تفسير سورة سورة سبأ
الشعراوي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
ﰡ
آية رقم ١
الْحَمْدُ للَّهِ.. [سبأ: ١] جملة قائلُها الحق سبحانه، فهل قالها لنفسه أم قالها ليُعلِّمنا نحن أنْ نقولها؟ قالها ليُعلِّمنا. والحمد أنْ تأتي بثناء على مستحق الثناء بالصفات الجميلة. ومقابله: الذم، وهو أنْ تأتي لمستحقِّ الذم بالصفات القبيحة، وتنسبها إليه.
وأنت قد تحمد شيئاً لا علاقةَ لك به، لمجرد أنه أعجبك ما فيه من صفات، فاستحق في نظرك أنْ يُحمد، كأن تحمد الصانع على صَنْعة أتقنها مثلاً، وإنْ لم تكُنْ لك علاقة بها.
إذن: فالحمد مرة يكون لأن المحمود فيه صفات تستحق الحمد، وإنْ لم تَصِلْ إليك، فكيف إذا كانت صفات التحميد والتمجيد والتعظيم أثرها واصلَ إليك؟ لا شكَّ أن الحمد هنا أوجب.
لذلك نقول: كل حمد ولو توجَّه لبشر عائد في الحقيقة إلى الله تعالى؛ لأنك حين تحمد إنساناً إنما تحمده على صفة وهبها الله له، فالحمد على إطلاقه ولو لمخلوق حَمْدٌ لله.
وكلمة الْحَمْدُ للَّهِ.. [سبأ: ١] وردت في القرآن ثمان وثلاثون مرة، وخُصَّتْ منها في فواتح السور خمس مرات: في الفاتحة: والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر.
والحق سبحانه بدأ بالحمد؛ لأنه بدأ خَلْقه من عدم فله علينا نعمة الخَلْق من عدم، ثم أمدَّنا بمقومات الحياة فوفَّر لنا الأقوات التي بها استبقاء الحياة، ثم التناسل الذي به استبقاء النوع، هذا لكيان الإنسان المادي، لكن الإنسان مطلوب منه حركة الحياة، وهو يعيش مع آخرين فلا بدَّ أنْ تتساند حركاتهم لا تتعاند، لا بُدَّ أن تنسجم الحركات وإلا لتفانى الخَلْق.
وهذا التساند لا يتأتَّى إلا بمنهج يُحدِّد الحركات، ويحكم الأهواء، وإلا لجاء واحد يبني، وآخر يهدم. هذا في الدنيا، أما في الحياة الآخرة فسوف يُعِدُّنا لها إعداداً آخر، ويعيدنا إلى خير مما كنا فيه؛ لأننا نعيش في الدنيا بالأسباب المخلوقة لله تعالى، أما في الأخرة فنعيش مع المسبِّب سبحانه مع ذات الحق.
نحن في الدنيا نزرع ونحصد ونطبخ ونخبز ونغزل.. إلخ، هذه أسباب لا بُدَّ من مزاولتها، لكنك في الآخرة تعيش بكُنْ من المسبِّب، في الدنيا تخاف أنْ يفوتك النعيم أو تفوته أنت، أما في الآخرة فنعيمها بَاقٍ لا يزول ولا يحول، في الدنيا تتمتع على قَدْر إمكاناتك، أما في الآخرة فتتمتع على قَدْر إمكانات ربك.
فالحق سبحانه أوجدنا من عدم، وأمدنا من عُدْم، ووضع لنا المنهج الذي يحفظ القيم، ويُنظِّم حركة الحياة قبل أن تُوجد الحياة، فقبل أنْ يخلقك خلق لك كالصانع الذي يُحدِّد مهمة صنعته قبل صناعتها، وهل رأيتم صانعاً صنع شيئاً، ثم قال: انظروا في أيِّ شيء يمكن أن يستخدم؟
لذلك قال تعالى:
الرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ
[الرحمن: ١-٤] فالمنهج المتمثل في القرآن وُضِع أولاً ليحدد لك مهمتك وقانون صيانتك، قبل أن تُوجَد أيها الإنسان.
والمتأمل لآيات الحمد في بدايات السور الخمس يجد أنها تتناول هذه المراحل كلها، ففي أول الأنعام:
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَٰتِ وَالنُّورَ ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١].
تكلَّم الحق سبحانه عن بَدْء الخَلْق، ثم قال:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ.. [الأنعام: ٢] وهذا هو الإيجاد الأول.
ثم في أول الكهف يذكر مسألة وَضْع المنهج والقيم:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا [الكهف: ١].
هذا هو القانون الذي يحكم الأهواء، ويُنظِّم حركة الحياة لتتساند ولا تتعاند.
وفي أول سورة سبأ التي نحن بصددها يذكر الحمد في الآخرة: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ.. [سبأ: ١] وحين تنظر إلى الحمد في الآخرة تجده حَمْداً مركباً مضاعفاً؛ لأنك في الدنيا تحمد الله على خَلْق الأشياء التي تتفاعل بها لتعيش بالأسباب، لكن في الآخرة لا توجد أسباب، إنما المسبِّب هو الله سبحانه، فالحمد في الآخرة أكبر حَمْداً يناسب عَيْشَك مع ذات ربك سبحانه.
وفي أول فاطر:
الْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ.. [فاطر: ١].
نحمد الله على القيم، وعلى المنهج الذي وضعه لنا الحق سبحانه بواسطة الملائكة، والملائكة هم رسل الله إلى الخَلْق، ومنهم الحفظة، ومنهم المدبِّرات أمراً التي تدبر شئون الخَلْق، ومنهم مَنْ أسجدهم الله لك.
ثم جاءت أم الكتاب، فجمعت هذا كله في:
الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] والربّ هو الخالق الممدّ
الرَّحْمـٰنِ الرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٣-٤] أي: في الآخرة، ثم ذكرت وجوب السير على المنهج
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ [الفاتحة: ٥-٧].
ولأنها جمعتْ البداية والنهاية، والدنيا والآخرة سُمِّيت فاتحةَ الكتاب، وسُمِّيت المثاني، وسُمِّيت أم القرآن.
فقوله تعالى: الْحَمْدُ للَّهِ.. [سبأ: ١] علَّمنا الله تعالى أن نقولها؛ لأن الناس مختلفون في المواهب، وفي الملَكات، وفي حُسْن الأداء، وفي صياغة الثناء، فلا يستوي في الحمد والثناء الأديب والأُميُّ الذي لا يجيد الكلام؛ لذلك قال الله لنا: أريحوا أنفسكم من هذه المسألة، وسوف أُعلمكم صيغة يستوي فيها الأديب الفيلسوف مع راعي الشاة، وسوف تكون هذه الصيغة هي أحبّ صِيغ الحمد إليَّ، هذه الصيغة هي الْحَمْدُ للَّهِ.. [سبأ: ١].
لذلك جاء في الحديث قول سيدنا رسول الله في حمد ربه، والثناء عليه:"سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" فحين أقول خطبة طويلة في حمد الله والثناء عليه، وتقول أنت: الحمد لله لا أقول لك قصَّرت في حمد ربك، وكأن هذه الصيغة وتعليمها لنا نعمة أخرى تستحق الحمد؛ لأنها سوَّتْ الجميع، ولم تجعل لأحد فضلاً على أحد في مقام حمد الله والثناء عليه.
وحين تحمد الله على أن علَّمك هذه الصيغة، بماذا تحمده؟ تحمده بأن تقول الحمد لله. إذن: هي سلسلة متوالية من الحمد لا تنتهي، الحمد لله على الحمد لله، ومعنى ذلك أنْ تظل دائماً حامداً لله، وأنْ يظلَّ الله تعالى دائماً وأبداً محموداً.
كما قُلْنا: إن اختلاف المواقيت في الأرض واختلاف المشارق والمغارب إنما جُعِلَتْ لتستمر عبادة الله لا تنقطع أبداً في كل جزئيات الزمن، ففي كل لحظة صلاة، وفي كل لحظة الله أكبر، وفي كل لحظة أشهد ألا إله إلا الله، وفي كل لحظة أشهد أن محمداً رسول الله... إلخ لتظل هذه الألفاظ وهذه العبادات دائرة طوال الوقت، فالكون كله يلهج بذكْر الله وعبادة الله في منظومة بديعة، المهم مَنْ يُحسِن استقبالها، المهم صفاء جهاز الاستقبال عندك.
وقوله سبحانه وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ.. [سبأ: ١] بيَّنَّا أن الحمد في الآخرة أكبر وأعظم من الحمد في الدنيا؛ لأنك في الدنيا تعيش بالأسباب، أما في الآخرة فتعيش مع ذات المسبِّب سبحانه، في الدنيا نعيم موقوت، وفي الآخرة نعيم باقٍ، في الدنيا فناء، وفي الآخرة بقاء؛ لذلك قال سبحانه عن الآخرة:
وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: ١٠].
وقال سبحانه حكايةً عن المؤمنين في الآخرة:
وَقَـالُواْ الْحَـمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر: ٧٤].
وقالوا:
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ.. [الأعراف: ٤٣].
فإنْ قُلْت: فما وجه الحمد في أن الله تعالى يملك السماوات والأرض؟ نقول: فَرْق بين أنْ يخدمك في الكون مَا لا تملك، وبين أنْ يخدمك ما تملك، فالعظمة هنا أنك تنتفع هنا بما لا تملك، فالسماوات والأرض مِلْك لله، ومع ذلك هي في خدمتك أنت، وليست العظمة من أنْ يخدمكَ ما تملكه.
لذلك قالوا لأحد الناس: لماذا لا تشتري لك سيارة؟ قال: والله الإخوان كثيرون، وكلهم عندهم سيارات، وكل يوم أركب سيارة واحد منهم، ولا يغرمني هذا شيئاً. إذن: انتفاعك بما يملك الغير أعظمُ من انتفاعك بما تملك أنت، وملْك الله جُعل لصالحنا نحن، وهذه تستحق الحمد، فاللهم لا تحرمنا نعمك.
ملحظ آخر أن الحق سبحانه يريد أن يُطمئِنَ العبادَ، فمُلْك السماوات والأرض لله وحده، ولو كانت لغيره لمنعنا منها، فكأن ربك يقول لك: اطمئن فهذا ملْكي وأنا ربك ولن أتخلى عنك أبداً، وليس لي شريك ينازعني، فيمنع عنك خيراتي، فأنا المتفرِّد بالملْك والسلطان.
لذلك، فالحق سبحانه حين يقول للشيء:
كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٤٧] ما قال (كُنْ) إلا لأنه سبحانه يعلم أنه لا يستطيع ألاَّ يكون، والدليل قوله تعالى عن الأرض
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] أي: أصغتْ السمع، وحَقَّ لها ذلك، فما قال سبحانه لشيء كُنْ إلا وهو واثق أنه لا يخرج عن أمره.
لذلك سبق أن قُلْنا: إن الحق سبحانه حين طلب منا أنْ نشهد أنه لا إله إلا هو شهد بها لنفسه أولاً، فقال:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨] وهذه شهادة الذات للذات، ولذلك تصرَّف سبحانه في الملك تصرُّف مَنْ لا شريكَ له، فلم يقُل شيئاً أو يحكم حكماً، ثم خاف أن ينقضه أحد أو يعدله.
ثم شهدتْ بذلك الملائكة، ثم شهد بذلك أولو العلم من عباده
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ.. [آل عمران: ١٨].
فشهادة الله شهادة الذات للذات، وشهادة الملائكة شهادة المشهد، وشهادة أُولي العلم شهادة العلم والدليل.
ونلحظ أيضاً أن الحق سبحانه قال: الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.. [سبأ: ١] فكرَّر الاسم الموصول (ما) ولم يقُلْ له ما في السماوات والأرض، كما جاء في قوله سبحانه في التسبيح: مرة:
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.. [الجمعة: ١].
ومرة:
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الحشر: ٢٤].
وفَرْق بين التعبيرين؛ لأن هناك خَلْقاً مشتركاً بين السماء والأرض، وهناك خَلْق خاص بالسماء، وخَلْق آخر خاص بالأرض، فإنْ أراد الكل قال:
مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الحشر: ٢٤]، وإنْ أراد الاختلاف كلاً في جهته، قال مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.. [سبأ: ١].
والسماوات والأرض ظرف لما فيهما من خيرات، والذي يملك الظرف والمكان يملك المظروف فيه، فالحيز هنا مشغول.
ثم يقول سبحانه تذييلاً لهذه الآية وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سبأ: ١] الحكيم: هو الذي يضع الشيء في مكانه وموضعه المناسب، ولا يتأتّى هذا إلا لخبير يعلم الشيء، ويعلم موضعه الذي يناسبه؛ لذلك قال سبحانه وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سبأ: ١] الذي لديه خِبْرة بدقائق الأشياء وبواطنها.
ثم أراد سبحانه أنْ يعطينا نموذجاً لهذه الحكمة ولهذه الخبرة، فقال سبحانه:
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا....
وأنت قد تحمد شيئاً لا علاقةَ لك به، لمجرد أنه أعجبك ما فيه من صفات، فاستحق في نظرك أنْ يُحمد، كأن تحمد الصانع على صَنْعة أتقنها مثلاً، وإنْ لم تكُنْ لك علاقة بها.
إذن: فالحمد مرة يكون لأن المحمود فيه صفات تستحق الحمد، وإنْ لم تَصِلْ إليك، فكيف إذا كانت صفات التحميد والتمجيد والتعظيم أثرها واصلَ إليك؟ لا شكَّ أن الحمد هنا أوجب.
لذلك نقول: كل حمد ولو توجَّه لبشر عائد في الحقيقة إلى الله تعالى؛ لأنك حين تحمد إنساناً إنما تحمده على صفة وهبها الله له، فالحمد على إطلاقه ولو لمخلوق حَمْدٌ لله.
وكلمة الْحَمْدُ للَّهِ.. [سبأ: ١] وردت في القرآن ثمان وثلاثون مرة، وخُصَّتْ منها في فواتح السور خمس مرات: في الفاتحة: والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر.
والحق سبحانه بدأ بالحمد؛ لأنه بدأ خَلْقه من عدم فله علينا نعمة الخَلْق من عدم، ثم أمدَّنا بمقومات الحياة فوفَّر لنا الأقوات التي بها استبقاء الحياة، ثم التناسل الذي به استبقاء النوع، هذا لكيان الإنسان المادي، لكن الإنسان مطلوب منه حركة الحياة، وهو يعيش مع آخرين فلا بدَّ أنْ تتساند حركاتهم لا تتعاند، لا بُدَّ أن تنسجم الحركات وإلا لتفانى الخَلْق.
وهذا التساند لا يتأتَّى إلا بمنهج يُحدِّد الحركات، ويحكم الأهواء، وإلا لجاء واحد يبني، وآخر يهدم. هذا في الدنيا، أما في الحياة الآخرة فسوف يُعِدُّنا لها إعداداً آخر، ويعيدنا إلى خير مما كنا فيه؛ لأننا نعيش في الدنيا بالأسباب المخلوقة لله تعالى، أما في الأخرة فنعيش مع المسبِّب سبحانه مع ذات الحق.
نحن في الدنيا نزرع ونحصد ونطبخ ونخبز ونغزل.. إلخ، هذه أسباب لا بُدَّ من مزاولتها، لكنك في الآخرة تعيش بكُنْ من المسبِّب، في الدنيا تخاف أنْ يفوتك النعيم أو تفوته أنت، أما في الآخرة فنعيمها بَاقٍ لا يزول ولا يحول، في الدنيا تتمتع على قَدْر إمكاناتك، أما في الآخرة فتتمتع على قَدْر إمكانات ربك.
فالحق سبحانه أوجدنا من عدم، وأمدنا من عُدْم، ووضع لنا المنهج الذي يحفظ القيم، ويُنظِّم حركة الحياة قبل أن تُوجد الحياة، فقبل أنْ يخلقك خلق لك كالصانع الذي يُحدِّد مهمة صنعته قبل صناعتها، وهل رأيتم صانعاً صنع شيئاً، ثم قال: انظروا في أيِّ شيء يمكن أن يستخدم؟
لذلك قال تعالى:
الرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ
[الرحمن: ١-٤] فالمنهج المتمثل في القرآن وُضِع أولاً ليحدد لك مهمتك وقانون صيانتك، قبل أن تُوجَد أيها الإنسان.
والمتأمل لآيات الحمد في بدايات السور الخمس يجد أنها تتناول هذه المراحل كلها، ففي أول الأنعام:
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَٰتِ وَالنُّورَ ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١].
تكلَّم الحق سبحانه عن بَدْء الخَلْق، ثم قال:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ.. [الأنعام: ٢] وهذا هو الإيجاد الأول.
ثم في أول الكهف يذكر مسألة وَضْع المنهج والقيم:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا [الكهف: ١].
هذا هو القانون الذي يحكم الأهواء، ويُنظِّم حركة الحياة لتتساند ولا تتعاند.
وفي أول سورة سبأ التي نحن بصددها يذكر الحمد في الآخرة: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ.. [سبأ: ١] وحين تنظر إلى الحمد في الآخرة تجده حَمْداً مركباً مضاعفاً؛ لأنك في الدنيا تحمد الله على خَلْق الأشياء التي تتفاعل بها لتعيش بالأسباب، لكن في الآخرة لا توجد أسباب، إنما المسبِّب هو الله سبحانه، فالحمد في الآخرة أكبر حَمْداً يناسب عَيْشَك مع ذات ربك سبحانه.
وفي أول فاطر:
الْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ.. [فاطر: ١].
نحمد الله على القيم، وعلى المنهج الذي وضعه لنا الحق سبحانه بواسطة الملائكة، والملائكة هم رسل الله إلى الخَلْق، ومنهم الحفظة، ومنهم المدبِّرات أمراً التي تدبر شئون الخَلْق، ومنهم مَنْ أسجدهم الله لك.
ثم جاءت أم الكتاب، فجمعت هذا كله في:
الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] والربّ هو الخالق الممدّ
الرَّحْمـٰنِ الرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٣-٤] أي: في الآخرة، ثم ذكرت وجوب السير على المنهج
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ [الفاتحة: ٥-٧].
ولأنها جمعتْ البداية والنهاية، والدنيا والآخرة سُمِّيت فاتحةَ الكتاب، وسُمِّيت المثاني، وسُمِّيت أم القرآن.
فقوله تعالى: الْحَمْدُ للَّهِ.. [سبأ: ١] علَّمنا الله تعالى أن نقولها؛ لأن الناس مختلفون في المواهب، وفي الملَكات، وفي حُسْن الأداء، وفي صياغة الثناء، فلا يستوي في الحمد والثناء الأديب والأُميُّ الذي لا يجيد الكلام؛ لذلك قال الله لنا: أريحوا أنفسكم من هذه المسألة، وسوف أُعلمكم صيغة يستوي فيها الأديب الفيلسوف مع راعي الشاة، وسوف تكون هذه الصيغة هي أحبّ صِيغ الحمد إليَّ، هذه الصيغة هي الْحَمْدُ للَّهِ.. [سبأ: ١].
لذلك جاء في الحديث قول سيدنا رسول الله في حمد ربه، والثناء عليه:"سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" فحين أقول خطبة طويلة في حمد الله والثناء عليه، وتقول أنت: الحمد لله لا أقول لك قصَّرت في حمد ربك، وكأن هذه الصيغة وتعليمها لنا نعمة أخرى تستحق الحمد؛ لأنها سوَّتْ الجميع، ولم تجعل لأحد فضلاً على أحد في مقام حمد الله والثناء عليه.
وحين تحمد الله على أن علَّمك هذه الصيغة، بماذا تحمده؟ تحمده بأن تقول الحمد لله. إذن: هي سلسلة متوالية من الحمد لا تنتهي، الحمد لله على الحمد لله، ومعنى ذلك أنْ تظل دائماً حامداً لله، وأنْ يظلَّ الله تعالى دائماً وأبداً محموداً.
كما قُلْنا: إن اختلاف المواقيت في الأرض واختلاف المشارق والمغارب إنما جُعِلَتْ لتستمر عبادة الله لا تنقطع أبداً في كل جزئيات الزمن، ففي كل لحظة صلاة، وفي كل لحظة الله أكبر، وفي كل لحظة أشهد ألا إله إلا الله، وفي كل لحظة أشهد أن محمداً رسول الله... إلخ لتظل هذه الألفاظ وهذه العبادات دائرة طوال الوقت، فالكون كله يلهج بذكْر الله وعبادة الله في منظومة بديعة، المهم مَنْ يُحسِن استقبالها، المهم صفاء جهاز الاستقبال عندك.
وقوله سبحانه وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ.. [سبأ: ١] بيَّنَّا أن الحمد في الآخرة أكبر وأعظم من الحمد في الدنيا؛ لأنك في الدنيا تعيش بالأسباب، أما في الآخرة فتعيش مع ذات المسبِّب سبحانه، في الدنيا نعيم موقوت، وفي الآخرة نعيم باقٍ، في الدنيا فناء، وفي الآخرة بقاء؛ لذلك قال سبحانه عن الآخرة:
وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: ١٠].
وقال سبحانه حكايةً عن المؤمنين في الآخرة:
وَقَـالُواْ الْحَـمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر: ٧٤].
وقالوا:
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ.. [الأعراف: ٤٣].
فإنْ قُلْت: فما وجه الحمد في أن الله تعالى يملك السماوات والأرض؟ نقول: فَرْق بين أنْ يخدمك في الكون مَا لا تملك، وبين أنْ يخدمك ما تملك، فالعظمة هنا أنك تنتفع هنا بما لا تملك، فالسماوات والأرض مِلْك لله، ومع ذلك هي في خدمتك أنت، وليست العظمة من أنْ يخدمكَ ما تملكه.
لذلك قالوا لأحد الناس: لماذا لا تشتري لك سيارة؟ قال: والله الإخوان كثيرون، وكلهم عندهم سيارات، وكل يوم أركب سيارة واحد منهم، ولا يغرمني هذا شيئاً. إذن: انتفاعك بما يملك الغير أعظمُ من انتفاعك بما تملك أنت، وملْك الله جُعل لصالحنا نحن، وهذه تستحق الحمد، فاللهم لا تحرمنا نعمك.
ملحظ آخر أن الحق سبحانه يريد أن يُطمئِنَ العبادَ، فمُلْك السماوات والأرض لله وحده، ولو كانت لغيره لمنعنا منها، فكأن ربك يقول لك: اطمئن فهذا ملْكي وأنا ربك ولن أتخلى عنك أبداً، وليس لي شريك ينازعني، فيمنع عنك خيراتي، فأنا المتفرِّد بالملْك والسلطان.
لذلك، فالحق سبحانه حين يقول للشيء:
كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٤٧] ما قال (كُنْ) إلا لأنه سبحانه يعلم أنه لا يستطيع ألاَّ يكون، والدليل قوله تعالى عن الأرض
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] أي: أصغتْ السمع، وحَقَّ لها ذلك، فما قال سبحانه لشيء كُنْ إلا وهو واثق أنه لا يخرج عن أمره.
لذلك سبق أن قُلْنا: إن الحق سبحانه حين طلب منا أنْ نشهد أنه لا إله إلا هو شهد بها لنفسه أولاً، فقال:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨] وهذه شهادة الذات للذات، ولذلك تصرَّف سبحانه في الملك تصرُّف مَنْ لا شريكَ له، فلم يقُل شيئاً أو يحكم حكماً، ثم خاف أن ينقضه أحد أو يعدله.
ثم شهدتْ بذلك الملائكة، ثم شهد بذلك أولو العلم من عباده
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ.. [آل عمران: ١٨].
فشهادة الله شهادة الذات للذات، وشهادة الملائكة شهادة المشهد، وشهادة أُولي العلم شهادة العلم والدليل.
ونلحظ أيضاً أن الحق سبحانه قال: الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.. [سبأ: ١] فكرَّر الاسم الموصول (ما) ولم يقُلْ له ما في السماوات والأرض، كما جاء في قوله سبحانه في التسبيح: مرة:
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.. [الجمعة: ١].
ومرة:
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الحشر: ٢٤].
وفَرْق بين التعبيرين؛ لأن هناك خَلْقاً مشتركاً بين السماء والأرض، وهناك خَلْق خاص بالسماء، وخَلْق آخر خاص بالأرض، فإنْ أراد الكل قال:
مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الحشر: ٢٤]، وإنْ أراد الاختلاف كلاً في جهته، قال مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.. [سبأ: ١].
والسماوات والأرض ظرف لما فيهما من خيرات، والذي يملك الظرف والمكان يملك المظروف فيه، فالحيز هنا مشغول.
ثم يقول سبحانه تذييلاً لهذه الآية وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سبأ: ١] الحكيم: هو الذي يضع الشيء في مكانه وموضعه المناسب، ولا يتأتّى هذا إلا لخبير يعلم الشيء، ويعلم موضعه الذي يناسبه؛ لذلك قال سبحانه وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سبأ: ١] الذي لديه خِبْرة بدقائق الأشياء وبواطنها.
ثم أراد سبحانه أنْ يعطينا نموذجاً لهذه الحكمة ولهذه الخبرة، فقال سبحانه:
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا....
آية رقم ٣
هنا أيضاً يُحدِّثنا عن الساعة، ففي آخر الأحزاب
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ.. [الأحزاب: ٦٣] وهنا ينكرونها وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ.. [سبأ: ٣] أي: القيامة.
