى المصدر، تقديره: وبناها، وهذا مذهب قتادة، والزجاج.
وكذلك القول في «وما طحاها» «وما سَّواها» وقد قرأ أبو عمران الجوني في آخرين «ومن بناها» ومن طحاها» «ومن سوَّاها» كله بالنون. قال أبو عبيدة: ومعنى «طحاها» بسطها يميناً وشمالاً، ومن كلّ
جانب، قال ابن قتيبة: يقال: خَيْرٌ طَاحٍ، أي: كثير متّسع.
وفي المراد «بالنّفس» هاهنا قولان: أحدهما: آدم، قاله الحسن. والثاني: جميع النفوس، قاله عطاء. وقد ذكرنا معنى «سوَّاها» في قوله عزّ وجلّ: فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. قوله: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها الإلهام: إيقاع الشيء في النفس. قال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها، وقال ابن زيد: جعل ذلك فيها بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور.
قوله عزّ وجلّ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها قال الزجاج: هذا جواب القسم. والمعنى: لقد أفلح، ولكن اللام حذفت لأن الكلام طال، فصار طوله عوضاً منها. وقال ابن الأنباري: جوابه محذوف. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: قد أفلحت نفس زكاها الله عزّ وجلّ، قاله ابن عباس، ومقاتل والفراء، والزجاج. والثاني: قد أفلح من زكّى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال، قاله قتادة، وابن قتيبة. ومعنى زَكَّاها: أصلحها وطهّرها من الذنوب. قوله: وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فيه قولان: كالذي قبله.
فإن قلنا: إن الفعل لله، فمعنى «دساها» : خذلها، وأخملها، وأخفى محلها بالكفر والمعصية، ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح.
وإن قلنا: الفعل للإنسان، فمعنى «دساها» : أخفاها بالفجور. قال الفراء: ويروى أن «دَسَّاها» دَسَّسَهَا لأن البخيل يخفي منزله وماله. وقال ابن قتيبة: والمعنى: دسى نفسه، أي: أخفاها بالفجور والمعصية. والأصل من دَسَّسَتُ، فقلبت السين ياءً، كما قالوا: قصَّيت أظفاري، أي: قصصتها. فكأن النَّطِفَ بارتكاب الفواحش دس نفسه، وقمعها، ومُصْطَنِعُ المعروف شهر نفسه ورفعها، وكانت أجواد العرب تنزل الرُّبا للشهرة. واللئام تنزل الأطراف لتخفي أماكنها. وقال الزّجّاج: معنى «دسّاها» جعلها قليلة خسيسة.
[سورة الشمس (٩١) : الآيات ١١ الى ١٥]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)
قوله عزّ وجلّ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أي: كذبت رسولها بطغيانها. والمعنى: أن الطغيان حملهم على التكذيب. قال الفراء: أراد بطغواها: طغيانها، وهما مصدران، إلا أنّ الطّغوى أشكل برءوس الآيات، فاختير لذلك. وقيل: كذبوا العذاب إِذِ انْبَعَثَ أي: انْتَدَبَ أَشْقاها وهو: عاقر الناقة يعقرها فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وهو صالح ناقَةَ اللَّهِ قال الفراء: نصب الناقة على التحذير، وكلّ تحذير فهو نصب. وقال ابن قتيبة: احذروا ناقة الله وشربها. وقال الزجاج: المعنى: ذروا «ناقة الله» وذروا «سقياها» قال المفسرون: سقياها: شربها من الماء. والمعنى: لا تتعرَّضوا ليوم شربها فَكَذَّبُوهُ في تحذيره إياهم العذاب بعقرها فَعَقَرُوها وقد بيَّنا معنى «العقر» في الأعراف «١» فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ قال الزجاج: أي: أطبق عليهم العذاب. يقال: دمدمت على الشيء: إذا أطبقت فكرَّرت الإطباق. وقال المؤرّج: الدّمدمة: إهلاك باستئصال.
(١) الأعراف: ٧٧.
451
وفي قوله عزّ وجلّ: فَسَوَّاها قولان: أحدهما: سوَّى بينهم في الإهلاك، قاله السدي، ويحيى بن سلام. وقيل: سوَّى الدمدمة عليهم. والمعنى: أنه أهلك صغيرهم، وكبيرهم. والثاني:
سوَّى الأرض عليهم. قال مقاتل: سوَّى بيوتهم على قبورهم. وكانوا قد حفروا قبوراً فاضطجعوا فيها، فلما صِيْحَ بهم فهلكوا زُلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم.
قوله عزّ وجلّ: وَلا يَخافُ عُقْباها قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر «فلا» بالفاء، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام. وقرأ الباقون بالواو، وكذلك هي في مصاحف مكة، والكوفة، والبصرة.
وفي المشار إِليه ثلاثة أقوال «١» : أحدها: أنه الله عزّ وجلّ، فالمعنى: لا يخاف الله من أحد تَبِعَةً في إهلاكهم، ولا يخشى عقبى ما صنع، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: أنه الذي عقرها، فالمعنى: أنه لم يخف عقبَى ما صنع، وهذا مذهب الضحاك والسدي، وابن السائب. فعلى هذا في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: إذ انبعث أشقاها وهو لا يخاف عقباها. والثالث: أنه نبي الله صالح لم يخف عقباها، حكاه الزّجّاج.
(١) قال ابن كثير رحمه الله في «تفسيره» ٤/ ٦١٥: قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة، وهذا القول أولى لدلالة السياق عليه، والله أعلم.
452
Icon