فلماذا ينكرونها؟ نعم ينكرونها؛ لأنهم أسرفوا على أنفسهم، وتمادوا في غيِّهم، ولن تكون القيامة في صالحهم؛ لذلك يهربون منها بالإنكار والتكذيب. حتى إخوان هؤلاء المكذبين مِمَّنْ يحبون أن يستدركوا على كلام الله يقولون: إذا كان الله قد قدَّر كل شيء على العبد، فقدَّر الطاعة، وقدَّر المعصية، فلماذا يعذبه على المعصية؟
والملاحظ، أنه لم يقُلْ أحد منهم في المقابل: ولماذا يثيبه على الطاعة؟ مما يدل على أن هذه الوقفة خاطئة وغير منطقية، وأنهم يخافون العقاب، وصاحب هذه المقولة ما قالها إلا لأنه واثق من كثرة سيئاته، ومن مصلحته أن يُكذِّب بالقيامة وينكرها، كالذي قال: وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
فكثرة سؤالهم عن الساعة وإنكارهم لها يدلُّ على خوفهم منها، بل هم مرعوبون من مجرد تصديقها؛ لأنهم يعلمون جيداً أنهم إن استتروا عن الناس فلن يستتروا من الله، وإنْ عَمُّوا على قضاء الأرض فلن يُعَمُّوا على قضاء السماء، ولن تنفعهم في القيامة حجة ولا لباقة منطق، ولا تزييف للحقائق.
لذلك قال صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ أحدكم أن يكون ألحنَ بحُجَّته فأقضى له، فمَنْ قضيتُ له من حقِّ أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أُقْطِع له قطعةً من النار".
فالقاضي يحكم بالحجة وبالبيان، ويمكن للمتكلم أَن يُضلِّل القاضي، وأنْ يأخذ حقَّ الآخرين ظلماً، كما يفعل بعض المحامين الآن، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فأنت في محكمة قاضيها الحق سبحانه وتعالى.
إذن: هؤلاء ينكرون القيامة؛ لأنها اللغز الذي يحيِّرهم، والحقيقة التي تقضُّ مضاجعهم وتُرعبهم، الحقيقة التي تزلزل جاههم، وتقضي على سيادتهم، وإنْ أَمِنوا في الدنيا لما لهم من جاه وسيطرة، ففي القيامة سيأتون كما قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ.. [الأنعام: ٩٤]...
ثم يرد الحق سبحانه على إنكارهم للساعة، فيقول مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.. يعني: قُلْ بِملء فيك (بلى) وبلى نفي للنفي السابق في قولهم لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ.. وحين ننقض النفي، فإننا نثبت المقابلَ له، فمعنى (بلى) أي: أنها ستأتي.
ثم لا يكتفي الأسلوب بذلك، إنما يؤكد هذه القضية بالقَسَم قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.. فالحق سبحانه يُعلِّم رسوله أنْ يحلف بذاته سبحانه وهو مطمئن أنها ستأتيهم، والحق سبحانه لا يُلقِّن رسوله يميناً كاذباً، والحق سبحانه صادق دون حلف، فما بالك حين يحلف لك؟
وقوله تعالى بعدها عَالِمِ الْغَيْبِ.. فيه إشارة إلى أننا لا نخبر بالساعة ولا نحلف على إتيانها من فراغ، إنما بما عندنا من علم الغيب، فهي لا بُدَّ آتية، ليس هذا فحسب، إنما سنُوافيكم فيها بإحصاء كامل للذنوب، كبيرها وصغيرها، ظاهرها وخَفيِّها، فعالِم الغيب لا يخفى عليه شيء مهما استتر، ومهما كنتَ بارعاً في إخفائه عن الناس.
عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ لا يعزب: لا يغيب عن علمه.
والحق سبحانه في جمهرة الآيات يضرب المثل لِصِغَر الأشياء بالذرة، وهي الهباءة التي نراها في شعاع الشمس، ولا نراها في الظل لِصِغَر حجمها...
وتأمل الدقة الأدائية هنا، فقط ذكر الذرة، وهي أصغر شيء عرفه الإنسان، ثم ذكر الصغير عنها والأصغر بحيث مهما وصلنا في تفتيت الذرة نجد في كلام الله رصيداً لما سنصل إليه...
ولقائل أنْ يقول: إذا كان الحق سبحانه يمتنُّ علينا بمعرفة الذرة، وما دَقَّ من الأشياء، فما الميْزة في أنه سبحانه يعلم الأكبر منها؟
قالوا: هذه دقيقة من دقائق الأسلوب القرآني، فالشيء يخفى عليك، إما لأنه مُتناهٍ في الصِّغَر، بحيث لا تدركه بأدواتك، أو لأنه كبير بحيث لا يبلغه إدراكك، فهو أكبر من أنْ تحيط به لِكبره، إذن: فالحق سبحانه مُسلَّط على أصغر شيء، وعلى أكبر شيء لا يغيب عنه صغير لصِغَره، ولا كبير لِكِبَره.
والحق سبحانه لا يحيط علمه بما في كَوْنه فحسب، بل ويُسجِّله في كتاب مُعْجِز خالد، وفَرْق بين الأخبار بالعلم قوْلاً وبين تسجيله، فإذا لم يكُنْ العلم مُسجَّلاً فَلَك أن تقول ما تشاء، لكن حين يسجل يصير حجة عليك.
لذلك نرى الحق سبحانه حين يعطينا قضية في الكون يحفظها مع القرآن، وأنت لا تحفظ إلا ما في صالحك، وما دام الحق سبحانه يحفظها فهذا يعنى أنها واقعة لا محالة، وإلا ما سجَّلها الحق سبحانه وحفظها، فهو سبحانه يعلم تمام العلم أنه لا يكون في مُلْكه إلا ما علم، إذن: كتب لأنه علم، وليس عَلِم لأنه كُتِب. ومَن الذي أمر بكتابته؟ علمه سبحانه إذن: فالعلم أسبق.
لكن، لماذا عندما سألوا عن الساعة أو أنكروها ذكَّرهم الله بعلمه لكل صغيرة وكبيرة، فقال: لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ.
قالوا: ذكر لهم الحق سبحانه إحاطة علْمه بكل شيء؛ ليلهيهم عن التفكير في أمر الساعة، ويشغلهم بذنوبهم، وأنها محسوبة عليهم لا يخفى على الله منها شيء، وعندها سيقولون: ليتنا ما سألنا، كما قال تعالى:
يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.. [المائدة: ١٠١].
إذن: سألوا عن الساعة، فأخذهم إلى ساحة أخرى تزعجهم وتزلزلهم كلما علموا أنَّ عِلْم الله تعالى يحيط بكل شيء في السماوات وفي الأرض...
لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ....
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ.. [الأحزاب: ٦٣] وهنا ينكرونها وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ.. [سبأ: ٣] أي: القيامة.
فلماذا ينكرونها؟ نعم ينكرونها؛ لأنهم أسرفوا على أنفسهم، وتمادوا في غيِّهم، ولن تكون القيامة في صالحهم؛ لذلك يهربون منها بالإنكار والتكذيب. حتى إخوان هؤلاء المكذبين مِمَّنْ يحبون أن يستدركوا على كلام الله يقولون: إذا كان الله قد قدَّر كل شيء على العبد، فقدَّر الطاعة، وقدَّر المعصية، فلماذا يعذبه على المعصية؟
والملاحظ، أنه لم يقُلْ أحد منهم في المقابل: ولماذا يثيبه على الطاعة؟ مما يدل على أن هذه الوقفة خاطئة وغير منطقية، وأنهم يخافون العقاب، وصاحب هذه المقولة ما قالها إلا لأنه واثق من كثرة سيئاته، ومن مصلحته أن يُكذِّب بالقيامة وينكرها، كالذي قال: وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
فكثرة سؤالهم عن الساعة وإنكارهم لها يدلُّ على خوفهم منها، بل هم مرعوبون من مجرد تصديقها؛ لأنهم يعلمون جيداً أنهم إن استتروا عن الناس فلن يستتروا من الله، وإنْ عَمُّوا على قضاء الأرض فلن يُعَمُّوا على قضاء السماء، ولن تنفعهم في القيامة حجة ولا لباقة منطق، ولا تزييف للحقائق.
لذلك قال صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ أحدكم أن يكون ألحنَ بحُجَّته فأقضى له، فمَنْ قضيتُ له من حقِّ أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أُقْطِع له قطعةً من النار".
فالقاضي يحكم بالحجة وبالبيان، ويمكن للمتكلم أَن يُضلِّل القاضي، وأنْ يأخذ حقَّ الآخرين ظلماً، كما يفعل بعض المحامين الآن، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فأنت في محكمة قاضيها الحق سبحانه وتعالى.
إذن: هؤلاء ينكرون القيامة؛ لأنها اللغز الذي يحيِّرهم، والحقيقة التي تقضُّ مضاجعهم وتُرعبهم، الحقيقة التي تزلزل جاههم، وتقضي على سيادتهم، وإنْ أَمِنوا في الدنيا لما لهم من جاه وسيطرة، ففي القيامة سيأتون كما قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ.. [الأنعام: ٩٤]...
ثم يرد الحق سبحانه على إنكارهم للساعة، فيقول مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.. يعني: قُلْ بِملء فيك (بلى) وبلى نفي للنفي السابق في قولهم لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ.. وحين ننقض النفي، فإننا نثبت المقابلَ له، فمعنى (بلى) أي: أنها ستأتي.
ثم لا يكتفي الأسلوب بذلك، إنما يؤكد هذه القضية بالقَسَم قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.. فالحق سبحانه يُعلِّم رسوله أنْ يحلف بذاته سبحانه وهو مطمئن أنها ستأتيهم، والحق سبحانه لا يُلقِّن رسوله يميناً كاذباً، والحق سبحانه صادق دون حلف، فما بالك حين يحلف لك؟
وقوله تعالى بعدها عَالِمِ الْغَيْبِ.. فيه إشارة إلى أننا لا نخبر بالساعة ولا نحلف على إتيانها من فراغ، إنما بما عندنا من علم الغيب، فهي لا بُدَّ آتية، ليس هذا فحسب، إنما سنُوافيكم فيها بإحصاء كامل للذنوب، كبيرها وصغيرها، ظاهرها وخَفيِّها، فعالِم الغيب لا يخفى عليه شيء مهما استتر، ومهما كنتَ بارعاً في إخفائه عن الناس.
عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ لا يعزب: لا يغيب عن علمه.
والحق سبحانه في جمهرة الآيات يضرب المثل لِصِغَر الأشياء بالذرة، وهي الهباءة التي نراها في شعاع الشمس، ولا نراها في الظل لِصِغَر حجمها...
وتأمل الدقة الأدائية هنا، فقط ذكر الذرة، وهي أصغر شيء عرفه الإنسان، ثم ذكر الصغير عنها والأصغر بحيث مهما وصلنا في تفتيت الذرة نجد في كلام الله رصيداً لما سنصل إليه...
ولقائل أنْ يقول: إذا كان الحق سبحانه يمتنُّ علينا بمعرفة الذرة، وما دَقَّ من الأشياء، فما الميْزة في أنه سبحانه يعلم الأكبر منها؟
قالوا: هذه دقيقة من دقائق الأسلوب القرآني، فالشيء يخفى عليك، إما لأنه مُتناهٍ في الصِّغَر، بحيث لا تدركه بأدواتك، أو لأنه كبير بحيث لا يبلغه إدراكك، فهو أكبر من أنْ تحيط به لِكبره، إذن: فالحق سبحانه مُسلَّط على أصغر شيء، وعلى أكبر شيء لا يغيب عنه صغير لصِغَره، ولا كبير لِكِبَره.
والحق سبحانه لا يحيط علمه بما في كَوْنه فحسب، بل ويُسجِّله في كتاب مُعْجِز خالد، وفَرْق بين الأخبار بالعلم قوْلاً وبين تسجيله، فإذا لم يكُنْ العلم مُسجَّلاً فَلَك أن تقول ما تشاء، لكن حين يسجل يصير حجة عليك.
لذلك نرى الحق سبحانه حين يعطينا قضية في الكون يحفظها مع القرآن، وأنت لا تحفظ إلا ما في صالحك، وما دام الحق سبحانه يحفظها فهذا يعنى أنها واقعة لا محالة، وإلا ما سجَّلها الحق سبحانه وحفظها، فهو سبحانه يعلم تمام العلم أنه لا يكون في مُلْكه إلا ما علم، إذن: كتب لأنه علم، وليس عَلِم لأنه كُتِب. ومَن الذي أمر بكتابته؟ علمه سبحانه إذن: فالعلم أسبق.
لكن، لماذا عندما سألوا عن الساعة أو أنكروها ذكَّرهم الله بعلمه لكل صغيرة وكبيرة، فقال: لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ.
قالوا: ذكر لهم الحق سبحانه إحاطة علْمه بكل شيء؛ ليلهيهم عن التفكير في أمر الساعة، ويشغلهم بذنوبهم، وأنها محسوبة عليهم لا يخفى على الله منها شيء، وعندها سيقولون: ليتنا ما سألنا، كما قال تعالى:
يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.. [المائدة: ١٠١].
إذن: سألوا عن الساعة، فأخذهم إلى ساحة أخرى تزعجهم وتزلزلهم كلما علموا أنَّ عِلْم الله تعالى يحيط بكل شيء في السماوات وفي الأرض...
لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ....
آية رقم ٤
عجيب أنْ يُوصف الرزق ذاته بأنه كريم، فالكريم صفة الرازق الذي يهبُكَ الرزق، فما بالك إنْ كان الرزق نفسه كريماً يذهب إليك ويعرف مكانك...
آية رقم ٥
سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا..:... ألَّبوا الناس عليها ليزهد فيها مَنْ كان مُقْبلاً عليها، ويخرج منها مَنْ كان فيها ويتملَّص منها، سعَوْا في آيات الله وهي القرآن ليبطلوه وليصرفوا الناس عنه، لماذا؟ لأنهم واثقون من أثر القرآن في القلوب، فلو أعطاه الناسُ آذانهم لابد وأنْ يؤثر فيهم ويجذبهم إلى ساحة الإيمان، فتنفعل به قلوبهم. وتلهج به ألسنتهم.
وهؤلاء هم الذين قالوا: لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦] ولو كان القرآن كلاماً عادياً غير ذي أثر لَمَا نَهوْا عن سماعه، ولما شوَّشوا عليه، وخافوا من سماعه.
مُعَاجِزِينَ..... عَاجَزَ يعنى: حاول كُلٌّ من الطرفين إثبات عجز الآخر. تقول: عاجزني يعني: جعلني أفعل فعلاً أعجز عنه، فكأنهم يريدون بسعيهم في آيات الله أنْ يُثبِتوا عجزها، وأن يُعجِزوا الدعوة أنْ تبلغ مداها، ويُعجِزوا رسولَ الله أنْ يتمم رسالته، ويُعْجزوا منهج الله أن يصل إلى خلق الله.
لكن يُعاجزون مَنْ؟ يُعاجزون الله؟ كيف وهو سبحانه الذي أرسل الرسل، وتكفَّل بنصرتهم وعدم التخلِّي عنهم، وما كانت الحروب والقتال بين الرسل والمكذبين إلا سبباً يأتي من خلاله نصر الله، كما قال سبحانه:
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤].
وقال سبحانه:
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٢].
إذن: مَنْ سيُعاجزون؟ ربما يُقبل أنْ يُعاجزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يُعاجزوا المؤمنين، أما الحق سبحانه فهو الغالب القادر، وهل يستطيع أحد أنْ يُعجز الله، ويتغلب عليه سبحانه، فيجعله عاجزاً، وهو سبحانه القادر الغالب؟
فمعنى سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا.. أي: وضعوا المكايد والعراقيل في طريقها: ليفسدوا أمر الدعوة، وحتى يردُّوها على رسول الله في فمه الذي قالها مُعَاجِزِينَ حالة كونهم معاجزين، يعني: يسيرون مع خالقهم في مضمار واحد، الله يريد أن يُعجزهم، وهم يريدون أنْ يُعجزوا الله، وأنْ يكونوا في مكان القدرة الإلهية العليا؛ ليثبتوا أن الدعوة باطلة.
ثم يُبيِّن سبحانه جزاء هؤلاء المعاجزين: أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ [سبأ: ٥] الرِّجز والرُّجز هو الحِمْل الثقيل، وأصله الذنب، وما يترتب عليه من عقوبة...
وهؤلاء هم الذين قالوا: لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦] ولو كان القرآن كلاماً عادياً غير ذي أثر لَمَا نَهوْا عن سماعه، ولما شوَّشوا عليه، وخافوا من سماعه.
مُعَاجِزِينَ..... عَاجَزَ يعنى: حاول كُلٌّ من الطرفين إثبات عجز الآخر. تقول: عاجزني يعني: جعلني أفعل فعلاً أعجز عنه، فكأنهم يريدون بسعيهم في آيات الله أنْ يُثبِتوا عجزها، وأن يُعجِزوا الدعوة أنْ تبلغ مداها، ويُعجِزوا رسولَ الله أنْ يتمم رسالته، ويُعْجزوا منهج الله أن يصل إلى خلق الله.
لكن يُعاجزون مَنْ؟ يُعاجزون الله؟ كيف وهو سبحانه الذي أرسل الرسل، وتكفَّل بنصرتهم وعدم التخلِّي عنهم، وما كانت الحروب والقتال بين الرسل والمكذبين إلا سبباً يأتي من خلاله نصر الله، كما قال سبحانه:
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤].
وقال سبحانه:
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٢].
إذن: مَنْ سيُعاجزون؟ ربما يُقبل أنْ يُعاجزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يُعاجزوا المؤمنين، أما الحق سبحانه فهو الغالب القادر، وهل يستطيع أحد أنْ يُعجز الله، ويتغلب عليه سبحانه، فيجعله عاجزاً، وهو سبحانه القادر الغالب؟
فمعنى سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا.. أي: وضعوا المكايد والعراقيل في طريقها: ليفسدوا أمر الدعوة، وحتى يردُّوها على رسول الله في فمه الذي قالها مُعَاجِزِينَ حالة كونهم معاجزين، يعني: يسيرون مع خالقهم في مضمار واحد، الله يريد أن يُعجزهم، وهم يريدون أنْ يُعجزوا الله، وأنْ يكونوا في مكان القدرة الإلهية العليا؛ ليثبتوا أن الدعوة باطلة.
ثم يُبيِّن سبحانه جزاء هؤلاء المعاجزين: أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ [سبأ: ٥] الرِّجز والرُّجز هو الحِمْل الثقيل، وأصله الذنب، وما يترتب عليه من عقوبة...
آية رقم ٦
هنا تثبيت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأن ربه -عز وجل- يقول له: يا محمد لا تيأس من هؤلاء الذين سَعَوْا في آياتنا معاجزين ولا تهتم، فإن الذي جعل من الكفرة مَنْ يسعون بالفساد ويُعاجزون خالقهم جعل أيضاً لك مَنْ ينصر دعوتك ويؤيدك من الذين يؤمنون بآيات الله، ويعلمون أنها الحق، وأن مَا يقوله هؤلاء من الهراء، وهو الباطل.
فكما أثبتَ لهم سَعْياً في الباطل ومعاجزة أثبتَ للمؤمنين العلم بآيات الله وتصديقها والاعتراف بأنها الحق، وطمأن رسول الله أن هؤلاء لن يفسدوا عليك أمرك، ولن يُطفئوا نور الله، كما قال سبحانه: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَٰفِرُونَ [الصف: ٨].
وقال: هُوَ الَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣].
فقوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ.. أي: يشهدون لك بأنك على الحق، وأنك جِئتَهم بمنهج هو الحق، ويهدي إلى صراط مستقيم. إذن: فضَعْ هؤلاء قبالة الذين سعَوْا في آياتنا معاجزين، واعقد مقارنة بين هؤلاء وهؤلاء.
فالكفار الذين سَعَوْا في آياتنا بالفساد مُجرَّدون عن معونة القدرة، بل إن القدرة ضدهم ولهم بالمرصاد، أما الذين أوتوا العلم وشهدوا لرسول الله، فهم مُؤيِّدون للقدرة الإلهية، والقدرة معهم تساندهم، فأيُّ الكِفَّتين أرجح؟
ومعنى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ [سبأ: ٦] الذين أوتول العلم من المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم الذين صدَّقوه وصدَّقوا معجزته ورسالته. أو: الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب اليهود أو النصارى، فالمنصفون منهم يعلمون صِدْق رسول الله، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم وهم الذين ذهبوا إلى يثرب قبل بعثة رسول الله ينتظرون بعثته، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا يقولون: لقد أظلّ زمن نبي جديد نتبعه ونقتلكم به قَتْل عاد وإرم
فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ.. [البقرة: ٨٩].
لذلك يقولون القرآن في جدال الكافرين:
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ.. [الرعد: ٤٣] أي: رداً عليهم
كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.. [الرعد: ٤٣] أي: الله الذي أرسلني بالمعجزة
وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد: ٤٣] أي: من اليهود والنصارى، أهل التوراة والإنجيل.
والعلم: هو كل قضية مجزوم بها، وهي واقعة وعليها دليل، وغير ذلك لا يعتبر عِلْماً، فالقضية إنْ لم يكُنْ مجزوماً بها فلا تدخل في العلم، إنما هي في الشك، أو في الظن، أو في الوهم، فإنْ كانت القضية مجزوماً بها، لكن ليس لها واقع، فهذا هو الجهل.
لذلك سبق أن قلْنا: ليس الجاهل هو الذي لا يعلم، إنما الجاهل الذي يعلم قضية منافية للواقع، أما الذي لا يعلم فهو الأميُّ خالي الذِّهْن تماماً؛ لذلك يقبل منك ما تقول، على خلاف الجاهل الذي ينبغي عليك أنْ تثبت له خطأ قضيته أولاً، ثم تقنعه بما تريد.
فإنْ كانت القضية مجزوماً بها ولها واقع، لكن لا تستطيع أنْ تُدلِّل عليها، فهي تقليد...
والعلم وإنْ كان أنواعاً كثيرة، إلا أنه يمكن حَصْره في العلم الشرعي والعلم الكوني: العلم الشرعي أو علم الشرع، ومصدره السماء يُبلِّغه رسول بمعجزة، ولا دَخْلَ لأحد فيه، وليس للبشر في علم الشرع إلا النقل والرواية، والبلاغ من الرسول، وهذا العلم هو الذي يُحدِّد لنا الحلال والحرام، وقد جاء العلم الشرعي لا ليتدخل في العلم الكوني، إنما جاء ليضبط الأهواء المختلفة؛ لذلك يختلف الناس في هذا العلم.
أما العلم الكوني فهو العلم الذي يبحث في أجناس الوجود كلها: في الجماد، وفي النبات، وفي الحيوان، وفي الإنسان، فهذا العلم يقوم على نشاط العقل، ولا يختلف الناس فيه؛ لأنه مادىٌّ يعتمد على البحث والتجربة والملاحظة؛ لذلك يتنافس فيه الناس، وربما سرقوه بعضهم من بعض.
وبهذا العلم الكوني يُرَقِّي الإنسان حياته، فالخالق عز وجل أعطاك كل مُقوِّمات الحياة وضرورياتها، وعليك إنْ أردتَ رفاهية الحياة أن تُعمِل عقلك وفكرك في معطيات الكون من حولك لتكتشف ما لله تعالى في كونه من أسرار وآيات تُرقِّي بها حياتك...
فمعنى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ.. أي: العلم الشرعي، وهم الذين آمنوا بك وصدَّقوك بالمعجزة على أنك رسول الله، وأن ما جئتَ به هو الحق الَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ...
وكذلك الذين أوتوا العلم الكوني لهم دَوْر في تصديق الرسل وتأييدهم بما أوتوا من العلم الكوني الذي يدلُّ على الله، وإذا كان القرآن كتابَ الله المقروء، فالكون بأجناسه المختلفة كتاب الله المشَاهَد المنظور.
واقرأ إنْ شئت قول الحق سبحانه وتعالى:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا.. [فاطر: ٢٧] هذا هو النبات
وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [فاطر: ٢٧] وهذا هو الجماد
وَمِنَ النَّاسِ.. [فاطر: ٢٨] الإنسان
وَالدَّوَآبِّ وَالأَنْعَامِ.. [فاطر: ٢٨] أي: الحيوان
مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ.. [فاطر: ٢٨].
ثم يختم الحق سبحانه بقوله:
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.. [فاطر: ٢٨] أيّ علماء؟ علماء الكون الذين يبحثون في أجناسه المختلفة وقوانينه العلمية والاجتماعية والصحية.. إلخ.
وهؤلاء العلماء يخشوْنَ الله؛ لأنهم يشاهدون أسراره في كونه، ويُطْلِعون الناس عليها، فهم جُنْد من جنود الدعوة إنْ آمنوا يؤيدون قدرةَ الله، بل ويستشهد علماء الشرع بكلامهم، ويُظْهِرون قدرة الله في الكون من خلال نظرياتهم العلمية، إذن: للعلم الكوني مهمة كبرى في مجال الدعوة إلى الله.
لكن، مَنْ الذي يرى مِنْ هؤلاء -علماء الشرع، أو علماء الكون- أن الذي جاء به محمد هو الحق؟
إنْ قُلْنا علماء الشرع فقد شهدوا لرسول الله وصدَّقُوه، سواء من المؤمنين برسالته، أم من علماء أهل الكتاب، وإنْ قلنا علماء الكون فقد شهدوا هم أيضاً لرسول الله وأيَّدوه بما لديهم من أسرار قدرة الله...
فقوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ.. أي: العلم الشرعي المنزَّل من أعلى، أو العلم الكوني القائم على البحث والمشاهدة. وقوله أُوتُواْ الْعِلْمَ.. سواء كان عِلْماً شرعياً، أو علما كونياً يدل على أن العلم إيتاءٌ، فليس هناك عالم بذاته، إنما العلم إيتاء من الله حتى فى علم الكونيات لذلك لم يقل علموا، إنما أُوتُواْ الْعِلْمَ.....
ونلحظ في أسلوب الآية أن المفعول الثانى للفعل (يرى) جاء على صورة الضمير المنفصل وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ.. ولم يقل الحق فقط إنما هُوَ الْحَقَّ.. وهذا الضمير المنفصل يعني أن غيره ليس حقاً، فالحق هو الذي أُنزِل على رسول، وما عداه ليس حقاً، وكأنها خاصية لم تُعْط إلا له صلى الله عليه وسلم.
ومثلها قوله تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم:
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: ٧٨] فلم يَقُلْ: الذي خلقني يهديني؛ لأنها تحتمل أن يهديك غيره، إنما فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: ٧٨] قصرت الهداية عليه سبحانه وتعالى...
إذن: قوله تعالى: هُوَ الْحَقَّ.. دلَّتْ على أن الحق واحد، هو ما أنزل الله، وما عداه باطل...
والحق هو: الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يُنكر، وكيف تنكر الحق وأنت حين تريد أنْ تؤيد نفسك في شيء تقول: هذا حقي يعني لي ولا ينازعني فيه أحد، فالدَّعْوى التي تقيمها أن هذا حقك.
والحق إلى جانب أنه أمر ثابت فهو ينفعك، فله إذن ميزتان أو حجتان: الأولى أنه الحق الثابت وغيره باطل، والأخرى أنه يعود عليك نفعه؛ لذلك قال تعالى بعدها: وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، فإذا لم تقبل الحق لذاته وتتعصب له، فاقبله لما يعود عليك من نفعه، فهذان الأمران هما من حيثيات التمسك بالحق.
ومعنى الْعَزِيزِ.. هو الذي لا يُغلب ولا يُقهر، ومنه قولنا: عزَّ علىَّ كذا يعني: لم أقدر عليه، وفلان عزيز يعني لا يقهره أحد، فصفة العزة صفة ترهيب، فحين تُعرِض عن هذا الحق فاعلم أنك تعصي عزيزاً لا يُقهر، يغلب ولا يُغلب.
ثم يتبعها سبحانه بصفة من صفات الترغيب الْحَمِيدِ بمعنى المحمود على ما يُعطى من النِّعَم، فهي تُرغِّبك في المزيد من نِعَم الله.
فكما أثبتَ لهم سَعْياً في الباطل ومعاجزة أثبتَ للمؤمنين العلم بآيات الله وتصديقها والاعتراف بأنها الحق، وطمأن رسول الله أن هؤلاء لن يفسدوا عليك أمرك، ولن يُطفئوا نور الله، كما قال سبحانه: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَٰفِرُونَ [الصف: ٨].
وقال: هُوَ الَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣].
فقوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ.. أي: يشهدون لك بأنك على الحق، وأنك جِئتَهم بمنهج هو الحق، ويهدي إلى صراط مستقيم. إذن: فضَعْ هؤلاء قبالة الذين سعَوْا في آياتنا معاجزين، واعقد مقارنة بين هؤلاء وهؤلاء.
فالكفار الذين سَعَوْا في آياتنا بالفساد مُجرَّدون عن معونة القدرة، بل إن القدرة ضدهم ولهم بالمرصاد، أما الذين أوتوا العلم وشهدوا لرسول الله، فهم مُؤيِّدون للقدرة الإلهية، والقدرة معهم تساندهم، فأيُّ الكِفَّتين أرجح؟
ومعنى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ [سبأ: ٦] الذين أوتول العلم من المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم الذين صدَّقوه وصدَّقوا معجزته ورسالته. أو: الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب اليهود أو النصارى، فالمنصفون منهم يعلمون صِدْق رسول الله، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم وهم الذين ذهبوا إلى يثرب قبل بعثة رسول الله ينتظرون بعثته، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا يقولون: لقد أظلّ زمن نبي جديد نتبعه ونقتلكم به قَتْل عاد وإرم
فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ.. [البقرة: ٨٩].
لذلك يقولون القرآن في جدال الكافرين:
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ.. [الرعد: ٤٣] أي: رداً عليهم
كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.. [الرعد: ٤٣] أي: الله الذي أرسلني بالمعجزة
وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد: ٤٣] أي: من اليهود والنصارى، أهل التوراة والإنجيل.
والعلم: هو كل قضية مجزوم بها، وهي واقعة وعليها دليل، وغير ذلك لا يعتبر عِلْماً، فالقضية إنْ لم يكُنْ مجزوماً بها فلا تدخل في العلم، إنما هي في الشك، أو في الظن، أو في الوهم، فإنْ كانت القضية مجزوماً بها، لكن ليس لها واقع، فهذا هو الجهل.
لذلك سبق أن قلْنا: ليس الجاهل هو الذي لا يعلم، إنما الجاهل الذي يعلم قضية منافية للواقع، أما الذي لا يعلم فهو الأميُّ خالي الذِّهْن تماماً؛ لذلك يقبل منك ما تقول، على خلاف الجاهل الذي ينبغي عليك أنْ تثبت له خطأ قضيته أولاً، ثم تقنعه بما تريد.
فإنْ كانت القضية مجزوماً بها ولها واقع، لكن لا تستطيع أنْ تُدلِّل عليها، فهي تقليد...
والعلم وإنْ كان أنواعاً كثيرة، إلا أنه يمكن حَصْره في العلم الشرعي والعلم الكوني: العلم الشرعي أو علم الشرع، ومصدره السماء يُبلِّغه رسول بمعجزة، ولا دَخْلَ لأحد فيه، وليس للبشر في علم الشرع إلا النقل والرواية، والبلاغ من الرسول، وهذا العلم هو الذي يُحدِّد لنا الحلال والحرام، وقد جاء العلم الشرعي لا ليتدخل في العلم الكوني، إنما جاء ليضبط الأهواء المختلفة؛ لذلك يختلف الناس في هذا العلم.
أما العلم الكوني فهو العلم الذي يبحث في أجناس الوجود كلها: في الجماد، وفي النبات، وفي الحيوان، وفي الإنسان، فهذا العلم يقوم على نشاط العقل، ولا يختلف الناس فيه؛ لأنه مادىٌّ يعتمد على البحث والتجربة والملاحظة؛ لذلك يتنافس فيه الناس، وربما سرقوه بعضهم من بعض.
وبهذا العلم الكوني يُرَقِّي الإنسان حياته، فالخالق عز وجل أعطاك كل مُقوِّمات الحياة وضرورياتها، وعليك إنْ أردتَ رفاهية الحياة أن تُعمِل عقلك وفكرك في معطيات الكون من حولك لتكتشف ما لله تعالى في كونه من أسرار وآيات تُرقِّي بها حياتك...
فمعنى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ.. أي: العلم الشرعي، وهم الذين آمنوا بك وصدَّقوك بالمعجزة على أنك رسول الله، وأن ما جئتَ به هو الحق الَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ...
وكذلك الذين أوتوا العلم الكوني لهم دَوْر في تصديق الرسل وتأييدهم بما أوتوا من العلم الكوني الذي يدلُّ على الله، وإذا كان القرآن كتابَ الله المقروء، فالكون بأجناسه المختلفة كتاب الله المشَاهَد المنظور.
واقرأ إنْ شئت قول الحق سبحانه وتعالى:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا.. [فاطر: ٢٧] هذا هو النبات
وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [فاطر: ٢٧] وهذا هو الجماد
وَمِنَ النَّاسِ.. [فاطر: ٢٨] الإنسان
وَالدَّوَآبِّ وَالأَنْعَامِ.. [فاطر: ٢٨] أي: الحيوان
مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ.. [فاطر: ٢٨].
ثم يختم الحق سبحانه بقوله:
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.. [فاطر: ٢٨] أيّ علماء؟ علماء الكون الذين يبحثون في أجناسه المختلفة وقوانينه العلمية والاجتماعية والصحية.. إلخ.
وهؤلاء العلماء يخشوْنَ الله؛ لأنهم يشاهدون أسراره في كونه، ويُطْلِعون الناس عليها، فهم جُنْد من جنود الدعوة إنْ آمنوا يؤيدون قدرةَ الله، بل ويستشهد علماء الشرع بكلامهم، ويُظْهِرون قدرة الله في الكون من خلال نظرياتهم العلمية، إذن: للعلم الكوني مهمة كبرى في مجال الدعوة إلى الله.
لكن، مَنْ الذي يرى مِنْ هؤلاء -علماء الشرع، أو علماء الكون- أن الذي جاء به محمد هو الحق؟
إنْ قُلْنا علماء الشرع فقد شهدوا لرسول الله وصدَّقُوه، سواء من المؤمنين برسالته، أم من علماء أهل الكتاب، وإنْ قلنا علماء الكون فقد شهدوا هم أيضاً لرسول الله وأيَّدوه بما لديهم من أسرار قدرة الله...
فقوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ.. أي: العلم الشرعي المنزَّل من أعلى، أو العلم الكوني القائم على البحث والمشاهدة. وقوله أُوتُواْ الْعِلْمَ.. سواء كان عِلْماً شرعياً، أو علما كونياً يدل على أن العلم إيتاءٌ، فليس هناك عالم بذاته، إنما العلم إيتاء من الله حتى فى علم الكونيات لذلك لم يقل علموا، إنما أُوتُواْ الْعِلْمَ.....
ونلحظ في أسلوب الآية أن المفعول الثانى للفعل (يرى) جاء على صورة الضمير المنفصل وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ.. ولم يقل الحق فقط إنما هُوَ الْحَقَّ.. وهذا الضمير المنفصل يعني أن غيره ليس حقاً، فالحق هو الذي أُنزِل على رسول، وما عداه ليس حقاً، وكأنها خاصية لم تُعْط إلا له صلى الله عليه وسلم.
ومثلها قوله تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم:
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: ٧٨] فلم يَقُلْ: الذي خلقني يهديني؛ لأنها تحتمل أن يهديك غيره، إنما فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: ٧٨] قصرت الهداية عليه سبحانه وتعالى...
إذن: قوله تعالى: هُوَ الْحَقَّ.. دلَّتْ على أن الحق واحد، هو ما أنزل الله، وما عداه باطل...
والحق هو: الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يُنكر، وكيف تنكر الحق وأنت حين تريد أنْ تؤيد نفسك في شيء تقول: هذا حقي يعني لي ولا ينازعني فيه أحد، فالدَّعْوى التي تقيمها أن هذا حقك.
والحق إلى جانب أنه أمر ثابت فهو ينفعك، فله إذن ميزتان أو حجتان: الأولى أنه الحق الثابت وغيره باطل، والأخرى أنه يعود عليك نفعه؛ لذلك قال تعالى بعدها: وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، فإذا لم تقبل الحق لذاته وتتعصب له، فاقبله لما يعود عليك من نفعه، فهذان الأمران هما من حيثيات التمسك بالحق.
ومعنى الْعَزِيزِ.. هو الذي لا يُغلب ولا يُقهر، ومنه قولنا: عزَّ علىَّ كذا يعني: لم أقدر عليه، وفلان عزيز يعني لا يقهره أحد، فصفة العزة صفة ترهيب، فحين تُعرِض عن هذا الحق فاعلم أنك تعصي عزيزاً لا يُقهر، يغلب ولا يُغلب.
ثم يتبعها سبحانه بصفة من صفات الترغيب الْحَمِيدِ بمعنى المحمود على ما يُعطى من النِّعَم، فهي تُرغِّبك في المزيد من نِعَم الله.
آية رقم ١٠
بعد أن فتح الحق سبحانه باب التوبة لعباده، وأعطاهم الأمل حتى الكافرين منهم، وبعد أنْ فعلوا برسول الله ما فعلوا، وسعَوْا في آيات الله معاجزين ما يزال الحق سبحانه رحيماً بهم، حريصاً عليهم، فيلفت أنظارهم إلى واسع رحمته.
وكأنه سبحانه يقول لهم: لا تستكثروا أفعالكم وذنوبكم أمام رحمة الله، ولا تصدَّنكم هذه الذنوب عن التوبة والعودة إلى الله، وإنْ كنتم أذنبتمْ، فمن الرسل مَنْ حدثت هفوة من بعضهم مع أنهم أنبياء، فكأن الحق سبحانه مع هذا كله يلتمس لهم عذراً.
لذلك ذكر بعدها حكاية سيدنا داود: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً.. وفي موضع آخر بيَّن ما كان من أمر سيدنا داود:
وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [ص: ٢٤].
إذن: لا تخجلوا أنْ تُنيبوا إلى الله؛ لأن سيدكم الذي أعطيته كذا وكذا لمَّا حدثتْ منه هفوة استغفر وخَرَّ راكعاً وأناب، يريد سبحانه أنْ يُحنِّن قلوبهم ليعودوا إلى أحضان ربهم.
كذلك سيدنا سليمان حدثتْ منه هفوة، فابتلاه الله وعاقبه، فتاب واستغفر، واقرأ:
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً.. [ص: ٣٤] والجسد يعني: أنه أصبح لا يستطيع الحركة في ذاته
ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص: ٣٤-٣٥] فماذا كان من أمره بعد أن استغفر
فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ [ص: ٣٦-٣٨].
ومعنى (الفضل) الشيء الزائد، وقد أعطى الله داود عليه السلام نِعَماً كثيرة لم يُعْطِها لكثير من الأنبياء، أعطاه الاصطفاءَ وأعطاه المنهج، وزاده نعمة أخرى خاصة به، وهي أنه ألان له الحديد، كما قال سبحانه: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ...
وكلمة مِنَّا.. دلتْ على أن النعمة ليست من ذاتك، إنما من الله، فتقديم الجار والمجرور هنا أفاد قصْر النعمة على المنعِم سبحانه..
والفضل من الله يأتي الناس جميعاً، لكن الرسل لهم نِعَم متميزة، وفضل أعظم في صورة معجزات، ويُبيِّن الحق سبحانه فضله على نبيه داود بقوله: يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ.
(يا جبال) نداء، فالله ينادي الجبال؛ لأنها تسمع وتعي هذا النداء أَوِّبِي.. يعني: رجِّعي معه ما يقول وما يقرأ من الزبور أو من الذكر، وهنا دليل على أنه يفهم قول الجبال، وأنها تفهم قوله، وتُردِّد خلفه، إذن: للجبال منطق ولغة أفهمها اللهُ نبيَّه داود.
وقد تناولنا مسألة تسبيح الجمادات لمَّا تعرضنا لقوله تعالى:
وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤] ورددنا قول مَنْ قال إنه تسبيح الحال لا تسبيح المقال؛ لأن الله قال
وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤] وما دام قد حكم سبحانه أننا لا نفقه تسبيحهم، فهو تسبيح بالقول.
والذين قالوا بتسبيح الدلالة استعظموا أنْ يكون للجبل كلام ولغة وتفاهم، لكن هل للجبل كلام معك أنت؟ للجبل كلام مع ربه وخالقه الذي قال:
أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
إذن: ما دَخْلك أنت في هذه المسألة؟ ولماذا تنكرها؟
وتأمل قوله سبحانه:
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ.. [الرعد: ١٣] فجمع بين تسبيح الرعد وهو جماد وتسبيح الملائكة، وهم على أجناس المخلوقات، وأين وجه الدلالة في تسبيح الملائكة؟ فلماذا العجب، وقد ثبت أن لكل شيء لغة تناسبه، وقد رأينا لغة للهدهد، ولغة للنمل.. إلخ.
فعظمة سيدنا داود أنه فهم لغة الجبال، وسمع تسبيحها، ووافق تسبيحُها تسبيحَه، كذلك وَالطَّيْرَ.. يعني: يا طير أوِّب مع داود، وردِّد معه التسبيح.
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ وهذه معجزة أخرى لسيدنا داود، وإذا قال الله عدة أشياء، ثم حدث في الواقع أنه صدق في واحدة، ألاَ أُصدِّقه في الأخرى؟
فإذا قال سبحانه وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ فلا بُدَّ أن نصدِّق بذلك، وأن نعتقد أن الحديد صار في يد سيدنا داود مثل طين الصلصال الذي يشكِّله الأطفال كيفما أرادوا، لأن البعض يرى أن وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ يعني: علَّمه الله أن النار تذيب الحديد، ولو أن الأمر كذلك فليس فيه معجزة، ولا ميزة على غيره من الناس.
وللحديد ميزات عدة، وأنواع مختلفة، وتتوقف مدى أهميته على مدى صلابته، ولأهميته أنزله الله من عَلٍ كما أنزل الكتب؛ لذلك تكلم سبحانه في سورة الحديد عن الرسل مثل موسى وعيسى -عليهما السلام- وتكلم عن إنزال الكتب، وقال عن الحديد:
وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ.. [الحديد: ٢٥].
ومعلوم أن الإنزال يأتي من جهة العلو، فالحق سبحانه أنزل الكتب ينطق بها الرسل لهداية المهتدى الذي يسمع، وأنزل الحديد لردع العاصي وزَجْره، ففي الحديد بأس شديد في وقت الحرب، ومنافع للناس في وقت السلم.
لذلك قال تعالى بعدها:
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد: ٢٥] ينصره في أيِّ شيء؟ ينصره في الحديد، وفي استخدامه وقت الحروب، وسيدنا داود -عليه السلام- آتاه الله، وأنزل عليه هذا وهذا: الكتاب للهداية، والحديدَ للحرب.
لذلك قال له: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ.. [سبأ: ١١]
وكأنه سبحانه يقول لهم: لا تستكثروا أفعالكم وذنوبكم أمام رحمة الله، ولا تصدَّنكم هذه الذنوب عن التوبة والعودة إلى الله، وإنْ كنتم أذنبتمْ، فمن الرسل مَنْ حدثت هفوة من بعضهم مع أنهم أنبياء، فكأن الحق سبحانه مع هذا كله يلتمس لهم عذراً.
لذلك ذكر بعدها حكاية سيدنا داود: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً.. وفي موضع آخر بيَّن ما كان من أمر سيدنا داود:
وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [ص: ٢٤].
إذن: لا تخجلوا أنْ تُنيبوا إلى الله؛ لأن سيدكم الذي أعطيته كذا وكذا لمَّا حدثتْ منه هفوة استغفر وخَرَّ راكعاً وأناب، يريد سبحانه أنْ يُحنِّن قلوبهم ليعودوا إلى أحضان ربهم.
كذلك سيدنا سليمان حدثتْ منه هفوة، فابتلاه الله وعاقبه، فتاب واستغفر، واقرأ:
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً.. [ص: ٣٤] والجسد يعني: أنه أصبح لا يستطيع الحركة في ذاته
ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص: ٣٤-٣٥] فماذا كان من أمره بعد أن استغفر
فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ [ص: ٣٦-٣٨].
ومعنى (الفضل) الشيء الزائد، وقد أعطى الله داود عليه السلام نِعَماً كثيرة لم يُعْطِها لكثير من الأنبياء، أعطاه الاصطفاءَ وأعطاه المنهج، وزاده نعمة أخرى خاصة به، وهي أنه ألان له الحديد، كما قال سبحانه: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ...
وكلمة مِنَّا.. دلتْ على أن النعمة ليست من ذاتك، إنما من الله، فتقديم الجار والمجرور هنا أفاد قصْر النعمة على المنعِم سبحانه..
والفضل من الله يأتي الناس جميعاً، لكن الرسل لهم نِعَم متميزة، وفضل أعظم في صورة معجزات، ويُبيِّن الحق سبحانه فضله على نبيه داود بقوله: يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ.
(يا جبال) نداء، فالله ينادي الجبال؛ لأنها تسمع وتعي هذا النداء أَوِّبِي.. يعني: رجِّعي معه ما يقول وما يقرأ من الزبور أو من الذكر، وهنا دليل على أنه يفهم قول الجبال، وأنها تفهم قوله، وتُردِّد خلفه، إذن: للجبال منطق ولغة أفهمها اللهُ نبيَّه داود.
وقد تناولنا مسألة تسبيح الجمادات لمَّا تعرضنا لقوله تعالى:
وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤] ورددنا قول مَنْ قال إنه تسبيح الحال لا تسبيح المقال؛ لأن الله قال
وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤] وما دام قد حكم سبحانه أننا لا نفقه تسبيحهم، فهو تسبيح بالقول.
والذين قالوا بتسبيح الدلالة استعظموا أنْ يكون للجبل كلام ولغة وتفاهم، لكن هل للجبل كلام معك أنت؟ للجبل كلام مع ربه وخالقه الذي قال:
أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
إذن: ما دَخْلك أنت في هذه المسألة؟ ولماذا تنكرها؟
وتأمل قوله سبحانه:
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ.. [الرعد: ١٣] فجمع بين تسبيح الرعد وهو جماد وتسبيح الملائكة، وهم على أجناس المخلوقات، وأين وجه الدلالة في تسبيح الملائكة؟ فلماذا العجب، وقد ثبت أن لكل شيء لغة تناسبه، وقد رأينا لغة للهدهد، ولغة للنمل.. إلخ.
فعظمة سيدنا داود أنه فهم لغة الجبال، وسمع تسبيحها، ووافق تسبيحُها تسبيحَه، كذلك وَالطَّيْرَ.. يعني: يا طير أوِّب مع داود، وردِّد معه التسبيح.
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ وهذه معجزة أخرى لسيدنا داود، وإذا قال الله عدة أشياء، ثم حدث في الواقع أنه صدق في واحدة، ألاَ أُصدِّقه في الأخرى؟
فإذا قال سبحانه وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ فلا بُدَّ أن نصدِّق بذلك، وأن نعتقد أن الحديد صار في يد سيدنا داود مثل طين الصلصال الذي يشكِّله الأطفال كيفما أرادوا، لأن البعض يرى أن وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ يعني: علَّمه الله أن النار تذيب الحديد، ولو أن الأمر كذلك فليس فيه معجزة، ولا ميزة على غيره من الناس.
وللحديد ميزات عدة، وأنواع مختلفة، وتتوقف مدى أهميته على مدى صلابته، ولأهميته أنزله الله من عَلٍ كما أنزل الكتب؛ لذلك تكلم سبحانه في سورة الحديد عن الرسل مثل موسى وعيسى -عليهما السلام- وتكلم عن إنزال الكتب، وقال عن الحديد:
وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ.. [الحديد: ٢٥].
ومعلوم أن الإنزال يأتي من جهة العلو، فالحق سبحانه أنزل الكتب ينطق بها الرسل لهداية المهتدى الذي يسمع، وأنزل الحديد لردع العاصي وزَجْره، ففي الحديد بأس شديد في وقت الحرب، ومنافع للناس في وقت السلم.
لذلك قال تعالى بعدها:
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد: ٢٥] ينصره في أيِّ شيء؟ ينصره في الحديد، وفي استخدامه وقت الحروب، وسيدنا داود -عليه السلام- آتاه الله، وأنزل عليه هذا وهذا: الكتاب للهداية، والحديدَ للحرب.
لذلك قال له: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ.. [سبأ: ١١]
آية رقم ١١
أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ.. يعني: دروعاً واسعة، وهي عُدة الحرب يلبسها الجندي على مظانِّ الفتك، وخاصة على الصدر؛ لأن بداخله القلب والرئتين، ولم يقُلْ له اعمل فأساً ولا محراثاً مثلاً؛ لأن هذه لمنافع الأرض، والله يريد ما يحمي المنهج ويزجر العاصي.
وكانت الدروع قبله تُصنع ملساء يتحرك عليها السيف ويتزحلق، وربما أصاب منطقة أخرى من الجسم، وكانت تُصْنع على قدر ما يحمي الصدر، فعلَّمه الله أنْ تكون واسعة لتحمي أكبر قدر ممكن من الجسم، فقال أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ.. [سبأ: ١١].
وعلَّمه كذلك أن تكون على شكل حلَقٍ متداخلة وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ.. [سبأ: ١١] يعني: أحكم تداخل هذه الحِلَق بعضها في بعض، حتى إذا ما نزل عليها السيف ثبت على إحداها ولم يتحرك...
فتأمل أن الله تعالى لم يُعلِّم نبيه داود أولاً وسائل السلم، إنما علَّمه أولاً وسائل الحرب وإعداد العُدة لمن نقض كلمة الله، وحاد عن منهجه، علَّمه أنْ يُعِد له ما استطاع من قوة.
ومعنى: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ.. اجعلها بتقدير دقيق وإحكام في النسج...
ثم يقول سبحانه: وَاعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ كأن الحق سبحانه يقول لنبيه داود: تذكَّر حين تعمل ما طُلِب منك أنِّي بصير بعملك مُطلع عليه، وهذه التذكرة لنبي مأمون على التصرف، فما بالك بنا نحن؟
إننا نلاحظ العامل يتقن عمله طالما يراه صاحب العمل، فإنْ غاب عنه أهمل العمل وغَشَّه، فالله يحذرنا من هذه المسألة.
وكانت الدروع قبله تُصنع ملساء يتحرك عليها السيف ويتزحلق، وربما أصاب منطقة أخرى من الجسم، وكانت تُصْنع على قدر ما يحمي الصدر، فعلَّمه الله أنْ تكون واسعة لتحمي أكبر قدر ممكن من الجسم، فقال أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ.. [سبأ: ١١].
وعلَّمه كذلك أن تكون على شكل حلَقٍ متداخلة وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ.. [سبأ: ١١] يعني: أحكم تداخل هذه الحِلَق بعضها في بعض، حتى إذا ما نزل عليها السيف ثبت على إحداها ولم يتحرك...
فتأمل أن الله تعالى لم يُعلِّم نبيه داود أولاً وسائل السلم، إنما علَّمه أولاً وسائل الحرب وإعداد العُدة لمن نقض كلمة الله، وحاد عن منهجه، علَّمه أنْ يُعِد له ما استطاع من قوة.
ومعنى: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ.. اجعلها بتقدير دقيق وإحكام في النسج...
ثم يقول سبحانه: وَاعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ كأن الحق سبحانه يقول لنبيه داود: تذكَّر حين تعمل ما طُلِب منك أنِّي بصير بعملك مُطلع عليه، وهذه التذكرة لنبي مأمون على التصرف، فما بالك بنا نحن؟
إننا نلاحظ العامل يتقن عمله طالما يراه صاحب العمل، فإنْ غاب عنه أهمل العمل وغَشَّه، فالله يحذرنا من هذه المسألة.
آية رقم ١٢
يعني: كما آتينا داود منّا فضلاً، وكان من هذا الفضل أنْ أوَّبَتْ معه الجبال، وألنَّا له الحديد، كذلك كان من فضل الله على ولده سليمان أنْ طوَّعنا له الريح، وجعلناها تأتمر بأمره.
وسبق أنْ بينَّا أن كلمة الريح إنْ وردت مفردة، فهي في الشر والعذاب، وإنْ جاءت جمعاً دلَّت على الخير والرحمة، واقرأ قوله تعالى:
وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١-٤٢] وقال:
بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤].
وفي الرياح قال: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ.. [الحجر: ٢٢].
وبيان ذلك، أن الريح إنْ كانت مفردة تُعَدّ ريحاً مدمرة؛ لأنها تأتي من ناحية واحدة، والذي يقيم الأشياء ويحفظ توازنها أن الرياح تحيط بها من كل جانب فتستقيم، فالذي يدعم ناطحات السحاب مثلاً الهواء الذي يحيط بها، فإنْ أفرغتَ الهواء من ناحية منها انهارتْ نحو هذه الناحية؛ لذلك كانت الريح الواحدة من جنس العذاب، والرياح من جنس الرحمة، ألاَ ترى الأعاصير تدمر؛ لأنها تأتي من جهة واحدة؟
لكن، هل سخَّر الله تعالى لسليمان الرياح؟ أمْ سخَّر له الريح؟ قالوا: لم تُسخَّر لسليمان الرياح كلها، إنما ريحاً مخصوصة وظَّفها له وطوَّعها لأمره، وهذه الريح أعطتْ سليمان عليه السلام عزَّة ومنعة بحيث لا يَقْوَى أحد على مواجهته أو التصدي له.
لذلك كان هو -عليه السلام- النبي والملك الذي لم يحاربه أحد، ولم يجرؤ أحد على منازعته مُلْكَه ولا نبوته. كيف وفي يده من القوة ما لم يتوفر لغيره، فسلطانه سلطان قَهْر إنْ أراد شيئاً أذعن الجميع لإرادته.
أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت دعوته لاستمالة القلوب، لا لإرغام القوالب؛ لذلك خاطبه ربه بقوله:
إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء: ٤]...
ثم يذكر الحق سبحانه أمراً آخر مما خصَّ به سليمان عليه السلام: وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ.. ومعنى بِإِذْنِ رَبِّهِ.. أن المسألة كلها تسخير من الله لنبيه سليمان، وليس أمراً ذاتياً من عنده.
لذلك قال: وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا.. أي: يميل، أو ينحرف عنه، أو يعصاه نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ فأَمْر سليمان للجن من باطن أَمْر الله، ومَنْ يَعْصِ أمره كأنه عَصَى أمرنا.
وسبق أنْ بينَّا أن كلمة الريح إنْ وردت مفردة، فهي في الشر والعذاب، وإنْ جاءت جمعاً دلَّت على الخير والرحمة، واقرأ قوله تعالى:
وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١-٤٢] وقال:
بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤].
وفي الرياح قال: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ.. [الحجر: ٢٢].
وبيان ذلك، أن الريح إنْ كانت مفردة تُعَدّ ريحاً مدمرة؛ لأنها تأتي من ناحية واحدة، والذي يقيم الأشياء ويحفظ توازنها أن الرياح تحيط بها من كل جانب فتستقيم، فالذي يدعم ناطحات السحاب مثلاً الهواء الذي يحيط بها، فإنْ أفرغتَ الهواء من ناحية منها انهارتْ نحو هذه الناحية؛ لذلك كانت الريح الواحدة من جنس العذاب، والرياح من جنس الرحمة، ألاَ ترى الأعاصير تدمر؛ لأنها تأتي من جهة واحدة؟
لكن، هل سخَّر الله تعالى لسليمان الرياح؟ أمْ سخَّر له الريح؟ قالوا: لم تُسخَّر لسليمان الرياح كلها، إنما ريحاً مخصوصة وظَّفها له وطوَّعها لأمره، وهذه الريح أعطتْ سليمان عليه السلام عزَّة ومنعة بحيث لا يَقْوَى أحد على مواجهته أو التصدي له.
لذلك كان هو -عليه السلام- النبي والملك الذي لم يحاربه أحد، ولم يجرؤ أحد على منازعته مُلْكَه ولا نبوته. كيف وفي يده من القوة ما لم يتوفر لغيره، فسلطانه سلطان قَهْر إنْ أراد شيئاً أذعن الجميع لإرادته.
أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت دعوته لاستمالة القلوب، لا لإرغام القوالب؛ لذلك خاطبه ربه بقوله:
إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء: ٤]...
ثم يذكر الحق سبحانه أمراً آخر مما خصَّ به سليمان عليه السلام: وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ.. ومعنى بِإِذْنِ رَبِّهِ.. أن المسألة كلها تسخير من الله لنبيه سليمان، وليس أمراً ذاتياً من عنده.
لذلك قال: وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا.. أي: يميل، أو ينحرف عنه، أو يعصاه نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ فأَمْر سليمان للجن من باطن أَمْر الله، ومَنْ يَعْصِ أمره كأنه عَصَى أمرنا.
آية رقم ١٣
... ومعنى اعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً.. [سبأ: ١٣] أى: شُكْراً لله على نعمه، لا لتقوتوا أنفسكم فحسب، إذن: فربُّك يُعلِّمك: لا تعمل على قدر حاجتك فحسب؛ لأن في مجتمعك مَنْ لا يقدر على العمل، فاعمل أنت أيها القادر على قَدْر طاقتك، وخُذْ لنفسك ما يكفيك، وتصدَّق بما فاض عنك لغير القادرين. ومعلوم أن شكر النعمة يقيدها أي يديمها بل ويزيدها، كما قال سبحانه:
لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ.. [إبراهيم: ٧].
أو: المعنى اعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً.. [سبأ: ١٣] أن أقدركم على العمل حتى تعولوا مَنْ لا يقدر على العمل وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣] يعني: قليل من الناس مَنْ يقابل نعمة الله بالشكر.
لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ.. [إبراهيم: ٧].
أو: المعنى اعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً.. [سبأ: ١٣] أن أقدركم على العمل حتى تعولوا مَنْ لا يقدر على العمل وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣] يعني: قليل من الناس مَنْ يقابل نعمة الله بالشكر.
آية رقم ١٦
قوله تعالى: فَأَعْرَضُواْ.. أي: عن المأمور به، وهو كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ.. [سبأ: ١٥] فلم يأكلوا من رزق الله، إنما أكلوا من سعيهم ومهارتهم -على حدِّ زعمهم- وهذه أول الخيبة، ثم لم يشكروا الله على هذه النعم؛ لأن النعم أترفتهم فنسوا شكرها.
وفَرْق بين ترف وأترف، نقول: ترف فلان أن تنعَّم. لكن أترف فلان، أي: غرَّته النعمة؛ لذلك قال تعالى: وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا.. [الإسراء: ١٦].
فلا بأس أنْ تتنعم، لكن المصيبة أن تُطغيك النعمة، وتغرّك، وأول طغيان بالنعمة أن تنسبها إلى نفسك فتقول: بمجهودي وشطارتي كالذي قال:
إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ.. [القصص: ٧٨] ثم أنْ تنسى المنعِم، فلا تشكره على النعمة...
وكلمة الإعراض تُعطِي شيئاً فوق الإهمال وفوق النسيان؛ لأن الإعراض أنْ تنصرف عن مُحدِّثك وتعطيه جانبك...
إذن: الإعراض تَرْك متعمَّد بلا مبالاة، أما السهو أو النسيان أو الخطأ أو عند النوم، فهذه كلها أمور مُعْفىً عنها، قد رفعها الله عنَّا رحمة بنا، فربُّك عز وجل لا يعاملك إلا على اليقظة والانتباه وتعمد الفعل.
واقرأ إنْ شئتَ قول ربك: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىٰ [طه: ١٢٤].
لماذا؟ لأن الإعراض فيه شبهة عدم اعتناء بالآمر، فالنكبة فيه أشدُّ على خلاف أنْ تكون معتنياً بالآمر، وبعد ذلك تتهم نفسك لأيِّ سبب آخر...
فماذا كانت نتيجة هذا الإعراض؟ يقول تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ.. أي: بعد أن انهار سدُّ العرم، فسال ماؤه، فأغرقهم، ومن العجيب أن الله تعالى جعل من الماء كل شيء حي، لكن إذا أراده سبحانه وسيلة هلاك أهلك، وبه أهلك اللهُ قومَ نوح، وبه أهلك فرعونَ وجنوده، وهذا من طلاقة قدرة الله، حيث يوجه الشيء للحياة فيُحيى، وللهلاك فيُهلك.
وبعد أنْ أفزعهم سيل العرم لماذا أرادوا الإقامة بعد ذلك أقاموا في أماكن لا ماء فيها، فإذا أرادوا الماء جلبوه من الآبار بالقِرَب، وكأن الماء أحدث لديهم (عقدة)...
والسيل: أن يسيل الماء على وجه الأرض بعد أن تشرَّبت منه قَدْر حاجتها، فما فاض عليها سال من مكان لآخر، والحق سبحانه يعلمنا: قبل أنْ نبحث عن مصادر الماء لا بُدَّ أنْ نبحث عن مصارفه حتى لا يغرقنا...
وفَرْق بين ترف وأترف، نقول: ترف فلان أن تنعَّم. لكن أترف فلان، أي: غرَّته النعمة؛ لذلك قال تعالى: وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا.. [الإسراء: ١٦].
فلا بأس أنْ تتنعم، لكن المصيبة أن تُطغيك النعمة، وتغرّك، وأول طغيان بالنعمة أن تنسبها إلى نفسك فتقول: بمجهودي وشطارتي كالذي قال:
إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ.. [القصص: ٧٨] ثم أنْ تنسى المنعِم، فلا تشكره على النعمة...
وكلمة الإعراض تُعطِي شيئاً فوق الإهمال وفوق النسيان؛ لأن الإعراض أنْ تنصرف عن مُحدِّثك وتعطيه جانبك...
إذن: الإعراض تَرْك متعمَّد بلا مبالاة، أما السهو أو النسيان أو الخطأ أو عند النوم، فهذه كلها أمور مُعْفىً عنها، قد رفعها الله عنَّا رحمة بنا، فربُّك عز وجل لا يعاملك إلا على اليقظة والانتباه وتعمد الفعل.
واقرأ إنْ شئتَ قول ربك: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىٰ [طه: ١٢٤].
لماذا؟ لأن الإعراض فيه شبهة عدم اعتناء بالآمر، فالنكبة فيه أشدُّ على خلاف أنْ تكون معتنياً بالآمر، وبعد ذلك تتهم نفسك لأيِّ سبب آخر...
فماذا كانت نتيجة هذا الإعراض؟ يقول تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ.. أي: بعد أن انهار سدُّ العرم، فسال ماؤه، فأغرقهم، ومن العجيب أن الله تعالى جعل من الماء كل شيء حي، لكن إذا أراده سبحانه وسيلة هلاك أهلك، وبه أهلك اللهُ قومَ نوح، وبه أهلك فرعونَ وجنوده، وهذا من طلاقة قدرة الله، حيث يوجه الشيء للحياة فيُحيى، وللهلاك فيُهلك.
وبعد أنْ أفزعهم سيل العرم لماذا أرادوا الإقامة بعد ذلك أقاموا في أماكن لا ماء فيها، فإذا أرادوا الماء جلبوه من الآبار بالقِرَب، وكأن الماء أحدث لديهم (عقدة)...
والسيل: أن يسيل الماء على وجه الأرض بعد أن تشرَّبت منه قَدْر حاجتها، فما فاض عليها سال من مكان لآخر، والحق سبحانه يعلمنا: قبل أنْ نبحث عن مصادر الماء لا بُدَّ أنْ نبحث عن مصارفه حتى لا يغرقنا...
آية رقم ١٧
ثم يقرر الحق تبارك وتعالى أن ما نزل بهم ليس ظلماً لهم، إنما جزاء ما فعلوا ذَٰلِكَ.. يعني: ما سبق ذِكْره من الأكل الخمط والأثل والسدر جَزَيْنَاهُمْ.. أي: جزاءً لهم بِمَا كَفَرُواْ.. والكفر سَتْر النعمة، وهؤلاء ستروا نعمة الله حين ظنوا أنهم يأكلون من جَهْدهم وسعيهم وملكهم، وستروا نعمة الله حين لم يلتفتوا إلى المنعم سبحانه ولم يشكروه، فما أطاعوا في
كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ.. [سبأ: ١٥] وما أطاعوا في وَاشْكُرُواْ لَهُ.. [سبأ: ١٥].
ثم يُنزه الحق سبحانه نفسه بهذا الاستفهام التقريري: وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ الْكَفُورَ وجاء بالكفور وهي صيغة مبالغة، ولم يقل سبحانه: الكافر، وهذا من رحمته سبحانه بعباده، فهو سبحانه لا يجازي منهم إلاَّ الكفور أي: المُصِرّ على الكفر المتمادي فيه.
كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ.. [سبأ: ١٥] وما أطاعوا في وَاشْكُرُواْ لَهُ.. [سبأ: ١٥].
ثم يُنزه الحق سبحانه نفسه بهذا الاستفهام التقريري: وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ الْكَفُورَ وجاء بالكفور وهي صيغة مبالغة، ولم يقل سبحانه: الكافر، وهذا من رحمته سبحانه بعباده، فهو سبحانه لا يجازي منهم إلاَّ الكفور أي: المُصِرّ على الكفر المتمادي فيه.
آية رقم ١٨
ونعلم أن أهل اليمن كانوا أهل تجارة بين اليمن والشام، فجعل الله لهم في طريق تجارتهم قُرًى ظَاهِرَةً.. يعني: متقاربة متواصلة، كانت بمثابة استراحات في الطريق... وذلك لبُعْد المسافة بين اليمن والشام... فأراد الحق سبحانه أنْ يُيسِّر لهم تلك الرحلات، وأنْ يقطعوها بلا مشقة.
وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ.. يعني: جعلنا سيرهم على مسافات متقاربة، فالقرى الظاهرة لهم في سيرهم والقريبة منهم بحيث يمرون بها ويروْنَها على طريقهم بلا مشقة، قرى مُوزَّعة على مسافات الطريق، بحيث كلما ساروا مسافة وجدوا قرية على سابلة الطريق.
وهذا يعني أنهم سيأمنون، لا يخيفهم شيء، وأنهم لا يحتاجون لِحَمْل زاد، فالقرى التى سيمرون بها تكفيهم مؤنة الطريق، ويجدون بها حاجتهم، وهذا أيضاً يعني أنهم لن يحتاجوا إلى دواب كثيرة للحمل.
والسير أي في الصباح ويقال كذلك للغدوة والروحة، ثم يُؤنسهم الحق سبحانه بهذا الأمر سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ بحيث يسير في الغدوة إلى مكان يقيل فيه، ويسير في الرواح إلى مكان يبيت فيه يعني: محطة للقيلولة ومحطة للبيتوتة. وهذا السير في ظل أمن وأمان ضَمِنه لهم الحق سبحانه، فلا يروعهم شيء لا من الناس، ولا من الوحوش.
وحين نقارن بين قوله تعالى هنا آمِنِينَ وبين قوله تعالى عن قريش:
الَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ٤] نجد أن الأمن يتوفر بالإطعام والأمان من الخوف، وهنا قال آمِنِينَ ولم يَقُل من خوف؛ لأن معنى آمِنِينَ [سبأ: ١٨] أي: الأمن التام آمنين من الخوف، وآمنين من الجوع؛ لأنه لم يُذكر مع آمِنِينَ [سبأ: ١٨] متعلق.
وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ.. يعني: جعلنا سيرهم على مسافات متقاربة، فالقرى الظاهرة لهم في سيرهم والقريبة منهم بحيث يمرون بها ويروْنَها على طريقهم بلا مشقة، قرى مُوزَّعة على مسافات الطريق، بحيث كلما ساروا مسافة وجدوا قرية على سابلة الطريق.
وهذا يعني أنهم سيأمنون، لا يخيفهم شيء، وأنهم لا يحتاجون لِحَمْل زاد، فالقرى التى سيمرون بها تكفيهم مؤنة الطريق، ويجدون بها حاجتهم، وهذا أيضاً يعني أنهم لن يحتاجوا إلى دواب كثيرة للحمل.
والسير أي في الصباح ويقال كذلك للغدوة والروحة، ثم يُؤنسهم الحق سبحانه بهذا الأمر سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ بحيث يسير في الغدوة إلى مكان يقيل فيه، ويسير في الرواح إلى مكان يبيت فيه يعني: محطة للقيلولة ومحطة للبيتوتة. وهذا السير في ظل أمن وأمان ضَمِنه لهم الحق سبحانه، فلا يروعهم شيء لا من الناس، ولا من الوحوش.
وحين نقارن بين قوله تعالى هنا آمِنِينَ وبين قوله تعالى عن قريش:
الَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ٤] نجد أن الأمن يتوفر بالإطعام والأمان من الخوف، وهنا قال آمِنِينَ ولم يَقُل من خوف؛ لأن معنى آمِنِينَ [سبأ: ١٨] أي: الأمن التام آمنين من الخوف، وآمنين من الجوع؛ لأنه لم يُذكر مع آمِنِينَ [سبأ: ١٨] متعلق.
آية رقم ١٩
تأمل هذا التعنت وهذا البطر لنعمة الله، حيث لم يعجبهم أنْ قَاربَ الله لهم بين القرى، فطلبوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا يعني: افصل بين هذه القرى بصحارٍ شاسعة، بحيث لا يستطيع السفر فيها إلا الأغنياء والقادرون الذين يملكون المطايا القوية القادرة على الحمل.
إذن: نظرتهم في هذه المسألة نظرة اقتصادية كلها جشع وطمع، فهم يريدون أنْ يحرموا الفقراء وغير القادرين من السفر للتجارة معهم، فحين تتقارب القرى وتكثر الاستراحات على طول الطريق، فلا يكاد المسافر يتجاوز قرية إلا بدَتْ له الأخرى من بعيد، فهذا يُسهِّل السفر على الفقراء الذين يركبون الدواب الضعيفة، فوسائل الامتطاء تختلف حسب قدرات الناس، فواحد على جواد، وواحد على ناقة، وواحد على حمار.
وقُرْب المسافات بين القرى شجَّع الفقراء على السفر لرحلة الشام؛ لذلك طلب هؤلاء أنْ يباعد الله بين هذه القرى فهو مطلب جَشِع أنانى؛ لذلك قال تعالى بعدها: وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ.. نعم ظلموا أنفسهم؛ لأنهم حرموها من الراحة التي جعلها الله لهم، وظلموا أنفسهم لأنهم أرادوا أنْ يحتكروا هذه التجارة، وألاَّ يخرج إليها غيرهم من الفقراء، أو ظلموا أنفسهم لأنهم أثبتوا لها عدم اكتمال الإيمان؛ لأن الإيمان لا يكتمل للمؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهؤلاء يحبون أنْ يستأثروا بالنعمة لأنفسهم، ويحرموا منها غيرهم.
لكن، كيف تكون المباعدة التي طلبوها في طريق تجارتهم؟ عرفنا من علم الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فاستقامة الطريق تُيسِّر الحركة فيه، وتقلِّل الوقت والمجهود، والمباعدة لا تكون إلا بتحطيم بعض القرى لتبعد المسافة بينها، أو بأنْ يلتوي الطريق، أو يدور هنا وهناك.
فكانت نتيجة هذا الجشع والبطر فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.. أى: أحدوثة يتحدث بها الناس أو (حدوتة) تُحكى، كما لو وقع مجرم في أيدي رجال الشرطة، فجعلوه عبرة لغيره حتى تحاكَى الناس به، كذلك أهل سبأ جعلهم الله عبرة لغيرهم حتى صارت سيرتهم مثلاً يُضرب، يقولون في المثل العربي الدال على التفرُّق: تفرقوا أيدي سبأ، يعني: تفرقوا بعد اجتماع كما تفرَّق أهل سبأ.
ومعنى وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.. أي: التمزيق والتفريق بكل أنواعه وطرقه، بحيث يتناول التمزيق كل الأجزاء مهما صَغُرَتْ.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ.. يعني: فيها عبر وعظات يستفيد منها العاقل في حياته.
لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ صبار وشكور من صيغ المبالغة، صبَّار مبالغة من الصبر؛ لأن هؤلاء ظلموا الفقراء واضطهدوهم، وأرادوا أنْ يقطعوا عليهم سبيل النعمة، وأن يستأثروا به لأنفسهم وقد تكرر منهم ذلك؛ لذلك لم يقل لكل صابر؛ لأنهم تحملوا من الأذى ما يحتاج إلى صبر كثير.
وقال أيضاً شَكُورٍ يعني: كثير الشكر لله أنْ أقْدره على أن يصبر...
إذن: نظرتهم في هذه المسألة نظرة اقتصادية كلها جشع وطمع، فهم يريدون أنْ يحرموا الفقراء وغير القادرين من السفر للتجارة معهم، فحين تتقارب القرى وتكثر الاستراحات على طول الطريق، فلا يكاد المسافر يتجاوز قرية إلا بدَتْ له الأخرى من بعيد، فهذا يُسهِّل السفر على الفقراء الذين يركبون الدواب الضعيفة، فوسائل الامتطاء تختلف حسب قدرات الناس، فواحد على جواد، وواحد على ناقة، وواحد على حمار.
وقُرْب المسافات بين القرى شجَّع الفقراء على السفر لرحلة الشام؛ لذلك طلب هؤلاء أنْ يباعد الله بين هذه القرى فهو مطلب جَشِع أنانى؛ لذلك قال تعالى بعدها: وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ.. نعم ظلموا أنفسهم؛ لأنهم حرموها من الراحة التي جعلها الله لهم، وظلموا أنفسهم لأنهم أرادوا أنْ يحتكروا هذه التجارة، وألاَّ يخرج إليها غيرهم من الفقراء، أو ظلموا أنفسهم لأنهم أثبتوا لها عدم اكتمال الإيمان؛ لأن الإيمان لا يكتمل للمؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهؤلاء يحبون أنْ يستأثروا بالنعمة لأنفسهم، ويحرموا منها غيرهم.
لكن، كيف تكون المباعدة التي طلبوها في طريق تجارتهم؟ عرفنا من علم الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فاستقامة الطريق تُيسِّر الحركة فيه، وتقلِّل الوقت والمجهود، والمباعدة لا تكون إلا بتحطيم بعض القرى لتبعد المسافة بينها، أو بأنْ يلتوي الطريق، أو يدور هنا وهناك.
فكانت نتيجة هذا الجشع والبطر فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.. أى: أحدوثة يتحدث بها الناس أو (حدوتة) تُحكى، كما لو وقع مجرم في أيدي رجال الشرطة، فجعلوه عبرة لغيره حتى تحاكَى الناس به، كذلك أهل سبأ جعلهم الله عبرة لغيرهم حتى صارت سيرتهم مثلاً يُضرب، يقولون في المثل العربي الدال على التفرُّق: تفرقوا أيدي سبأ، يعني: تفرقوا بعد اجتماع كما تفرَّق أهل سبأ.
ومعنى وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.. أي: التمزيق والتفريق بكل أنواعه وطرقه، بحيث يتناول التمزيق كل الأجزاء مهما صَغُرَتْ.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ.. يعني: فيها عبر وعظات يستفيد منها العاقل في حياته.
لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ صبار وشكور من صيغ المبالغة، صبَّار مبالغة من الصبر؛ لأن هؤلاء ظلموا الفقراء واضطهدوهم، وأرادوا أنْ يقطعوا عليهم سبيل النعمة، وأن يستأثروا به لأنفسهم وقد تكرر منهم ذلك؛ لذلك لم يقل لكل صابر؛ لأنهم تحملوا من الأذى ما يحتاج إلى صبر كثير.
وقال أيضاً شَكُورٍ يعني: كثير الشكر لله أنْ أقْدره على أن يصبر...
آية رقم ٢٢
ينتقل الحق سبحانه إلى قضية عامة، هي قضية هؤلاء القوم الذين يعبدون غير الله ويجادلهم، ليُظهِر لهم فساد مسلكهم وبطلان عبادتهم دون الله، وقد ردَّ هؤلاء فقالوا:
مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣].
ونقول أولاً: ما هي العبادة؟ العبادة أن يطيع العابدُ أمرَ معبوده ونهيه، فإذا كان الكفار يعبدون الشمس أو القمر أو الأصنام... إلخ بماذا أمرتهم هذه الآلهة؟ وعن أي شيء نهَتْهم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها من الثواب؟ وماذا أعدتْ لمن كفر بها من عقاب؟
إذن: أنتم كاذبون في كلمة نعبدهم، وإذا كنتم تعبدونهم ليقربوكم إلى الله زُلْفى، فلماذا لا تتوجهون بالعبادة إلى الله مباشرة؟ فكيف تعبدون آلهة بلا منهج ولا عمل لها فيمن عبدها، ولا عمل لها فيمن كفر بعبادتها؟
وهذه المخلوقات التي يعبدونها من دون الله مخلوقة لله مُسخَّرة له سبحانه مُسبِّحة، وهي بريئة من هذا الشرك ولا ترضاه، بل هي أعبد لله منهم؛ لذلك نطقتْ الأحجار على لسان هذا الشاعر. وقالت:
فالحق سبحانه يناقشهم في هذه المسألة: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ.. ادعوا هذه الآلهة المدَّعَاة، لكنهم لم يَدْعُوا، لعلمهم أن آلهتَهم المزعومة لن تجيب؛ لذلك أكمل الله لهم وأظهر لهم النتيجة: لو دعوتُم هذه الآلهة، فإنهم لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ...
فعلام إذن تعبدونهم، وهم لا يملكون شيئاً، ولم يصنعوا لكم معروفاً، ولا قدَّموا لكم خدمة وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا.. أي: في السماوات والأرض مِن شِرْكٍ.. يعني: مع الله، أي ليس لهم مع الله شركة في مسألة الخَلْق وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ يعني: لم يعاونوا الله حين خلق السماوات والأرض، والظهير هو المعين القوي...
وحين تصطدم الفطرة السَّوية والتديُّن الطبيعي بشهوات النفس يبحث الإنسان عن تديُّن يُرضي شهواته ويُشبع غرائزه، فهو يريد أنْ يكون متديناً، وفي الوقت ذاته يريد ألاَّ تُقيَّد شهواته، فماذا يفعل؟ يلجأ إلى عبادة آلهة بلا منهج وبلا تكاليف، ومن هنا عبد الناسُ غير الله، ودَعْك ممن عبدوا الأَشجار والأحجار، وتأمل الذين عبدوا الملائكة مثلاً، هل أمرتهم بشيء أو نهتهم عن شيء؟
لذلك الحق سبحانه يقول: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ.. ولو بحثنا مسألة الشركاء بالعقل لظهر بطلانها وكذبها، فإذا كان لله تعالى شركاء، ومعه سبحانه آلهة أخرى، فأين هم؟ أدرَوْا بأن الله تعالى استبدَّ بالألوهية، وشهد بها لنفسه، وأعلنها صراحة من دونهم؟ إنْ كانوا على دراية بذلك، فلما تركوه سبحانه يستبد بالألوهية؟ وإنْ كانوا لم يدروا بذلك فهم آلهة نيام؟ وفي كلتا الحالتين لا يستحقون هذه الألوهية.
لذلك الحق سبحانه يمسُّ هذه القضية مسَّاً جميلاً، فيقول:
قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢] يعني: لو كان صحيحاً وجود آلهة مع الله لَذَهبوا إليه ليناقشوه، لماذا استبدَّ بالألوهية من دونهم، أو لذَهبوا إليه ليتقوه، وليتقربوا إليه.
وأرقى ما يعبد المشركون يعبدون الملائكة، وكأن عبادتهم أصبحتْ قريبة من عبادة الله، والله يقول عن الملائكة:
بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].
ويردُّ القرآن عليهم:
أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ.. [الإسراء: ٥٧].
فهؤلاء الملائكة الذين تعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يتقربون إلى الله ويتوسَّلون إليه، الأقرب منهم يتوسَّل إلى الله، ويحب أن يكون أكثر قُرْباً، فإذا كان الأقرب هو الذي يبتغي الوسيلة والقرب، فما بالك بالقريب؟ وما بالك بالبعيد والأبعد؟
إذن: أنتم أغبياء بعبادتكم الملائكة، وهل تظنون أن خَلْقاً من خَلْق الله كالملائكة يرضى أنْ تعبدوه من دون الله، أو يقبل أنْ يشفع لك عند الله، هذا سَفَه في التفكير.
فالحق سبحانه وضع شروطاً للشفاعة، فقال:
يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً [طه: ١٠٩].
مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣].
ونقول أولاً: ما هي العبادة؟ العبادة أن يطيع العابدُ أمرَ معبوده ونهيه، فإذا كان الكفار يعبدون الشمس أو القمر أو الأصنام... إلخ بماذا أمرتهم هذه الآلهة؟ وعن أي شيء نهَتْهم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها من الثواب؟ وماذا أعدتْ لمن كفر بها من عقاب؟
إذن: أنتم كاذبون في كلمة نعبدهم، وإذا كنتم تعبدونهم ليقربوكم إلى الله زُلْفى، فلماذا لا تتوجهون بالعبادة إلى الله مباشرة؟ فكيف تعبدون آلهة بلا منهج ولا عمل لها فيمن عبدها، ولا عمل لها فيمن كفر بعبادتها؟
وهذه المخلوقات التي يعبدونها من دون الله مخلوقة لله مُسخَّرة له سبحانه مُسبِّحة، وهي بريئة من هذا الشرك ولا ترضاه، بل هي أعبد لله منهم؛ لذلك نطقتْ الأحجار على لسان هذا الشاعر. وقالت:
فالحق سبحانه يناقشهم في هذه المسألة: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ.. ادعوا هذه الآلهة المدَّعَاة، لكنهم لم يَدْعُوا، لعلمهم أن آلهتَهم المزعومة لن تجيب؛ لذلك أكمل الله لهم وأظهر لهم النتيجة: لو دعوتُم هذه الآلهة، فإنهم لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ...
فعلام إذن تعبدونهم، وهم لا يملكون شيئاً، ولم يصنعوا لكم معروفاً، ولا قدَّموا لكم خدمة وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا.. أي: في السماوات والأرض مِن شِرْكٍ.. يعني: مع الله، أي ليس لهم مع الله شركة في مسألة الخَلْق وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ يعني: لم يعاونوا الله حين خلق السماوات والأرض، والظهير هو المعين القوي...
وحين تصطدم الفطرة السَّوية والتديُّن الطبيعي بشهوات النفس يبحث الإنسان عن تديُّن يُرضي شهواته ويُشبع غرائزه، فهو يريد أنْ يكون متديناً، وفي الوقت ذاته يريد ألاَّ تُقيَّد شهواته، فماذا يفعل؟ يلجأ إلى عبادة آلهة بلا منهج وبلا تكاليف، ومن هنا عبد الناسُ غير الله، ودَعْك ممن عبدوا الأَشجار والأحجار، وتأمل الذين عبدوا الملائكة مثلاً، هل أمرتهم بشيء أو نهتهم عن شيء؟
لذلك الحق سبحانه يقول: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ.. ولو بحثنا مسألة الشركاء بالعقل لظهر بطلانها وكذبها، فإذا كان لله تعالى شركاء، ومعه سبحانه آلهة أخرى، فأين هم؟ أدرَوْا بأن الله تعالى استبدَّ بالألوهية، وشهد بها لنفسه، وأعلنها صراحة من دونهم؟ إنْ كانوا على دراية بذلك، فلما تركوه سبحانه يستبد بالألوهية؟ وإنْ كانوا لم يدروا بذلك فهم آلهة نيام؟ وفي كلتا الحالتين لا يستحقون هذه الألوهية.
لذلك الحق سبحانه يمسُّ هذه القضية مسَّاً جميلاً، فيقول:
قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢] يعني: لو كان صحيحاً وجود آلهة مع الله لَذَهبوا إليه ليناقشوه، لماذا استبدَّ بالألوهية من دونهم، أو لذَهبوا إليه ليتقوه، وليتقربوا إليه.
وأرقى ما يعبد المشركون يعبدون الملائكة، وكأن عبادتهم أصبحتْ قريبة من عبادة الله، والله يقول عن الملائكة:
بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].
ويردُّ القرآن عليهم:
أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ.. [الإسراء: ٥٧].
فهؤلاء الملائكة الذين تعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يتقربون إلى الله ويتوسَّلون إليه، الأقرب منهم يتوسَّل إلى الله، ويحب أن يكون أكثر قُرْباً، فإذا كان الأقرب هو الذي يبتغي الوسيلة والقرب، فما بالك بالقريب؟ وما بالك بالبعيد والأبعد؟
إذن: أنتم أغبياء بعبادتكم الملائكة، وهل تظنون أن خَلْقاً من خَلْق الله كالملائكة يرضى أنْ تعبدوه من دون الله، أو يقبل أنْ يشفع لك عند الله، هذا سَفَه في التفكير.
فالحق سبحانه وضع شروطاً للشفاعة، فقال:
يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً [طه: ١٠٩].
آية رقم ٢٣
قال العلماء: يُشترط للشفاعة شرط في المشفوع له أن يكون من أهل التوحيد، وشرط في الشافع أن يُؤذن له بالشفاعة، كما قال تعالى:
مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ.. [البقرة: ٢٥٥] فلا يقوم الشافع فيشفع مباشرة، إنما ينتظر أنْ يُؤذَن له بها، وهنا يضطرب المشفوع له ويفزع، ويكون قلقاً، يا ترى أيُؤذن للشافع؟ أم تُرَد شفاعته؟
لذلك يقول تعالى: حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ.. يعني: أُزيل عنها الفزع. فالتضعيف في (فُزِّع) أفاد إزالة الحدث المأخوذ منه الفعل...
قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ.. أي: قال القول الحق، وأذِن بالشفاعة لمن ارتضى.
وقال تعالى: وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ.. ولم يقُلْ تُقبل الشفاعة؛ لأن هدف الشافع أن تنفع الشفاعةُ المشفوعَ له، فإذا ما ذهب ليشفع له قال له المشفوع عنده: أنا لا أرضى أنْ تشفع للمشفوع له، فالذي انتفى نَفْع الشفاعة لا قبولها، ففَرْق بين أنْ توجد الشفاعة، وبين أنْ تنفع الشفاعة...
وسُمِّيت شفاعة؛ لأن الشَّفْع يقابل الوتر، وصاحب الحاجة الذي يطلب الشفاعة واحد، فإذا انضم إليه الشافع، فهما اثنان يعني: شفع.
ثم يقول سبحانه في ختام الآية: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣] عليٌّ أن يُناقَش في أي قرار يتخذه، وكبير يعني أكبر من الشافع، وأكبر من المشفوع له. فالحق سبحانه قال الحقُّ ونطق به، وهذا يعني أنه وقف بجانب الحق، فلم يعبأ بشافع مهما كانت منزلته، ولا بمشفوع له مهما كانت ذِلَّته ورِقَّته؛ لأنه سبحانه هو العليُّ الكبير.
وبعد ذلك يعود الحق سبحانه إلى مناقشة المسألة مناقشة عقلية، فيقول:
قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ....
مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ.. [البقرة: ٢٥٥] فلا يقوم الشافع فيشفع مباشرة، إنما ينتظر أنْ يُؤذَن له بها، وهنا يضطرب المشفوع له ويفزع، ويكون قلقاً، يا ترى أيُؤذن للشافع؟ أم تُرَد شفاعته؟
لذلك يقول تعالى: حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ.. يعني: أُزيل عنها الفزع. فالتضعيف في (فُزِّع) أفاد إزالة الحدث المأخوذ منه الفعل...
قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ.. أي: قال القول الحق، وأذِن بالشفاعة لمن ارتضى.
وقال تعالى: وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ.. ولم يقُلْ تُقبل الشفاعة؛ لأن هدف الشافع أن تنفع الشفاعةُ المشفوعَ له، فإذا ما ذهب ليشفع له قال له المشفوع عنده: أنا لا أرضى أنْ تشفع للمشفوع له، فالذي انتفى نَفْع الشفاعة لا قبولها، ففَرْق بين أنْ توجد الشفاعة، وبين أنْ تنفع الشفاعة...
وسُمِّيت شفاعة؛ لأن الشَّفْع يقابل الوتر، وصاحب الحاجة الذي يطلب الشفاعة واحد، فإذا انضم إليه الشافع، فهما اثنان يعني: شفع.
ثم يقول سبحانه في ختام الآية: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣] عليٌّ أن يُناقَش في أي قرار يتخذه، وكبير يعني أكبر من الشافع، وأكبر من المشفوع له. فالحق سبحانه قال الحقُّ ونطق به، وهذا يعني أنه وقف بجانب الحق، فلم يعبأ بشافع مهما كانت منزلته، ولا بمشفوع له مهما كانت ذِلَّته ورِقَّته؛ لأنه سبحانه هو العليُّ الكبير.
وبعد ذلك يعود الحق سبحانه إلى مناقشة المسألة مناقشة عقلية، فيقول:
قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ....
آية رقم ٢٤
أي: قُلْ لهم يا محمد: من يرزقكم من السماوات والأرض؟ لكن إذا كان محمد هو المستفهم منهم، فمَنْ يجيب؟ بالطبع هم لن يجيبوا؛ لذلك أجاب الله (قل الله) فهذه حقيقة لا يستطيعون مجابهتها، ولو اعترفوا بها لقُلْنا لهم إذن: لماذا لم تؤمنوا بالله وهو رازقكم؟
أيليق بكم أنْ تكفروا به وهو الرازق، وتؤمنوا بآلهة أخرى لا تنفعكم ولا تضركم؟ فاعترافهم بهذه الحقيقة يلزمهم الحجة، ويقيم عليهم الدليل على سَفَه تفكيرهم، وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يُعفيهم من هذا الحرج، فأجاب بدلاً منهم.
والحق سبحانه يسألهم هذا السؤال؛ لأن الإجابة لن تكون إلا على وَفْق مراده سبحانه وتعالى...
وقوله سبحانه وتعالى: وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ.
الهدى: هو الدلالة على الخير والطريق إليه، والضلال: أن تضلَّ عن الخير والدلالة إليه، ومنه قوله تعالى:
وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ [الضحى: ٧].
والهدى والضلال من المتناقضات في الدين، والمتناقضان لا يجتمعان أبداً، فلا بُدَّ أنْ يكون واحد على هدى والآخر على ضلال. كثيرون لا يفهمون الفرق بين الضد والنقيض، الضد شيء يضادّ شيئاً، لكن لا ينفيه، كما تقول مثلاً: الشيء الفلاني أحمر أم أخضر؟ فيقول لك: لا أحمر ولا أخضر إنما أبيض، إذن: الضِّدان لا يجتمعان وقد يرتفعان معاً، لا هذا ولا هذا، بل شيء آخر. أما النقيضان فإنِ ارتفع واحد ثبتَ الآخر، كما هنا في الهدى والضلال.
فمعنى وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ إنْ كان أحدنا على الهدى فلا بُدَّ أنْ يكون الآخر في الضلال، ولا ثالث لهما، والحديث هنا عن منهج خير في جانب الإيمان، ومنهج شرٍّ في جانب الكفر، فرسول الله يقول لهم: نحن وأنتم على طرفي نقيض، نحن نقول لا إله إلا الله وندعو إلى الخير، وأنتم تكفرون بالله وتدعون إلى الشر، ومع ذلك لا أحكم لي بالهدى، ولا عليكم بالضلال، بل أقول: أنا وأنتم على النقيض، إنْ كان أحدنا على الهدى فالآخر في الضلال.
بالله عليكم، هل رأيتم حِجَاجاً أرقّ من هذا الحِجَاج؟ فرسول الله لم يحكم لنفسه وللمؤمنين معه بالهدى رغم وضوحه في جانبهم، ولم يحكم على الكفار بالضلال رغم وضوحه في جانبهم، ومثال ذلك، لو حلف رجلان على شيء واحد أمام رجل أعمى أيقول لواحد: أنت صادق، وللآخر أنت كاذب؟ لا، بل يقول: واحد منكما صادق، والآخر كاذب، فهذا حكم أوَّلي لا يُلزم أحداً.
لكن، حين تبحث القضية يتضح لك مَنْ على هدى ومَنْ في ضلال وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ كلمة لَعَلَىٰ هُدًى على تفيد الاستعلاء، كأن الهدى لا يستعلي عليك، وإنما تستعلي أنت على الهدى وتكون فوقه، كأنه مطية توصِّلك للخير المطلوب وللطريق المستقيم، فساعةَ تقرأ (عَلَى) فاعلم أن هناك مكاناً عالياً، وهناك ما هو دون هذا...
إذن: نقول لَعَلَىٰ هُدًى.. أى: أن الهدى سيكون مطيتك التي توصلك إلى الجنة وإلى النعيم، أما الضلال فقال فِي ضَلاَلٍ.. وكأنها ظلمة تحيط بالضالِّ وهو يتخبط فيها، لا يدري أين يذهب، ومعنى مُّبِينٍ واضح بيِّن.
أيليق بكم أنْ تكفروا به وهو الرازق، وتؤمنوا بآلهة أخرى لا تنفعكم ولا تضركم؟ فاعترافهم بهذه الحقيقة يلزمهم الحجة، ويقيم عليهم الدليل على سَفَه تفكيرهم، وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يُعفيهم من هذا الحرج، فأجاب بدلاً منهم.
والحق سبحانه يسألهم هذا السؤال؛ لأن الإجابة لن تكون إلا على وَفْق مراده سبحانه وتعالى...
وقوله سبحانه وتعالى: وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ.
الهدى: هو الدلالة على الخير والطريق إليه، والضلال: أن تضلَّ عن الخير والدلالة إليه، ومنه قوله تعالى:
وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ [الضحى: ٧].
والهدى والضلال من المتناقضات في الدين، والمتناقضان لا يجتمعان أبداً، فلا بُدَّ أنْ يكون واحد على هدى والآخر على ضلال. كثيرون لا يفهمون الفرق بين الضد والنقيض، الضد شيء يضادّ شيئاً، لكن لا ينفيه، كما تقول مثلاً: الشيء الفلاني أحمر أم أخضر؟ فيقول لك: لا أحمر ولا أخضر إنما أبيض، إذن: الضِّدان لا يجتمعان وقد يرتفعان معاً، لا هذا ولا هذا، بل شيء آخر. أما النقيضان فإنِ ارتفع واحد ثبتَ الآخر، كما هنا في الهدى والضلال.
فمعنى وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ إنْ كان أحدنا على الهدى فلا بُدَّ أنْ يكون الآخر في الضلال، ولا ثالث لهما، والحديث هنا عن منهج خير في جانب الإيمان، ومنهج شرٍّ في جانب الكفر، فرسول الله يقول لهم: نحن وأنتم على طرفي نقيض، نحن نقول لا إله إلا الله وندعو إلى الخير، وأنتم تكفرون بالله وتدعون إلى الشر، ومع ذلك لا أحكم لي بالهدى، ولا عليكم بالضلال، بل أقول: أنا وأنتم على النقيض، إنْ كان أحدنا على الهدى فالآخر في الضلال.
بالله عليكم، هل رأيتم حِجَاجاً أرقّ من هذا الحِجَاج؟ فرسول الله لم يحكم لنفسه وللمؤمنين معه بالهدى رغم وضوحه في جانبهم، ولم يحكم على الكفار بالضلال رغم وضوحه في جانبهم، ومثال ذلك، لو حلف رجلان على شيء واحد أمام رجل أعمى أيقول لواحد: أنت صادق، وللآخر أنت كاذب؟ لا، بل يقول: واحد منكما صادق، والآخر كاذب، فهذا حكم أوَّلي لا يُلزم أحداً.
لكن، حين تبحث القضية يتضح لك مَنْ على هدى ومَنْ في ضلال وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ كلمة لَعَلَىٰ هُدًى على تفيد الاستعلاء، كأن الهدى لا يستعلي عليك، وإنما تستعلي أنت على الهدى وتكون فوقه، كأنه مطية توصِّلك للخير المطلوب وللطريق المستقيم، فساعةَ تقرأ (عَلَى) فاعلم أن هناك مكاناً عالياً، وهناك ما هو دون هذا...
إذن: نقول لَعَلَىٰ هُدًى.. أى: أن الهدى سيكون مطيتك التي توصلك إلى الجنة وإلى النعيم، أما الضلال فقال فِي ضَلاَلٍ.. وكأنها ظلمة تحيط بالضالِّ وهو يتخبط فيها، لا يدري أين يذهب، ومعنى مُّبِينٍ واضح بيِّن.
آية رقم ٢٥
هذا تلطف آخر وارتقاء فى حِجَاجِ الكفار يُظهِر مدى حرص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يستلَّ الضغينة من نفوس الكفار، وتأمل: لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا.. فيجعل رسول الله الإجرام في جانبه وهو ولم يُسَوِّ هذه المرة بين الطرفين، كما قال هناك وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ.. [سبأ: ٢٤] إنما وصف فِعْله بالإجرام وقال عن الكفار وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ولم يَقُل تجرمون.
وفي الآية دقيقة أخرى، هي ورود (أَجْرَمْنَا) بصيغة الماضي، كأن الإجرام حدث بالفعل، أما هم فورد الفعل (تَعْلَمُونَ) بصيغة المضارع؛ ليدل على أنه لم يحدث منهم بعد، وهذا تلطف آخر، وارتقاء في النقاش، وتودُّد إلى الخَصْم عَلَّه يرعوى، فيفرح الله بتوبته وعودته إلى رحابه.
وهذا الأسلوب الجدلي في الآيتين لا يتأتَّى إلا من المجادل القوي الحجة الذي لا تنزله عنها زَلَّة سابقة من خَصْمه. ومثل ذلك قولنا في المناقشة: سلَّمنا جدلاً بكذا وكذا، ونرضى لأنفسنا بالأقل، لماذا؟ لأنك تعلم أنك على الحق، وقوة الجدل لديك تجعلك على ثقة بأن البحث في المسألة سينتهي لصالحك.
لكن، مع ذلك كيف يأمر الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أنْ ينسب الإجرام إلى نفسه؟ قالوا: لأن الجُرْم يختلف باختلاف المخاطب به، كما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ثم تنتهي الآيات إلى خلاصة هذه القضية في قوله تعالى:
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ....
وفي الآية دقيقة أخرى، هي ورود (أَجْرَمْنَا) بصيغة الماضي، كأن الإجرام حدث بالفعل، أما هم فورد الفعل (تَعْلَمُونَ) بصيغة المضارع؛ ليدل على أنه لم يحدث منهم بعد، وهذا تلطف آخر، وارتقاء في النقاش، وتودُّد إلى الخَصْم عَلَّه يرعوى، فيفرح الله بتوبته وعودته إلى رحابه.
وهذا الأسلوب الجدلي في الآيتين لا يتأتَّى إلا من المجادل القوي الحجة الذي لا تنزله عنها زَلَّة سابقة من خَصْمه. ومثل ذلك قولنا في المناقشة: سلَّمنا جدلاً بكذا وكذا، ونرضى لأنفسنا بالأقل، لماذا؟ لأنك تعلم أنك على الحق، وقوة الجدل لديك تجعلك على ثقة بأن البحث في المسألة سينتهي لصالحك.
لكن، مع ذلك كيف يأمر الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أنْ ينسب الإجرام إلى نفسه؟ قالوا: لأن الجُرْم يختلف باختلاف المخاطب به، كما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ثم تنتهي الآيات إلى خلاصة هذه القضية في قوله تعالى:
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ....
آية رقم ٢٦
المعنى: لن نطيل معكم النقاش والحجة؛ لأننا نتكلم بالحق وأنتم تتلاعبون بالباطل، فالخلاصة معكم أنْ يفصل اللهُ بيننا وبينكم في محكمته الإلهية قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا.. أي: يوم القيامة ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ.. أي: يحكم ويقضي، وفي بعض بلادنا حتى الآن يقولون للقاضى: الفتاح وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ أي: الذي يحكم عن علم كامل، ولا تَخْفى عليه خافية.
وسُمِّي الحكم فَتْحاً، لأنه يفتح شيئاً عن شيء ويحدث فُرْجة بينهما، فكأنهما كانا متشابكين، بحيث يلتبس الحق بالباطل، وكأنها معركة، فيأتي الحكم فيفضُّ هذا الاشتباك، وفَضُّ الاشتباك هذا هو الفتح، ولا يفتح بين الحق والباطل إلا الله.
وسُمِّي الحكم فَتْحاً، لأنه يفتح شيئاً عن شيء ويحدث فُرْجة بينهما، فكأنهما كانا متشابكين، بحيث يلتبس الحق بالباطل، وكأنها معركة، فيأتي الحكم فيفضُّ هذا الاشتباك، وفَضُّ الاشتباك هذا هو الفتح، ولا يفتح بين الحق والباطل إلا الله.
آية رقم ٢٧
الحق سبحانه يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لهم: أروني الذين أشركتم مع الله، وهو صلى الله عليه وسلم يراهم بالفعل، يرى أصنامهم التي يعبدونها من دون الله، فما فائدة أَرُونِيَ..؟ قالوا: لأنه حين يطلب منهم هذا المطلب يعلم أنهم يَسْتحون أنْ يشيروا إليها، ولا يجرؤون على ذلك؛ لأنهم يعلمون أنها أحجار صَمَّاء، لا تضر ولا تنفع.
ومعنى أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ.. من الإلحاق، وهو أنْ تأتي بشيء جديد تُلحقه بشيء ثابت، فكأن ألوهية الله هي الألوهية الحق الثابتة، وآلهتهم الجديدة طارئة عليها، ليست أصيلة، فالإيمان ثابت وأصيل وفطريٌّ في النفس الإنسانية، أما هذه الآلهة فمُحْدثة طارئة باطلة، لذلك ينفيها بقوله كَلاَّ...
ثم يُضرب عن هذا الكلام السابق ليثبت الألوهية لله وحده بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحْكِيمُ و (بل) تفيد الإضراب عما قبلها وإثبات الحكم لما بعدها، فالإله الحق هو الله...
وقوله: بَلْ هُوَ اللَّهُ.. جاء هنا أيضاً بضمير الغيبة (هُوَ)، ومعلوم أن ضمير الغيبة لا يأتي إلا إذا سبقه مرجع، تقول: جاءني على فأكرمتُه، إلا مع الله سبحانه وتعالى، فإن هو تسبق المرجع بَلْ هُوَ اللَّهُ.. لماذا؟ قلنا: لأنه ضمير لا ينصرف إلا لغائب واحد هو الموجود الأعلى سبحانه.
ثم يقول الحق سبحانه:
وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً....
ومعنى أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ.. من الإلحاق، وهو أنْ تأتي بشيء جديد تُلحقه بشيء ثابت، فكأن ألوهية الله هي الألوهية الحق الثابتة، وآلهتهم الجديدة طارئة عليها، ليست أصيلة، فالإيمان ثابت وأصيل وفطريٌّ في النفس الإنسانية، أما هذه الآلهة فمُحْدثة طارئة باطلة، لذلك ينفيها بقوله كَلاَّ...
ثم يُضرب عن هذا الكلام السابق ليثبت الألوهية لله وحده بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحْكِيمُ و (بل) تفيد الإضراب عما قبلها وإثبات الحكم لما بعدها، فالإله الحق هو الله...
وقوله: بَلْ هُوَ اللَّهُ.. جاء هنا أيضاً بضمير الغيبة (هُوَ)، ومعلوم أن ضمير الغيبة لا يأتي إلا إذا سبقه مرجع، تقول: جاءني على فأكرمتُه، إلا مع الله سبحانه وتعالى، فإن هو تسبق المرجع بَلْ هُوَ اللَّهُ.. لماذا؟ قلنا: لأنه ضمير لا ينصرف إلا لغائب واحد هو الموجود الأعلى سبحانه.
ثم يقول الحق سبحانه:
وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً....
آية رقم ٣٠
ثم يأمر الله تعالى نبيه أنْ يرد عليهم: قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ هو يوم النصر عليهم، كما في يوم بدر، حيث أذاقهم الله الذلة والهوان والموت، وقضى على جبروتهم، أو هو يوم القيامة.
والذي ضرب لكم هذا الميعاد هو القادر على إنفاذه، وليست هناك قوة تمنعه سبحانه أنْ يفي بما وعد، أو حتى يُؤخِّره لحظة واحدة، وهو سبحانه العليم بأن الآيات الكونية لا تشذّ عما أراد سبحانه.
وسبق أن بينَّا أن البشر حين يَعِدُون لا يملكون أسباب الوفاء بوعودهم، لذلك علَّمنا ربنا -عز وجل- أن نحتاط لذلك؛ فقال سبحانه:
وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ.. [الكهف: ٢٣-٢٤].
لأن الله يحب لعبده أن يكون صادقاً، فحين يعلق فِعْله على مشيئة الله يُعْفِي نفسه من الكذب وإخلاف الوعد حين عدم الوفاء خاصة، وهو لا يملك عنصراً واحداً من عناصره، إذن: اطرح المسألة على مَنْ يملك كل هذه العناصر؛ لذلك نُسمِّي الوعد من الناس وَعْداً ومن الله الوعد الحق يعني: الذي لا يتخلف أبداً.
ومعنى لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ أنه ميعاد مضبوط، وكان الحق سبحانه يريد بذلك أنْ يستقبل الإنسانُ كلَّ المعطيات التي منحه الله، وأنْ تظل دائماً في ذهنه لا يغفل عنها.
وجاء (يَوْمٍ) نكرة مبهمة، والإبهام هنا هو عَيْن البيان، كما سبق أنْ أوضحنا، فحين يبهم اللهُ مثلاً أجلَ الإنسان يظل دائماً متذكراً له، ينتظره في أي وقت، ويتوقعه في كل نفَس، وفي كل لحظة دون أنْ يربطه بمرض أو غيره، فالموت من دون أسباب هو السبب.
والذي ضرب لكم هذا الميعاد هو القادر على إنفاذه، وليست هناك قوة تمنعه سبحانه أنْ يفي بما وعد، أو حتى يُؤخِّره لحظة واحدة، وهو سبحانه العليم بأن الآيات الكونية لا تشذّ عما أراد سبحانه.
وسبق أن بينَّا أن البشر حين يَعِدُون لا يملكون أسباب الوفاء بوعودهم، لذلك علَّمنا ربنا -عز وجل- أن نحتاط لذلك؛ فقال سبحانه:
وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ.. [الكهف: ٢٣-٢٤].
لأن الله يحب لعبده أن يكون صادقاً، فحين يعلق فِعْله على مشيئة الله يُعْفِي نفسه من الكذب وإخلاف الوعد حين عدم الوفاء خاصة، وهو لا يملك عنصراً واحداً من عناصره، إذن: اطرح المسألة على مَنْ يملك كل هذه العناصر؛ لذلك نُسمِّي الوعد من الناس وَعْداً ومن الله الوعد الحق يعني: الذي لا يتخلف أبداً.
ومعنى لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ أنه ميعاد مضبوط، وكان الحق سبحانه يريد بذلك أنْ يستقبل الإنسانُ كلَّ المعطيات التي منحه الله، وأنْ تظل دائماً في ذهنه لا يغفل عنها.
وجاء (يَوْمٍ) نكرة مبهمة، والإبهام هنا هو عَيْن البيان، كما سبق أنْ أوضحنا، فحين يبهم اللهُ مثلاً أجلَ الإنسان يظل دائماً متذكراً له، ينتظره في أي وقت، ويتوقعه في كل نفَس، وفي كل لحظة دون أنْ يربطه بمرض أو غيره، فالموت من دون أسباب هو السبب.
آية رقم ٣١
قولهم لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا الْقُرْآنِ.. يدل على لجلجتهم، ففي موضع آخر حكى القرآن عنهم قولهم:
لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] ومعنى هذا أن القرآن لا غُبارَ عليه ولا اعتراضَ، الاعتراض على مَنْ نزل عليه القرآن، كذلك من الغباء قولهم:
إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ.. [القصص: ٥٧] فاعترفوا أنه جاء بالهدى.
ومثله قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ.. [المنافقون: ٧].
صحيح، الباطل لجلج، يتخبط هنا وهناك في تفكير مُشوّش ليس له سِيال واحد، وهذا التخبط يكشف ما هم عليه من الباطل، وقلنا: إن المحقق الماهر هو الذي يصل إلى الحقيقة من خلال مناقشة المتهم مناقشة تُوقعه دون أن يدري، ذلك لأن المتكلم بالحق يحكي واقعاً على هيئة واحدة، فمهما أعدْتَ عليه السؤال يُجِب إجابة واحدة.
أمّا الكاذب فلا يحكي واقعاً، إنما يحكي كذباً واختلاقاً لا بُدَّ أن ينتهي بتضارب في أقواله...
بعد أن قالوا هذا الكلام أراد الحق سبحانه أن يُفظع الرد عليهم فقال: وَلَوْ تَرَىٰ.. يعني: يا محمد إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ.. يعني: بين يدي الله، ينتظرون الفصل والحساب.
تعلمون أن (لَوْ) أداة شرط تحتاج إلى جواب، هذا الجواب حُذِف من سياق الآية ليدلَّ على التهويل والتفظيع. وتقديره: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم.. لرأيتَ أمراً عظيماً، وهذا الأسلوب تذهب فيه النفس كلَّ مذهب، ونتصور ألوان العذاب والذلة التي يعانيها الكفار في هذا الموقف بين يدي الله عز وجل، فحَذْف الجواب هنا أبلغ من ذِكره...
ثم تستمر الآية في وصف موقف هؤلاء الظالمين بين يد الله تعالى، ويا ليتها تنتهي عند الذلة والانكسار، إنما يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يعني: يتجادلون ويتناقشون، يرمي كل منهم باللائمة على الآخر، ومعنى (يرجع) من المراجعة، فواحد يقول، والآخر يردُّ كلامه ويُنكِره، وفي القرآن مواضع كثيرة تحكى هذه المراجعة بين الأتباع والمتبوعين، وهنا نموذج منها:
يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ يعني: الضعفاء والمقلدين لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ وهم السادة الكبار المتبوعون لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ فيكفي من عظمة القيامة أنْ يقف المستضعف أمام القوي ويراجعه ويواجهه -مع أن كلاهما خائب خاسر- ذلك لأن الضعف كان في الدنيا والاستكبار والتبعية، أما الآن وفي ساحة الحساب فقد تساوتْ الرؤوس، وها هم الضعفاء يقولون لأسيادهم لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ.
وما دامت المسألة مراجعة، كُلٌّ يُرجِع إلى الآخر قوله، فلا بُدَّ أنْ يرد الذين استكبروا، وأنْ يراجعوا الذين استُضْعِفوا.
ثم يقول الحق سبحانه:
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ....
لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] ومعنى هذا أن القرآن لا غُبارَ عليه ولا اعتراضَ، الاعتراض على مَنْ نزل عليه القرآن، كذلك من الغباء قولهم:
إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ.. [القصص: ٥٧] فاعترفوا أنه جاء بالهدى.
ومثله قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ.. [المنافقون: ٧].
صحيح، الباطل لجلج، يتخبط هنا وهناك في تفكير مُشوّش ليس له سِيال واحد، وهذا التخبط يكشف ما هم عليه من الباطل، وقلنا: إن المحقق الماهر هو الذي يصل إلى الحقيقة من خلال مناقشة المتهم مناقشة تُوقعه دون أن يدري، ذلك لأن المتكلم بالحق يحكي واقعاً على هيئة واحدة، فمهما أعدْتَ عليه السؤال يُجِب إجابة واحدة.
أمّا الكاذب فلا يحكي واقعاً، إنما يحكي كذباً واختلاقاً لا بُدَّ أن ينتهي بتضارب في أقواله...
بعد أن قالوا هذا الكلام أراد الحق سبحانه أن يُفظع الرد عليهم فقال: وَلَوْ تَرَىٰ.. يعني: يا محمد إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ.. يعني: بين يدي الله، ينتظرون الفصل والحساب.
تعلمون أن (لَوْ) أداة شرط تحتاج إلى جواب، هذا الجواب حُذِف من سياق الآية ليدلَّ على التهويل والتفظيع. وتقديره: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم.. لرأيتَ أمراً عظيماً، وهذا الأسلوب تذهب فيه النفس كلَّ مذهب، ونتصور ألوان العذاب والذلة التي يعانيها الكفار في هذا الموقف بين يدي الله عز وجل، فحَذْف الجواب هنا أبلغ من ذِكره...
ثم تستمر الآية في وصف موقف هؤلاء الظالمين بين يد الله تعالى، ويا ليتها تنتهي عند الذلة والانكسار، إنما يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يعني: يتجادلون ويتناقشون، يرمي كل منهم باللائمة على الآخر، ومعنى (يرجع) من المراجعة، فواحد يقول، والآخر يردُّ كلامه ويُنكِره، وفي القرآن مواضع كثيرة تحكى هذه المراجعة بين الأتباع والمتبوعين، وهنا نموذج منها:
يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ يعني: الضعفاء والمقلدين لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ وهم السادة الكبار المتبوعون لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ فيكفي من عظمة القيامة أنْ يقف المستضعف أمام القوي ويراجعه ويواجهه -مع أن كلاهما خائب خاسر- ذلك لأن الضعف كان في الدنيا والاستكبار والتبعية، أما الآن وفي ساحة الحساب فقد تساوتْ الرؤوس، وها هم الضعفاء يقولون لأسيادهم لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ.
وما دامت المسألة مراجعة، كُلٌّ يُرجِع إلى الآخر قوله، فلا بُدَّ أنْ يرد الذين استكبروا، وأنْ يراجعوا الذين استُضْعِفوا.
ثم يقول الحق سبحانه:
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ....
آية رقم ٣٢
يرد الذين استكبروا: أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ يعني: ما منعناكم عن الهدى، وما حُلْنَا بينكم وبين الإيمان بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ يعني: بطبيعتكم، فقد وجدتم طريقنا سهلاً، وعبادتنا لا تكليف فيها ولا مسئولية، ليس فيها صوم ولا صلاة ولا زكاة، ولو فكرتم واعملتُم عقولكم ما تبعتمونا.
وهذا هو نفسه منطق الشيطان حين يناقش أولياءه يوم القيامة، ويقول لهم:
وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢].
وهذا هو نفسه منطق الشيطان حين يناقش أولياءه يوم القيامة، ويقول لهم:
وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢].
آية رقم ٣٤
نلحظ في هذه الآية أنها ذكرتْ النذارة، ولم تذكر البشارة، لماذا؟ قالوا: لأن الحديث عن قرية استشرى فيها الفساد بحيث لم يَعُدْ لها إلا النذارة، فهؤلاء قوم كذَّبوا الرسل، ووقفوا من الدعوة موقفَ العداء والمكابرة. أما البشارة فتكون في عموم الدعوة، والحديث هنا عن دعوة خاصة بهؤلاء المكذبين...
وقوله إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ [سبأ: ٣٤] جمع مُتْرف وترف يترف أي: تنعَّم. أما أترف فتعني أن النعمة أطغَتْه وفتنته، فالحق سبحانه لم يمنع عبده أنْ يتمتع بنعمه، المهم ألاَّ تُطغيه النعمة.
وقد يكون الترف والتنعُّم استدراجاً من الله للعبد، وإملاءً له، ومَدًّا له في النعمة حتى يَطْغى بها...
قوله تعالى: وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ لماذا أنتم كافرون بما جاء به الرسل؟
الحق -تبارك وتعالى- يريد من العباد ألاَّ يستعلي قوي على ضعيف، وألاَّ يستعلي غني على فقير، وألاَّ يستعلي عالم على جاهل، إنما يريد أن يعمَّ الخير، فمَنْ كانت عنده خَصْلة من خصال الخير عَدَّاها إلى غيره.
أما هؤلاء فقد اختاروا الكفر، واطمأنوا إليه؛ لأن النعمة أطغتهم وأترفتهم، فمالوا إلى البذخ وإلى المظالم حتى عَشِقوا هذا كله، فلما جاء الدين ليُعدِّل من سلوكهم صادموه، وحاولوا طمسه والقضاء على دعوته؛ لأنهم ألفوا السيادة، وألِفُوا الطغيان، ولا يريدون أنْ تُسلب منهم هذه السيادة. وإلا لو أن العالم كان مستقيماً متوازناً ما كانت هناك حاجة للرسل، إذن: ما جاء رسول إلا بعد أنْ عَمَّ الفساد وطَمّ.
وسبق أنْ قُلْنا: إن الحق سبحانه خلق في النفس الإنسانية مناعة إيمانية نتيجة الفطرة الأولية، لكن الشهوات وتقاليد الظالمين تطمس هذه الفطرة، فتحتاج إلى مُذكِّر يعيدها إلى الطبيعة والفطرة التي خلقها الله، لذلك قال سبحانه:
إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية: ٢١] يعني: ليس بادئاً...
وقولهم: إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ بم أُرسِل الرسلُ؟ أُرسِلوا أولاً بقضية التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، أرسلوا بالبلاغ عن الله، أرسلوا بمعجزات، أُرسلوا بأحكام ومناهج تحكم حركة الحياة. فهؤلاء كفروا بهذا كله لأنهم يريدون أنْ يعيشوا في ترفهم وظلمهم، وأنْ يستبدوا كما يشاؤون.
لكن قولهم بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ دلَّ على غبائهم؛ لأنهم لم يقولوا مثلاً بما جئتم به، أو بما ادعيتموه، إنما بما أُرسِلتم به، فهم يعترفون بأنهم مُرسَلُون، فهذه كلمة الحق ساقها الله على ألسنتهم، كما ساقه على ألسنتهم في قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ [المنافقون: ٧] وقولهم لما فتر الوحي عن رسول الله: إن رب محمد قلاه.
إذن: هم يعترفون لرسول الله بالرسالة، والمرسل لا يُرسَل من مثله، إنما من جهة أعلى، فالرسالة ليست من عند محمد؛
وقوله إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ [سبأ: ٣٤] جمع مُتْرف وترف يترف أي: تنعَّم. أما أترف فتعني أن النعمة أطغَتْه وفتنته، فالحق سبحانه لم يمنع عبده أنْ يتمتع بنعمه، المهم ألاَّ تُطغيه النعمة.
وقد يكون الترف والتنعُّم استدراجاً من الله للعبد، وإملاءً له، ومَدًّا له في النعمة حتى يَطْغى بها...
قوله تعالى: وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ لماذا أنتم كافرون بما جاء به الرسل؟
الحق -تبارك وتعالى- يريد من العباد ألاَّ يستعلي قوي على ضعيف، وألاَّ يستعلي غني على فقير، وألاَّ يستعلي عالم على جاهل، إنما يريد أن يعمَّ الخير، فمَنْ كانت عنده خَصْلة من خصال الخير عَدَّاها إلى غيره.
أما هؤلاء فقد اختاروا الكفر، واطمأنوا إليه؛ لأن النعمة أطغتهم وأترفتهم، فمالوا إلى البذخ وإلى المظالم حتى عَشِقوا هذا كله، فلما جاء الدين ليُعدِّل من سلوكهم صادموه، وحاولوا طمسه والقضاء على دعوته؛ لأنهم ألفوا السيادة، وألِفُوا الطغيان، ولا يريدون أنْ تُسلب منهم هذه السيادة. وإلا لو أن العالم كان مستقيماً متوازناً ما كانت هناك حاجة للرسل، إذن: ما جاء رسول إلا بعد أنْ عَمَّ الفساد وطَمّ.
وسبق أنْ قُلْنا: إن الحق سبحانه خلق في النفس الإنسانية مناعة إيمانية نتيجة الفطرة الأولية، لكن الشهوات وتقاليد الظالمين تطمس هذه الفطرة، فتحتاج إلى مُذكِّر يعيدها إلى الطبيعة والفطرة التي خلقها الله، لذلك قال سبحانه:
إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية: ٢١] يعني: ليس بادئاً...
وقولهم: إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ بم أُرسِل الرسلُ؟ أُرسِلوا أولاً بقضية التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، أرسلوا بالبلاغ عن الله، أرسلوا بمعجزات، أُرسلوا بأحكام ومناهج تحكم حركة الحياة. فهؤلاء كفروا بهذا كله لأنهم يريدون أنْ يعيشوا في ترفهم وظلمهم، وأنْ يستبدوا كما يشاؤون.
لكن قولهم بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ دلَّ على غبائهم؛ لأنهم لم يقولوا مثلاً بما جئتم به، أو بما ادعيتموه، إنما بما أُرسِلتم به، فهم يعترفون بأنهم مُرسَلُون، فهذه كلمة الحق ساقها الله على ألسنتهم، كما ساقه على ألسنتهم في قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ [المنافقون: ٧] وقولهم لما فتر الوحي عن رسول الله: إن رب محمد قلاه.
إذن: هم يعترفون لرسول الله بالرسالة، والمرسل لا يُرسَل من مثله، إنما من جهة أعلى، فالرسالة ليست من عند محمد؛
آية رقم ٣٥
قلنا إن الدين إنما جاء ليُحدِث توازناً في المجتمع واستطراقاً عقدياً واقتصادياً واجتماعياً، فمنطق هؤلاء الذين كفروا بالرسل أنهم ليسوا في حاجة إلى هذا كله، فعندهم المال والأولاد، وعندهم كل مُتع الحياة.
وَقَالُواْ.. أي: في حيثيات كفرهم نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً بل أكثر من ذلك يأخذهم غرورهم إلى أن يقولوا: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ لماذا؟ يقولون: لأن الله ما كان ليعطينا هذا النعيم في الدنيا، ويضنّ علينا في الآخرة.
لكن نقول لهم: أنتم واهمون، ففَرْق بين عطاء الألوهية وعطاء الربوبية، الله تعالى أعطاكم بعطاء الربوبية الذي يشمل الجميع المؤمنَ والكافر، والطائع والعاصي، أما عطاء الألوهية فتكليف، فالله يعطيكم في الدنيا بعطاء الربوبية، ويعاقبكم في الآخرة بمقتضى الألوهية.
وهذه الحيثية منهم: نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً حجة عليهم لا لهم، فمن أين لكم هذا الخير؟ ثم إن كثرة الأموال كان يجب أنْ تحملكم على نواحي الخير، وكثرة الأولاد كان ينبغى أنْ تجعلوا منهم [عونا] لكم على الحق، إذن: كفركم بعد هذه النِّعَم دليل على أنكم استخدمتموها في الباطل وفي الظلم والطغيان.
وما أشبه قولهم: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ بقول صاحب الجنة:
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦] وهذا بَطَر بنعمة الله وغرور بها، فليس بين الله تعالى وبين أحد من خَلْقه قرابة ولا نسب، لينعم في الدنيا وينعم في الآخرة بلا عمل، فهؤلاء فتنتهم المال، وفتنتهم الذرية.
وَقَالُواْ.. أي: في حيثيات كفرهم نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً بل أكثر من ذلك يأخذهم غرورهم إلى أن يقولوا: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ لماذا؟ يقولون: لأن الله ما كان ليعطينا هذا النعيم في الدنيا، ويضنّ علينا في الآخرة.
لكن نقول لهم: أنتم واهمون، ففَرْق بين عطاء الألوهية وعطاء الربوبية، الله تعالى أعطاكم بعطاء الربوبية الذي يشمل الجميع المؤمنَ والكافر، والطائع والعاصي، أما عطاء الألوهية فتكليف، فالله يعطيكم في الدنيا بعطاء الربوبية، ويعاقبكم في الآخرة بمقتضى الألوهية.
وهذه الحيثية منهم: نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً حجة عليهم لا لهم، فمن أين لكم هذا الخير؟ ثم إن كثرة الأموال كان يجب أنْ تحملكم على نواحي الخير، وكثرة الأولاد كان ينبغى أنْ تجعلوا منهم [عونا] لكم على الحق، إذن: كفركم بعد هذه النِّعَم دليل على أنكم استخدمتموها في الباطل وفي الظلم والطغيان.
وما أشبه قولهم: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ بقول صاحب الجنة:
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦] وهذا بَطَر بنعمة الله وغرور بها، فليس بين الله تعالى وبين أحد من خَلْقه قرابة ولا نسب، لينعم في الدنيا وينعم في الآخرة بلا عمل، فهؤلاء فتنتهم المال، وفتنتهم الذرية.
آية رقم ٣٨
هؤلاء سَعَوْا في آيات الله ليصرفوا الناس عنها، ويشغلوهم عن سماعها.
ومعنى: مُعَاجِزِينَ مفردها مُعاجز، والمعاجزة مفاعلة يعني: واحد يعاجز الآخر أي: يريد أن يُعجزه، إذن: المعاجزة معركة، لكن إياكم أنْ تظنوا أنها بين مؤمنين وكافرين، أو بين الرسل والمكذِّبين لهم، لا إنما هي معركة عالية، فالذين يُعاجزون يُعاجزون الله في آياته ليبطلوها، وليضعوا العقبات في طريقها، ومهما كان كيدهم فلن يعجزوا الله، ولن يُفْلتوا منه سبحانه، كما قال تعالى:
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ [سبأ: ٥١].
وهنا يقول: أُوْلَـٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ومعنى محضرون أنهم يحضرون رغماً عنهم، فهي اسم مفعول من حضر، فهم يُجَرُّون ويُشدُّون كالمقبوض عليهم...
ومعنى: مُعَاجِزِينَ مفردها مُعاجز، والمعاجزة مفاعلة يعني: واحد يعاجز الآخر أي: يريد أن يُعجزه، إذن: المعاجزة معركة، لكن إياكم أنْ تظنوا أنها بين مؤمنين وكافرين، أو بين الرسل والمكذِّبين لهم، لا إنما هي معركة عالية، فالذين يُعاجزون يُعاجزون الله في آياته ليبطلوها، وليضعوا العقبات في طريقها، ومهما كان كيدهم فلن يعجزوا الله، ولن يُفْلتوا منه سبحانه، كما قال تعالى:
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ [سبأ: ٥١].
وهنا يقول: أُوْلَـٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ومعنى محضرون أنهم يحضرون رغماً عنهم، فهي اسم مفعول من حضر، فهم يُجَرُّون ويُشدُّون كالمقبوض عليهم...
آية رقم ٣٩
قلنا: يبسط يعني يُوسِّع. ويقدر يعني: يُضيق، وقد ورد هذا المعنى قبل عدة آيات، لكن هنا يضيف لفتة جديدة، فيقول سبحانه بعدها مباشرة وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وكأن الحق سبحانه يلفت أنظارنا إلى أن الخَلْق جميعاً خَلْقه وعباده، وهو قادر سبحانه أنْ يعطي الجميع، وأنْ يُوسِّع على الجميع، لكن يريد أنْ يتحابَّ الخَلْق، وأنْ يتكافل الناس؛ لذلك وسَّع على بعضهم، وضَيَّق على بعضهم، ثم أشار لمن وسَّع عليه ولوَّح له بجزاء الإنفاق، لينفق على أخيه الذي ضُيَّق عليه.
وهذه الآية تعطينا ملخصاً لاقتصاد العالم كله؛ لأن معنى الاقتصاد موازنة المصروفات بالواردات، فالمصروفات لمصروف له، والواردات لوارد عليه، إذن: لا بُدَّ أن يكون في المكان الواحد فئة تعطي وفئة تأخذ... لذلك الحق سبحانه لم يترك بَسْطة الغنى هكذا حرة، كذلك لم يترك تقتير الفقير، بل جعل لهذا مَبْذلاً، ولهذا مصدراً.
فبعد أن أخبر سبحانه: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ حكمها فقال: وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ فالحق سبحانه يراعي مبدأ النفعية لصاحب المال، ويراعب حب الأغنياء للمال؛ لذلك يطمئنهم على أموالهم، ويتكفَّل هو سبحانه بأنْ يخلفها لهم.
والحق سبحانه بسط الرزق للأغنياء وهم يحبون المال ولكنه يقول لهم: إذا أُحِلْت على غنى فاتبع، يعني: إنْ كان لك دَيْن عند فقير فأحالك بدينك إلى غنى قادر على السداد فتحوَّل؛ لأنك لا تضمن متى سيُوسِّع الله على الفقير ليُسدِّد ما عليه.
وهكذا طمأن اللهُ الأغنياءَ بأنّ أموالهم لن تنقص بالإنفاق؛ لأنها أحيلت إلى الله وتكفَّل هو بالسداد.
لذلك يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:"ليس لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقْتَ فأبقيْتَ"...
لذلك تُختم الآية بقوله تعالى: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قال سبحانه خير الرازقين؛ لأن الرازق: كل مَنْ يمدُّ لك يده بما تنتفع به، وعليه فأبوك بالنسبة لك رازق، والذي يعولك ويتكفَّل بك رازق، كذلك ربُّك عز وجل رازق، لكن فَرْق بينهما، فأبوك رازق؛ لأنه يأتي لك بالرزق، لكن إنْ سألته من أين هذا الرزق يقول: من عند الله، فهو سبب ومناول، أما الحق سبحانه فهو خالق الرزق؛ لذلك قال وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
وسبق أنْ أوضحنا: إذا رأيتَ صفة مشتركة بين الخَلْق والخالق فاعلم أن الجهة مُنفكّة، فلكلٍّ ما يناسبه. إذن: حيثية الخيرية هنا أنه تعالى هو الرازق، وهو خالق الرزق، وهو الذى يُيسِّر لك أسبابه حتى يصل إليك.
وقالوا: خيرية الله في الرزق ناشئة من ثلاث مسائل: الأولى: أنه سبحانه لا يُؤجِّل الرزق لوقت الحاجة إليه، إنما خلقه لك قبل أنْ يخلقك، وأعدَّ لك مُقوِّمات الحياة قبل أنْ يستدعيك إليها. الثانية: أنه لا يحاسبك على ما رزقك. الثالثة: لا يطلب منك ثواباً على ما وهبك.
لهذا كله كان الحق سبحانه وما يزال خير الرازقين...
وهذه الآية تعطينا ملخصاً لاقتصاد العالم كله؛ لأن معنى الاقتصاد موازنة المصروفات بالواردات، فالمصروفات لمصروف له، والواردات لوارد عليه، إذن: لا بُدَّ أن يكون في المكان الواحد فئة تعطي وفئة تأخذ... لذلك الحق سبحانه لم يترك بَسْطة الغنى هكذا حرة، كذلك لم يترك تقتير الفقير، بل جعل لهذا مَبْذلاً، ولهذا مصدراً.
فبعد أن أخبر سبحانه: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ حكمها فقال: وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ فالحق سبحانه يراعي مبدأ النفعية لصاحب المال، ويراعب حب الأغنياء للمال؛ لذلك يطمئنهم على أموالهم، ويتكفَّل هو سبحانه بأنْ يخلفها لهم.
والحق سبحانه بسط الرزق للأغنياء وهم يحبون المال ولكنه يقول لهم: إذا أُحِلْت على غنى فاتبع، يعني: إنْ كان لك دَيْن عند فقير فأحالك بدينك إلى غنى قادر على السداد فتحوَّل؛ لأنك لا تضمن متى سيُوسِّع الله على الفقير ليُسدِّد ما عليه.
وهكذا طمأن اللهُ الأغنياءَ بأنّ أموالهم لن تنقص بالإنفاق؛ لأنها أحيلت إلى الله وتكفَّل هو بالسداد.
لذلك يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:"ليس لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقْتَ فأبقيْتَ"...
لذلك تُختم الآية بقوله تعالى: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قال سبحانه خير الرازقين؛ لأن الرازق: كل مَنْ يمدُّ لك يده بما تنتفع به، وعليه فأبوك بالنسبة لك رازق، والذي يعولك ويتكفَّل بك رازق، كذلك ربُّك عز وجل رازق، لكن فَرْق بينهما، فأبوك رازق؛ لأنه يأتي لك بالرزق، لكن إنْ سألته من أين هذا الرزق يقول: من عند الله، فهو سبب ومناول، أما الحق سبحانه فهو خالق الرزق؛ لذلك قال وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
وسبق أنْ أوضحنا: إذا رأيتَ صفة مشتركة بين الخَلْق والخالق فاعلم أن الجهة مُنفكّة، فلكلٍّ ما يناسبه. إذن: حيثية الخيرية هنا أنه تعالى هو الرازق، وهو خالق الرزق، وهو الذى يُيسِّر لك أسبابه حتى يصل إليك.
وقالوا: خيرية الله في الرزق ناشئة من ثلاث مسائل: الأولى: أنه سبحانه لا يُؤجِّل الرزق لوقت الحاجة إليه، إنما خلقه لك قبل أنْ يخلقك، وأعدَّ لك مُقوِّمات الحياة قبل أنْ يستدعيك إليها. الثانية: أنه لا يحاسبك على ما رزقك. الثالثة: لا يطلب منك ثواباً على ما وهبك.
لهذا كله كان الحق سبحانه وما يزال خير الرازقين...
آية رقم ٤٠
المعنى: واذكر يوم يحشرهم جميعاً، واليوم ظرف للحشر وللجمع يوم القيامة، لكن لماذا يذكر رسول الله هذا اليوم؟ قالوا: هنا إشارة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله لم يَنْسَه وما تركه، ولا تخلى عنه، بدليل أنه سينتقم له من أعدائه ومكذِّبيه في هذا اليوم، وكأن الله يقول له: سترى ماذا سنفعل بهم، كما قال سبحانه في آخر المطففين: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦].
وقوله تعالى: ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ معلوم أن الكفار عبدوا آلهة كثيرة، فلماذا خَصَّ الملائكة هنا بهذا السؤال؟ قالوا: لأنهم أعلى الأجناس التي عُبدَتْ من دون الله وأقربهم إلى الله؛ لذلك قالوا عنهم: بنات الله، فهم يظنون أنَّ الملائكة لهم كلمة عند الله، ويمكن أنْ يشفعوا لهم أو يدافعوا عنهم إنْ عبدوهم؛ لذلك ذكر هنا الملائكة، ولم يذكر الشجر والحجر الذي عُبِد من دونه سبحانه.
لكن، لماذا وُجِّه السؤالُ للملائكة المعبودين، ولم يُوجَّه للعابدين الذين أشركوا؟ لماذا لم يُوبِّخهم الله ويُقرِّعهم على عبادتهم دون الله؟ قالوا: لأن الحق سبحانه أراد أنْ يسمع المشركون من الملائكة أنفسهم الردّ: لتكون الحجة عليهم أبلغ.
وقوله تعالى: ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ معلوم أن الكفار عبدوا آلهة كثيرة، فلماذا خَصَّ الملائكة هنا بهذا السؤال؟ قالوا: لأنهم أعلى الأجناس التي عُبدَتْ من دون الله وأقربهم إلى الله؛ لذلك قالوا عنهم: بنات الله، فهم يظنون أنَّ الملائكة لهم كلمة عند الله، ويمكن أنْ يشفعوا لهم أو يدافعوا عنهم إنْ عبدوهم؛ لذلك ذكر هنا الملائكة، ولم يذكر الشجر والحجر الذي عُبِد من دونه سبحانه.
لكن، لماذا وُجِّه السؤالُ للملائكة المعبودين، ولم يُوجَّه للعابدين الذين أشركوا؟ لماذا لم يُوبِّخهم الله ويُقرِّعهم على عبادتهم دون الله؟ قالوا: لأن الحق سبحانه أراد أنْ يسمع المشركون من الملائكة أنفسهم الردّ: لتكون الحجة عليهم أبلغ.
آية رقم ٤٣
... إذا كان محمد ساحراً سحر المؤمنين به كما تقولون، فلماذا لم يسحركم أيضاً وتنتهي هذه المسألة؟ ومعلوم أنه لا خيار للمسحور مع الساحر. إذن: هذا القول منهم كذب على سيدنا رسول الله وعناد ومكابرة لعدم قبول الحق الذي جاء به.
آية رقم ٤٥
المعنى: أن ما قالوه في رسول الله، وفيما جاء به من الهدى تكذيب كما كذَّب السابقون، فهو سنة مُتبعة وطبيعة في المرسَل إليهم حين يأتي دين جديد ليُخرجهم عن طغيانهم واستبدادهم ويقضي على سيادتهم واستعبادهم للناس؛ لذلك لا بُدَّ أن يصادموا الدين ويُكذِّبوا الرسل، لتظلَّ لهم وسائل الطغيان ووسائل الفساد.
فمعنى وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ الأمم السابقة الذين كذبوا إخوانك الرسل السابقين، فلستَ يا محمد بدْعاً في ذلك.
وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ يعني: الأمم السابقة التي كذَّبت رسلها ما بلغتْ في الرسالة وفي المنهج والحجة والبينة معشار ما آتيناك؛ ذلك لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالدين الوافي والمنهج الكامل الذي لا يمكن الاستدراك عليه.
أو: أن المعنى وَمَا بَلَغُواْ أي: كفار مكة الذين كذَّبوا رسول الله مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ يعني: ما آتينا الأمم السابقة من القوة، فالذين كذَّبوا الرسل من الأمم السابقة كانوا أكثر قوة، وأكثر نفوذاً، وأكثر حضارة من كفار مكة، وأين هم من عاد وثمود وفرعون؟...
فأين قوة كفار قريش من قوة هؤلاء الذين يُضرب بهم المثل في: القوة، والبطش، والجبروت، والطغيان؟ ومع ذلك أصابهم من بأس الله ما أصابهم.
والمعشار أكثر من العشير، والعشير أكثر من العُشْر، فإذا أردتَ العشرات تقول عُشر، وإذا أردت المئات تقول عَشِير، وإذا أردتَ الآلاف تقول معشار.
فمعنى وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ الأمم السابقة الذين كذبوا إخوانك الرسل السابقين، فلستَ يا محمد بدْعاً في ذلك.
وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ يعني: الأمم السابقة التي كذَّبت رسلها ما بلغتْ في الرسالة وفي المنهج والحجة والبينة معشار ما آتيناك؛ ذلك لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالدين الوافي والمنهج الكامل الذي لا يمكن الاستدراك عليه.
أو: أن المعنى وَمَا بَلَغُواْ أي: كفار مكة الذين كذَّبوا رسول الله مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ يعني: ما آتينا الأمم السابقة من القوة، فالذين كذَّبوا الرسل من الأمم السابقة كانوا أكثر قوة، وأكثر نفوذاً، وأكثر حضارة من كفار مكة، وأين هم من عاد وثمود وفرعون؟...
فأين قوة كفار قريش من قوة هؤلاء الذين يُضرب بهم المثل في: القوة، والبطش، والجبروت، والطغيان؟ ومع ذلك أصابهم من بأس الله ما أصابهم.
والمعشار أكثر من العشير، والعشير أكثر من العُشْر، فإذا أردتَ العشرات تقول عُشر، وإذا أردت المئات تقول عَشِير، وإذا أردتَ الآلاف تقول معشار.
آية رقم ٤٦
بعد أنْ أعطاهم الحق سبحانه درساً وعبرة بمَنْ سبقهم من المكذبين يعود ليخاطبهم من جديد، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ يعني: لهم إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ الوعظ ليس إنشاءَ حكم، إنما هو تذكير بحكم سبق ونسيه الناس، فالواعظ يُبيِّن للناس أموراً يعرفونها ويؤمنون بها من الدين، لكم أَنْستهم الشهوات والغفلة هذه الأمور، فهو مُذكِّر بها، والعِظَة لا تكون إلا من مُحبٍّ لك حريص على مصلحتك.
لذلك فالحق -تبارك وتعالى- يعطينا نموذجاً للوعظ في قصة لقمان حين يعِظ ولده: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ.. [لقمان: ١٣].
ومعنى بِوَاحِدَةٍ يعني: موعظة واحدة فيها كل الآحاد، واستخدم السياق إِنَّمَآ الدالة على القصر يعني: لا أعظكم إلا بواحدة، ما هي؟ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ يعني: إياك أنْ تقوم لشهوة نفسك، أو لسيادة تحافظ عليها، إياك أنْ تقوم وأنت تريد الاستعلاء على هذا النبي، إنما يكون قيامك لله، يعني: تتجرد عن هواك، وتتجرَّد عن شهواتك وعن تعصُّبك.
وما دُمْتَ تتودد إليهم أنْ يقوموا لله فلا بُدَّ أن لله تعالى مكانة في قلوبهم، وهو سبحانه في بالهم بدليل: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [لقمان: ٢٥].
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧].
إذن: كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو خالقهم، وهو خالق السماوات والأرض؛ لأن هذه المسألة من الوضوح بحيث لا ينكرها منكر، مهما بلغ من الكفر والإلحاد...
والقيام المراد هنا لا يشترط فيه الجماعة ولا الجماهيرية؛ لأنه قيام للتفكُّر، فينبغي أنْ يكون مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ.. مثنى: يعنى: اثنين اثنين، وفرادى: واحداً واحداً. بحيث يختلي كُلٌّ مع نفسه ليفكر في أمر محمد بواقعية وتجرُّد: كيف كان بينكم، وكيف كانت سيرته وأخلاقه، وهل جرَّبتم عليه كذباً، أو سحراً، أو كهانة؟ وهل سبق له أنْ ادَّعَى ما ليس له؟ هل رأيتم عليه قبل بعثته علامة من علامات الجنون؟ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ.
وهذا التفكُّر في حال رسول الله يحتاج إلى موضوعية؛ لذلك اختار أنْ ينفردوا به، إما مثنى مثنى، وإما فرادى، فالإنسان حين يكون بمفرده، فلا يوجد له نظير ينهزم أمامه، ولا نظير يهيجه على غير الحق، فرأيه في هذه الحالة يكون أقرب للصواب.
والمنفرد إنْ تفكَّر وصل إلى الحق؛ لأنه لن يغشَّ نفسه، ولن يخدعها، ولن يستكبر أنْ يعود للحق، إما أن كانوا جماعة فلا بُدَّ أن يحاول كل منهم أنْ يثبت حجته، ولو اضطر للكذب وللخداع كما نراهم في مثل هذه المواقف، كُلٌّ يحلف أنه على الحق وغيره على الباطل.
فكأن الحق بهذه الطريقة في التفكير يحمينا ويعصمنا من غوغائية الجماهيرية في الحكم، هذه الغوغائية التي نشاهدها مثلاً في المظاهرات، حيث يهتف كُلٌّ بما يريد، فتختلط الأصوات، وتتداخل الهتافات، فلا تستطيع أنْ تميزها...
فالحق يُعلِّمنا كيفية التفكُّر مثنى أو فرادى، ويحمينا من الغوغائية...
كذلك إنْ كانوا مثنى مثنى، فالاثنان كما نقول: الرأي والرأي الآخر، ولو انهزم أحدهما أمام الآخر فهزيمته مستورة؛ لذلك دائماً ما نسمع من يقول لخصمه: أريد أن أجلس أنا وأنت على انفراد؟ لأنكما طرفا المسألة ولا يوجد طرف ثالث يُسبِّب لواحد منكما إحراجاً، أو إذلالاً، يتسبب في تغيُّر مسلكك أمامه.
ومعنى أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ ليس القيام الذي يقابله القعود، إنما مَنْ قام بالأمر يعني: فعله وأدَّاه، وإنْ كان قاعداً، ومن ذلك نقول: فلان يقوم بأمر فلان، أو فلان يؤدي وظيفة فلان. أي: يقوم بها.
ومعنى مَا بِصَاحِبِكُمْ يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم مِّن جِنَّةٍ جنون؛ لأنهم قالوا على رسول الله أنه مجنون، وعجيب منهم وهم أعرف الناس به، أنْ يصفوه بالجنون، وهم لم يَرواْ عليه علامة من علامات الجنون، ولم يصنع شيئاً مخالفاً لمجتمعه الذي عاش فيه، بل كانوا قبل البعثة يقولون عنه: الصادق الأمين، فكما ظهر كذبهم في قولهم (ساحر)، كذلك ظهر كذبهم في قولهم (مجنون).
ولو خَلاَ الواحد منهم إلى نفسه، ثم تفكَّر في شخص رسول الله لوصل بنفسه إلى الحق، ولو أدار في عقله هذه الاتهامات لوجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريئ منها، وما دام منفرداً في هذا التفكُّر، فلن يخجل أبداً أنْ يعود إلى الحق؛ لأنه لن ينهزم أمام أحد...
والحق -سبحانه وتعالى- هنا لم يذكر لنا نتيجة التفكُّر والبحث مثنى وفرادى؛ لأنه معلوم وواضح، إلا أنه قال عنه صلى الله عليه وسلم: إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.
شيء آخر: هل آمن الناس كلهم برسول الله بعد أن سمعوا منه قرآناً مُعْجزاً لنقول: إن القرآن هو المعجزة التي تثبت صِدْق الرسول؟ نقول: لا، إنما منهم مَنْ لم يؤمن بعد أن سمع القرآن، ومنهم مَنْ آمن قبل نزول القرآن، وبمجرد أنْ قال محمد: إني رسول الله. وأولهم السيدة خديجة، والصِّدِّيق أبو بكر، فما حيثية إيمانهم برسول الله؟ وما المعجزة التي عرفوا بها صِدْقه؟ حيثيته ومعجزته عند هؤلاء سيرته صلى الله عليه وسلم فيهم أولاً، فهي كافية لأنْ يؤمنوا به إنْ قال: أنا رسول الله إليكم. أما القرآن فهو معجزة وتحدٍّ لمن جحد.
لذلك نرى سيدنا رسول الله يُذكِّر قومه بهذه السيرة بينهم ويتخذها حجة له، "فلما بُعِث صعد إلى الصفا، ونادى في القوم، فلما اجتمعوا حوله قال: "أرأيتم لو حدثتكم أن خيلاً وراء هذا الوادي جاءت لتُغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقي؟ "قالوا: ما جرَّبنا عليك مِنْ كذب، فقال:"أنا رسول الله إليكم "فقالوا لِتَوِّهم: أنت كذاب تباً لك، أَلهذا جمعتنا؟"...
وتلحظ أن الذين صادموا رسول الله في أول البعثة، والذين اتهموه بالكذب من أهله وأقرب للناس إليه، وعمه هو الذي قال له: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ وهنا موطن حكمة وحجة في بعثة سيدنا رسول الله، جعلها الله ليعلم الناس أن مكانة قريش وسيادتها في الجزيرة العربية لم تكن هي التي صنعت رسالة محمد ليسودوا بها العالم، فأعدى أعدائه كانوا من قريش، ولم يجد رسول الله نُصْرة في مكة، إنما كانت نصرته في يثرب.
لذلك سبق أن قلنا: إن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، لا أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان به صلى الله عليه وسلم.
لذلك فالحق -تبارك وتعالى- يعطينا نموذجاً للوعظ في قصة لقمان حين يعِظ ولده: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ.. [لقمان: ١٣].
ومعنى بِوَاحِدَةٍ يعني: موعظة واحدة فيها كل الآحاد، واستخدم السياق إِنَّمَآ الدالة على القصر يعني: لا أعظكم إلا بواحدة، ما هي؟ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ يعني: إياك أنْ تقوم لشهوة نفسك، أو لسيادة تحافظ عليها، إياك أنْ تقوم وأنت تريد الاستعلاء على هذا النبي، إنما يكون قيامك لله، يعني: تتجرد عن هواك، وتتجرَّد عن شهواتك وعن تعصُّبك.
وما دُمْتَ تتودد إليهم أنْ يقوموا لله فلا بُدَّ أن لله تعالى مكانة في قلوبهم، وهو سبحانه في بالهم بدليل: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [لقمان: ٢٥].
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧].
إذن: كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو خالقهم، وهو خالق السماوات والأرض؛ لأن هذه المسألة من الوضوح بحيث لا ينكرها منكر، مهما بلغ من الكفر والإلحاد...
والقيام المراد هنا لا يشترط فيه الجماعة ولا الجماهيرية؛ لأنه قيام للتفكُّر، فينبغي أنْ يكون مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ.. مثنى: يعنى: اثنين اثنين، وفرادى: واحداً واحداً. بحيث يختلي كُلٌّ مع نفسه ليفكر في أمر محمد بواقعية وتجرُّد: كيف كان بينكم، وكيف كانت سيرته وأخلاقه، وهل جرَّبتم عليه كذباً، أو سحراً، أو كهانة؟ وهل سبق له أنْ ادَّعَى ما ليس له؟ هل رأيتم عليه قبل بعثته علامة من علامات الجنون؟ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ.
وهذا التفكُّر في حال رسول الله يحتاج إلى موضوعية؛ لذلك اختار أنْ ينفردوا به، إما مثنى مثنى، وإما فرادى، فالإنسان حين يكون بمفرده، فلا يوجد له نظير ينهزم أمامه، ولا نظير يهيجه على غير الحق، فرأيه في هذه الحالة يكون أقرب للصواب.
والمنفرد إنْ تفكَّر وصل إلى الحق؛ لأنه لن يغشَّ نفسه، ولن يخدعها، ولن يستكبر أنْ يعود للحق، إما أن كانوا جماعة فلا بُدَّ أن يحاول كل منهم أنْ يثبت حجته، ولو اضطر للكذب وللخداع كما نراهم في مثل هذه المواقف، كُلٌّ يحلف أنه على الحق وغيره على الباطل.
فكأن الحق بهذه الطريقة في التفكير يحمينا ويعصمنا من غوغائية الجماهيرية في الحكم، هذه الغوغائية التي نشاهدها مثلاً في المظاهرات، حيث يهتف كُلٌّ بما يريد، فتختلط الأصوات، وتتداخل الهتافات، فلا تستطيع أنْ تميزها...
فالحق يُعلِّمنا كيفية التفكُّر مثنى أو فرادى، ويحمينا من الغوغائية...
كذلك إنْ كانوا مثنى مثنى، فالاثنان كما نقول: الرأي والرأي الآخر، ولو انهزم أحدهما أمام الآخر فهزيمته مستورة؛ لذلك دائماً ما نسمع من يقول لخصمه: أريد أن أجلس أنا وأنت على انفراد؟ لأنكما طرفا المسألة ولا يوجد طرف ثالث يُسبِّب لواحد منكما إحراجاً، أو إذلالاً، يتسبب في تغيُّر مسلكك أمامه.
ومعنى أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ ليس القيام الذي يقابله القعود، إنما مَنْ قام بالأمر يعني: فعله وأدَّاه، وإنْ كان قاعداً، ومن ذلك نقول: فلان يقوم بأمر فلان، أو فلان يؤدي وظيفة فلان. أي: يقوم بها.
ومعنى مَا بِصَاحِبِكُمْ يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم مِّن جِنَّةٍ جنون؛ لأنهم قالوا على رسول الله أنه مجنون، وعجيب منهم وهم أعرف الناس به، أنْ يصفوه بالجنون، وهم لم يَرواْ عليه علامة من علامات الجنون، ولم يصنع شيئاً مخالفاً لمجتمعه الذي عاش فيه، بل كانوا قبل البعثة يقولون عنه: الصادق الأمين، فكما ظهر كذبهم في قولهم (ساحر)، كذلك ظهر كذبهم في قولهم (مجنون).
ولو خَلاَ الواحد منهم إلى نفسه، ثم تفكَّر في شخص رسول الله لوصل بنفسه إلى الحق، ولو أدار في عقله هذه الاتهامات لوجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريئ منها، وما دام منفرداً في هذا التفكُّر، فلن يخجل أبداً أنْ يعود إلى الحق؛ لأنه لن ينهزم أمام أحد...
والحق -سبحانه وتعالى- هنا لم يذكر لنا نتيجة التفكُّر والبحث مثنى وفرادى؛ لأنه معلوم وواضح، إلا أنه قال عنه صلى الله عليه وسلم: إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.
شيء آخر: هل آمن الناس كلهم برسول الله بعد أن سمعوا منه قرآناً مُعْجزاً لنقول: إن القرآن هو المعجزة التي تثبت صِدْق الرسول؟ نقول: لا، إنما منهم مَنْ لم يؤمن بعد أن سمع القرآن، ومنهم مَنْ آمن قبل نزول القرآن، وبمجرد أنْ قال محمد: إني رسول الله. وأولهم السيدة خديجة، والصِّدِّيق أبو بكر، فما حيثية إيمانهم برسول الله؟ وما المعجزة التي عرفوا بها صِدْقه؟ حيثيته ومعجزته عند هؤلاء سيرته صلى الله عليه وسلم فيهم أولاً، فهي كافية لأنْ يؤمنوا به إنْ قال: أنا رسول الله إليكم. أما القرآن فهو معجزة وتحدٍّ لمن جحد.
لذلك نرى سيدنا رسول الله يُذكِّر قومه بهذه السيرة بينهم ويتخذها حجة له، "فلما بُعِث صعد إلى الصفا، ونادى في القوم، فلما اجتمعوا حوله قال: "أرأيتم لو حدثتكم أن خيلاً وراء هذا الوادي جاءت لتُغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقي؟ "قالوا: ما جرَّبنا عليك مِنْ كذب، فقال:"أنا رسول الله إليكم "فقالوا لِتَوِّهم: أنت كذاب تباً لك، أَلهذا جمعتنا؟"...
وتلحظ أن الذين صادموا رسول الله في أول البعثة، والذين اتهموه بالكذب من أهله وأقرب للناس إليه، وعمه هو الذي قال له: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ وهنا موطن حكمة وحجة في بعثة سيدنا رسول الله، جعلها الله ليعلم الناس أن مكانة قريش وسيادتها في الجزيرة العربية لم تكن هي التي صنعت رسالة محمد ليسودوا بها العالم، فأعدى أعدائه كانوا من قريش، ولم يجد رسول الله نُصْرة في مكة، إنما كانت نصرته في يثرب.
لذلك سبق أن قلنا: إن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، لا أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان به صلى الله عليه وسلم.
آية رقم ٤٨
لك أنْ تلحظ هنا حدة الأسلوب، خلافاً للآيات السابقة التي كانت تعظهم وتتودد إليهم، وكأن الحق سبحانه يقول لهم: لا تظنّوا أننا سنظل نتودد إليكم، أو أنكم الذين ستسيِّرون المراكب، فالدين سيُظهِره الله رغم عنادكم، والحق سيعلو رغم كفركم.
فقال سبحانه: قُلْ أي: ردًّا عليهم إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ فبعد أنْ أعطاكم الفرصة، وبعد أنْ طال تمردكم، فالآن ربي سيقذف بالحق، كما قال سبحانه في موضع آخر بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٨].
والقذف: الرمي بشدة، وهي كلمة تُوحِي بالعنف والقوة، إنْ جاءت من البشر، فما بالك إنْ كان القذف من الله، والمقذوف من الله هو الحق، والحق كما قلنا هو الشيء الثابت الذي لا يتغير.
والقذف لا بُدَّ أنْ له غرضاً وغاية، ومَنْ أراد أنْ يقذف شيئاً عليه أنْ يُحدِّد المسافة لقريب أم لبعيد، فإن كان لقريب فقلَّما يخطىء القاذفُ المقذوفَ، وإنْ كان القذف لهدف بعيد فاحتمال الخطأ أكثر، وهكذا كلما بَعُدَتْ المسافة؛ لأن معنى القذف تحديد موضع لتصل القذيفةُ إليه، وتصيب الغايةَ المقصودة منها.
وعندما يكون الموضع قريباً، فالتغيرات التي ستطرأ عليه قليلة؛ لأن زمن وصول القذيفة إليه قصير، على خلاف الهدف إنْ كان بعيداً فهو عُرْضة لأنْ يتغير، فتختلف مثلاً زاويته بسبب الريح، أو الأعاصير أو خلافه؛ لذلك نحتاج في هذه الحالة إلى أجهزة وحسابات دقيقة تحسب بُعْد الهدف وقوة المقذوف، وقوة الريح أي: تتصادم معه وغير ذلك من حسابات السرعة والزمن، كالذي يرمي الطير مثلاً وهو في الهواء، لا بُدَّ أنْ يغير نقطة التنشين لتناسب حركةَ واتجاه الطائر.
ولا أَقْدَر على هذه العملية من علاَّم الغيوب سبحانه، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ لذلك جاء الحق سبحانه بالصفة التي تناسب الدقة في هذه العملية، فقال: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ فهو سبحانه أولاً يقذف بالحق، وقذيفته سبحانه لا تخطىء هدفاً؛ لأنه تعالى علاَّم الغيوب.
والحق الذي يقذف الله به هو المنهج الذي أنزله من السماء يقذفه لغاية وهي الرسالة، كما قال سبحانه:
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
إذن: القاذف هو الله، والمقذوف الحق، وهو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والغاية المقصودة هي وصول الرسالة إلى مَن اختاره الله لها، وهذه العملية لا تخطىء؛ لأن القاذف عالم بكلِّ غيب يؤثر على مسار المقذوف، فالحق لا بُدَّ أنْ يصل إلى صاحبه المختار له والمصطفى لحمله، لا إلى سواه...
وكلمة الْغُيُوبِ هنا تدل على كثرة المؤثرات التي يمكن أن تعترض القذيفة، فتُحول بينها وبين هدفها، وهذه المؤثرات لا يعلمها إلا الله.
فإنْ قلت: الفعل يقذف جاء في صيغة المضارع الدال على الحال والاستقبال، يعني: أن الحق سبحانه عمله أنه يقذف بالحق إلى الرسل، فهل قذفه إلى رسول الله؟
تأتي الإجابة في قوله تعالى في الآية بعدها: قُلْ جَآءَ الْحَقُّ.. [سبأ: ٤٩]
فقال سبحانه: قُلْ أي: ردًّا عليهم إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ فبعد أنْ أعطاكم الفرصة، وبعد أنْ طال تمردكم، فالآن ربي سيقذف بالحق، كما قال سبحانه في موضع آخر بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٨].
والقذف: الرمي بشدة، وهي كلمة تُوحِي بالعنف والقوة، إنْ جاءت من البشر، فما بالك إنْ كان القذف من الله، والمقذوف من الله هو الحق، والحق كما قلنا هو الشيء الثابت الذي لا يتغير.
والقذف لا بُدَّ أنْ له غرضاً وغاية، ومَنْ أراد أنْ يقذف شيئاً عليه أنْ يُحدِّد المسافة لقريب أم لبعيد، فإن كان لقريب فقلَّما يخطىء القاذفُ المقذوفَ، وإنْ كان القذف لهدف بعيد فاحتمال الخطأ أكثر، وهكذا كلما بَعُدَتْ المسافة؛ لأن معنى القذف تحديد موضع لتصل القذيفةُ إليه، وتصيب الغايةَ المقصودة منها.
وعندما يكون الموضع قريباً، فالتغيرات التي ستطرأ عليه قليلة؛ لأن زمن وصول القذيفة إليه قصير، على خلاف الهدف إنْ كان بعيداً فهو عُرْضة لأنْ يتغير، فتختلف مثلاً زاويته بسبب الريح، أو الأعاصير أو خلافه؛ لذلك نحتاج في هذه الحالة إلى أجهزة وحسابات دقيقة تحسب بُعْد الهدف وقوة المقذوف، وقوة الريح أي: تتصادم معه وغير ذلك من حسابات السرعة والزمن، كالذي يرمي الطير مثلاً وهو في الهواء، لا بُدَّ أنْ يغير نقطة التنشين لتناسب حركةَ واتجاه الطائر.
ولا أَقْدَر على هذه العملية من علاَّم الغيوب سبحانه، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ لذلك جاء الحق سبحانه بالصفة التي تناسب الدقة في هذه العملية، فقال: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ فهو سبحانه أولاً يقذف بالحق، وقذيفته سبحانه لا تخطىء هدفاً؛ لأنه تعالى علاَّم الغيوب.
والحق الذي يقذف الله به هو المنهج الذي أنزله من السماء يقذفه لغاية وهي الرسالة، كما قال سبحانه:
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
إذن: القاذف هو الله، والمقذوف الحق، وهو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والغاية المقصودة هي وصول الرسالة إلى مَن اختاره الله لها، وهذه العملية لا تخطىء؛ لأن القاذف عالم بكلِّ غيب يؤثر على مسار المقذوف، فالحق لا بُدَّ أنْ يصل إلى صاحبه المختار له والمصطفى لحمله، لا إلى سواه...
وكلمة الْغُيُوبِ هنا تدل على كثرة المؤثرات التي يمكن أن تعترض القذيفة، فتُحول بينها وبين هدفها، وهذه المؤثرات لا يعلمها إلا الله.
فإنْ قلت: الفعل يقذف جاء في صيغة المضارع الدال على الحال والاستقبال، يعني: أن الحق سبحانه عمله أنه يقذف بالحق إلى الرسل، فهل قذفه إلى رسول الله؟
تأتي الإجابة في قوله تعالى في الآية بعدها: قُلْ جَآءَ الْحَقُّ.. [سبأ: ٤٩]
آية رقم ٤٩
قُلْ جَآءَ الْحَقُّ.. يعني: قذفه بالفعل في صورة القرآن الذي نزل على محمد الذي اختاره الله للرسالة ولحمل منهجه إلى خَلْقه لينظم به حركة حياتهم، وإذا كان الحق الواضح الثابت قد جاء وظهر، والذي قذفه علام الغيوب، فما موقف الباطل المقابل له؟ لا بُدَّ أنه يتراجع، ولا يستطيع الصمود أمام قوة الحق.
وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ فلا يبدىء في الأولى، ولا يعيد في الأخرى، يعنى: كما نقول: لا في العير ولا في النفير... هذا إذا كان للباطل وجود أو ثبات، إنما الباطل ما هو إلا خيال بعيد في أذهان أصحابه لا وجودَ له.
وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ فلا يبدىء في الأولى، ولا يعيد في الأخرى، يعنى: كما نقول: لا في العير ولا في النفير... هذا إذا كان للباطل وجود أو ثبات، إنما الباطل ما هو إلا خيال بعيد في أذهان أصحابه لا وجودَ له.
آية رقم ٥٣
يعني: عرض عليهم الإيمان وهم في بحبوحة الدنيا وسعتها، فكفروا به، والدنيا هي محلُّ الإيمان ومحلُّ التكاليف والأوامر والنواهي، فلما وقفوا موقف الموت أو البعث تمنَّوا الإيمان وقالوا آمنا وهم في هذا يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ يعني: يتكلمون بالظن فيما لا عِلْم لهم به، يريدون أنْ يصلوا إلى غرضهم، وهو أنْ ينجوا من العذاب، لكن يأتي هذا القذف بالظن أيضاً من مكان بعيد، يعني في غير محله، وفي غير وقته، والقرآن هنا أثبت لهم قَذْفاً، كما أثبت للحق سبحانه قَذْفاً
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ [سبأ: ٤٨]، لكن شتَّان بين الاثنين.
قذف هؤلاء من مكان بعيد، والقَذْف من بعيد قَذْف لا يصيب الهدف، وهم في قَذْفهم لا يعلمون الغيب، ولا يعلمون المؤثرات التي تؤثر على المقذوف، أما الحق سبحانه فيقذف وهو سبحانه علاَّم الغيوب الذي لا يغيب عن علمه شيء.
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ [سبأ: ٤٨]، لكن شتَّان بين الاثنين.
قذف هؤلاء من مكان بعيد، والقَذْف من بعيد قَذْف لا يصيب الهدف، وهم في قَذْفهم لا يعلمون الغيب، ولا يعلمون المؤثرات التي تؤثر على المقذوف، أما الحق سبحانه فيقذف وهو سبحانه علاَّم الغيوب الذي لا يغيب عن علمه شيء.
آية رقم ٥٤
نقول: حُلْتُ بين الخصمين يعني: فصلْتُ بينهما، وجعلتُ بينهما حائلاً ومانعاً من الاشتباك حتى لا يبلغ كل منهم أشُدَّه في المعركة، أو ينال مراده من خَصْمه، فالحق -سبحانه وتعالى- جعل حائلاً ومانعاً بين هؤلاء وبين ما يشتهون.
والاشتهاء طلب شهوة النفس من غير ارتباط بمنهج، لكن ما الذي كان يشتهيه الكفار؟ كانوا يشتهون أنْ يطمسوا دعوة الحق، فلم يُمكِّنهم الله من طمسها، كما قال سبحانه:
يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَٰفِرُونَ [التوبة: ٣٢].
وقال سبحانه:
هُوَ الَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩].
وهم يشتهون انطماس الدعوة؛ لتبقى لهم سيادتهم التي نهبوها على حساب الضعفاء، ولتظل لهم المكانة والتصرُّف، كذلك يَشْتهون انطماس الدعوة حتى لا تقف مناهج الله عقبة أمام شهوات نفوسهم...
فقوله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤] دلَّ على أن المسألة بالنسبة لهم كانت شهوةَ نفس، لا مدخلَ للشيطان فيها، لماذا؟ لأنهم كفروا بالله وفرغ الشيطان منهم، وإلا ماذا يريد منهم بعد ذلك، فلم تَبْقَ إلا شهوات النفس فاشتهوا أنْ يطمسوا الدعوة، وأنْ يذلوا مَنْ آمن ويجعلوه عبرةً لمن يفكر في الإيمان، لكن حال الله بينهم وبين ما أحبوا، وسارت الدعوة على خلاف ما اشتهوا، فمن ذُلَّ وضُرب وأُهين من المؤمنين ثبت على إيمانه، ومَنْ كان يفكر في الإيمان لم يَرْهَبَهُم، ولم يخف مما فعلوه بإخوانه المؤمنين.
فإنْ قلت: كيف أسلم اللهُ المؤمنين الأوائل لأنْ يعذبهم الكفار، وأنْ يُهينوهم ويُخرجوهم من أرضهم؟ نقول: كان هذا لحكمة عالية أرادها الحق سبحانه، وهي أنْ يُمحِّص إيمان المؤمنين، بحيث لا يثبت على إيمانه إلا قوى العزيمة الذي يصبر على تحمل الشدائد، فهؤلاء هم الذين سيحملون منهج السماء ودعوة الحق إلى العالم أجمع، فلا بد أن يكونوا صفوة تختار دين الله وتضحي في سبيله بكل غالٍ ونفيس.
لذلك أراد سبحانه أنْ تتزلزل هذه الدعوة في بدايتها عدة مرات، وأن ترى بعض الفتن التي تُغربل الناس، وتُخرِج المؤمنين في جانب، والمنافقين في الجانب الآخر...
وقوله سبحانه: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ يعني هذه القضية ليست خاصة بكفار مكة، إنما هي سنة مُتبعة في الأمم السابقة، ومعنى بِأَشْيَاعِهِم بأمثالهم من الكفار في الأُمم السابقة.
والأشياع: جمع شيعة، وهم الجماعة المجتمعة على رأي ينتفعون به، ويدافعون عنه، سواء أكان حقاً أم كان باطلاً، فقوله تعالى هنا: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ دلَّ على أنهم كانوا على باطل...
والمعنى: أنهم أُخِذوا كما أُخِذ أمثالهم من الكافرين مع الفارق بين الحالتين، فقبل رسول الله كانت السماء تتدخل مباشرة لتدافع عن دين الله وعن نبي الله؛ لذلك حدثتْ فيهم الزلازل والخسْف والصيحة والمسخ.. إلخ.
فالأمم السابقة لم تكُنْ مأمونة على أنْ تدفع عن دين الله بسيفها، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد استأمنها الله على هذه المهمة، فحملتْ السيف ودافعتْ عن دينها؛ لذلك أكرم الله هذه الأمة، فلم يحدث فها خَسْف، ولا مَسْخ ولا إغراق. مما حدث لسابقيهم.
لذلك لما يئس نوح عليه السلام من هداية قومه دعا عليهم:
رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧].
أما سيدنا رسول الله فجاءه الملَك يعرض عليه الانتقام من كفار قومه، فيقول: لا، لعل الله يُخرِج من أصلابهم مَنْ يقول لا إله إلا الله. وفعلاً آمن منهم كثيرون أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، كما كانوا ألدَّ أعداء الإسلام صاروا قادته الفاتحين.
وقد تألم المسلمون كثيراً؛ لأن هؤلاء نجوْا من القتل، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدخرهم للإسلام، فصار خالد سيف الله المسلول، وعمرو أعظم القادة الفاتحين، ويكفي شهادة لعكرمة أنه ابن أبي جهل، وأنه لما ضُرِب ضربة قوية في موقعة اليرموك احتضنه خالد وهو يعاني سكرات الموت، فقال: يا خالد، أهذه ميتة تُرضي عني الله ورسوله؟...
ثم تُختم السورة بقوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ [سبأ: ٥٤] كانوا في شك من أمر رسول الله، ونُصْرته عليهم، وعدم تخلِّي ربه عنه، مع أنهم كانوا على اتصال بأهل الكتاب، وأهل الكتاب يقرأون كتبهم على هؤلاء الكفار ويستفتحون بها عليهم، وقد علموا منها أن عاقبة الصراع بين الرسل وأقوامهم على مَرِّ موكب الرسالة كانت للرسل؛ لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولاً ثم يُسلمه أو يتخلى عنه.
وهذه قضية ذُكِرت في الكتب السابقة كما ذُكِرت في القرآن في أكثر من موضع، وإن كانت الكتب السابقة قد ضاعت أو حُرِّفت فالقرآن هو كتاب الله الباقي الذى تكفَّل الله بحفظه، فهو يُتلَى كما أُنْزِل إلى يوم القيامة، وفيه يقول الله تعالى:
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [غافر: ٥١].
وقال سبحانه:
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٢].
لذلك سبق أنْ قلنا: إنْ هُزِم الإسلام في معركة مع غيره فاعلم أن شرط الجندية الإيمانية قد اختلَّ، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية الإيمانية قد اختلَّ، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية فيهم ما قامتْ للإسلام قائمة بعدها، وهذا الدرس تعلمناه في أُحُد، لما خالف الرماة أمر رسول الله ونزلوا من على الجبل يريدون الغنائم، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذَّرهم من هذا، وقال لهم: لا تتركوا أماكنكم مهما حدث، فلما تركوا أماكنهم التفَّ عليهم الكفار، وكادوا يهزمونهم.
وإنْ كان التحقيق أن الكفار لم ينتصروا في أُحُد؛ لأن المعركة (ماعت)، ولو انتصر المسلمون مع هذه المخالفة لهَانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولقالوا: لقد خالفنا أمره في أُحد وانتصرنا، إذن: نقول: الذي هُزِم في أُحد هو مَنِ انخذل عن جندية الإيمان، أمَّا الإسلام في حدِّ ذاته فقد انتصر.
إذن: كانوا في شكٍّ من الغاية التي ينتهي إليها رسول الله، والشك هنا في رسول الله لأن لديهم قضية عقدية هي الإيمان بوجود الله، وأنه سبحانه الخالق لكل شيء، بدليل قوله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧].
والاشتهاء طلب شهوة النفس من غير ارتباط بمنهج، لكن ما الذي كان يشتهيه الكفار؟ كانوا يشتهون أنْ يطمسوا دعوة الحق، فلم يُمكِّنهم الله من طمسها، كما قال سبحانه:
يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَٰفِرُونَ [التوبة: ٣٢].
وقال سبحانه:
هُوَ الَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩].
وهم يشتهون انطماس الدعوة؛ لتبقى لهم سيادتهم التي نهبوها على حساب الضعفاء، ولتظل لهم المكانة والتصرُّف، كذلك يَشْتهون انطماس الدعوة حتى لا تقف مناهج الله عقبة أمام شهوات نفوسهم...
فقوله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤] دلَّ على أن المسألة بالنسبة لهم كانت شهوةَ نفس، لا مدخلَ للشيطان فيها، لماذا؟ لأنهم كفروا بالله وفرغ الشيطان منهم، وإلا ماذا يريد منهم بعد ذلك، فلم تَبْقَ إلا شهوات النفس فاشتهوا أنْ يطمسوا الدعوة، وأنْ يذلوا مَنْ آمن ويجعلوه عبرةً لمن يفكر في الإيمان، لكن حال الله بينهم وبين ما أحبوا، وسارت الدعوة على خلاف ما اشتهوا، فمن ذُلَّ وضُرب وأُهين من المؤمنين ثبت على إيمانه، ومَنْ كان يفكر في الإيمان لم يَرْهَبَهُم، ولم يخف مما فعلوه بإخوانه المؤمنين.
فإنْ قلت: كيف أسلم اللهُ المؤمنين الأوائل لأنْ يعذبهم الكفار، وأنْ يُهينوهم ويُخرجوهم من أرضهم؟ نقول: كان هذا لحكمة عالية أرادها الحق سبحانه، وهي أنْ يُمحِّص إيمان المؤمنين، بحيث لا يثبت على إيمانه إلا قوى العزيمة الذي يصبر على تحمل الشدائد، فهؤلاء هم الذين سيحملون منهج السماء ودعوة الحق إلى العالم أجمع، فلا بد أن يكونوا صفوة تختار دين الله وتضحي في سبيله بكل غالٍ ونفيس.
لذلك أراد سبحانه أنْ تتزلزل هذه الدعوة في بدايتها عدة مرات، وأن ترى بعض الفتن التي تُغربل الناس، وتُخرِج المؤمنين في جانب، والمنافقين في الجانب الآخر...
وقوله سبحانه: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ يعني هذه القضية ليست خاصة بكفار مكة، إنما هي سنة مُتبعة في الأمم السابقة، ومعنى بِأَشْيَاعِهِم بأمثالهم من الكفار في الأُمم السابقة.
والأشياع: جمع شيعة، وهم الجماعة المجتمعة على رأي ينتفعون به، ويدافعون عنه، سواء أكان حقاً أم كان باطلاً، فقوله تعالى هنا: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ دلَّ على أنهم كانوا على باطل...
والمعنى: أنهم أُخِذوا كما أُخِذ أمثالهم من الكافرين مع الفارق بين الحالتين، فقبل رسول الله كانت السماء تتدخل مباشرة لتدافع عن دين الله وعن نبي الله؛ لذلك حدثتْ فيهم الزلازل والخسْف والصيحة والمسخ.. إلخ.
فالأمم السابقة لم تكُنْ مأمونة على أنْ تدفع عن دين الله بسيفها، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد استأمنها الله على هذه المهمة، فحملتْ السيف ودافعتْ عن دينها؛ لذلك أكرم الله هذه الأمة، فلم يحدث فها خَسْف، ولا مَسْخ ولا إغراق. مما حدث لسابقيهم.
لذلك لما يئس نوح عليه السلام من هداية قومه دعا عليهم:
رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧].
أما سيدنا رسول الله فجاءه الملَك يعرض عليه الانتقام من كفار قومه، فيقول: لا، لعل الله يُخرِج من أصلابهم مَنْ يقول لا إله إلا الله. وفعلاً آمن منهم كثيرون أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، كما كانوا ألدَّ أعداء الإسلام صاروا قادته الفاتحين.
وقد تألم المسلمون كثيراً؛ لأن هؤلاء نجوْا من القتل، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدخرهم للإسلام، فصار خالد سيف الله المسلول، وعمرو أعظم القادة الفاتحين، ويكفي شهادة لعكرمة أنه ابن أبي جهل، وأنه لما ضُرِب ضربة قوية في موقعة اليرموك احتضنه خالد وهو يعاني سكرات الموت، فقال: يا خالد، أهذه ميتة تُرضي عني الله ورسوله؟...
ثم تُختم السورة بقوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ [سبأ: ٥٤] كانوا في شك من أمر رسول الله، ونُصْرته عليهم، وعدم تخلِّي ربه عنه، مع أنهم كانوا على اتصال بأهل الكتاب، وأهل الكتاب يقرأون كتبهم على هؤلاء الكفار ويستفتحون بها عليهم، وقد علموا منها أن عاقبة الصراع بين الرسل وأقوامهم على مَرِّ موكب الرسالة كانت للرسل؛ لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولاً ثم يُسلمه أو يتخلى عنه.
وهذه قضية ذُكِرت في الكتب السابقة كما ذُكِرت في القرآن في أكثر من موضع، وإن كانت الكتب السابقة قد ضاعت أو حُرِّفت فالقرآن هو كتاب الله الباقي الذى تكفَّل الله بحفظه، فهو يُتلَى كما أُنْزِل إلى يوم القيامة، وفيه يقول الله تعالى:
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [غافر: ٥١].
وقال سبحانه:
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٢].
لذلك سبق أنْ قلنا: إنْ هُزِم الإسلام في معركة مع غيره فاعلم أن شرط الجندية الإيمانية قد اختلَّ، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية الإيمانية قد اختلَّ، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية فيهم ما قامتْ للإسلام قائمة بعدها، وهذا الدرس تعلمناه في أُحُد، لما خالف الرماة أمر رسول الله ونزلوا من على الجبل يريدون الغنائم، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذَّرهم من هذا، وقال لهم: لا تتركوا أماكنكم مهما حدث، فلما تركوا أماكنهم التفَّ عليهم الكفار، وكادوا يهزمونهم.
وإنْ كان التحقيق أن الكفار لم ينتصروا في أُحُد؛ لأن المعركة (ماعت)، ولو انتصر المسلمون مع هذه المخالفة لهَانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولقالوا: لقد خالفنا أمره في أُحد وانتصرنا، إذن: نقول: الذي هُزِم في أُحد هو مَنِ انخذل عن جندية الإيمان، أمَّا الإسلام في حدِّ ذاته فقد انتصر.
إذن: كانوا في شكٍّ من الغاية التي ينتهي إليها رسول الله، والشك هنا في رسول الله لأن لديهم قضية عقدية هي الإيمان بوجود الله، وأنه سبحانه الخالق لكل شيء، بدليل قوله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧].
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
34 مقطع من التفسير