جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
وقوله : " إنّي خَشيتُ أنْ تَقُولَ فَرّقْتَ بينَ بَنِي إسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلي " فاختلف أهل العلم في صفة التفريق بينهم، الذي خشيه هارون، فقال بعضهم : كان هارون خاف أن يسير بمن أطاعه، وأقام على دينه في أثر موسى، ويخلف عبدة العجل، وقد قالُوا له " لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفينَ حتى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسَى " فيقول له موسى " فَرّقْتَ بينَ نَبِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلي " بسيرك بطائفة، وتركك منهم طائفة وراءك. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، في قول الله تعالى : " ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلّوا ألاّ تَتّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي " قال : " خَشِيتُ أنْ تَقُول فَرّقْتَ بينَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلي " قال : خشيت أن يتبعني بعضهم ويتخلف بعضهم.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج " إنّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرّقْتَ بينَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلي " قال : كنا نكون فرقتين فيقتل بعضنا بعضا حتى نتفانى.
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب، القول الذي قاله ابن عباس من أن موسى عذل أخاه هارون على تركه اتباع أمره بمن اتبعه من أهل الإيمان، فقال له هارون : إني خشيت أن تقول، فرّقت بين جماعتهم، فتركت بعضهم وراءك، وجئت ببعضهم، وذلك بيّن في قول هارون للقول " يا قَومِ إنّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإنّ رَبّكُمُ الرّحْمَنُ فاتّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي "، وفي جواب القوم له وقيلهم " لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكفِينَ حتى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسَى ".
وقوله : " ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلي " يقول : ولم تنظر قولي وتحفظه. من مراقبة الرجل الشيء، وهي مناظرته بحفظه، كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس : " ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلي " قال : لم تحفظ قولي.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد (أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا) قال: العجل.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله (أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ) ذلك العجل الذي اتخذوه (قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا).
وقوله (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ) يقول: لقد قال لعبدة العجل من بني إسرائيل هارون، من قبل رجوع موسى إليهم، وقيله لهم ما قال مما أخبر الله عنه (إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ) يقول: إنما اختبر الله إيمانكم ومحافظتكم على دينكم بهذا العجل الذي أحدث فيه الخوار، ليعلم به الصحيح الإيمان منكم من المريض القلب، الشاكّ في دينه.
كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال لهم هارون: (إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ) يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل.
وقوله (وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) يقول: وإن ربكم الرحمن الذي يعم جميع الخلق نعمه، فاتَّبعوني على ما آمركم به من عبادة الله، وترك عبادة العجل، وأطيعوا أمري فيما آمركم به من طاعة الله، وإخلاص العبادة له، وقوله (قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ) يقول: قال عبدة العجل من قوم موسى: لن نزال على العجل مقيمين نعبده، حتى يرجع إلينا موسى.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي عذل موسى عليه أخاه من تركه اتباعه، فقال بعضهم: عذله على تركه السير بمن أطاعه في أثره على ما كان عهد إليه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما قال القوم (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) أقام هارون فيمن تبعه من المسلمين ممن لم يُفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوّف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى (فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) وكان له هائبا مطيعا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلا تَتَّبِعَنِي) قال: تدعهم.
وقال آخرون: بل عذله على تركه أن يصلح ما كان من فساد القوم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلا تَتَّبِعَنِي) قال: أمر موسى هارون أن يصلح، ولا يتبع سبيل المفسدين، فذلك قوله (أَلا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) بذلك، وقوله (قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) وفي هذا الكلام متروك، ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام عليه، وهو: ثم أخذ موسى بلحية أخيه هارون ورأسه يجرّه إليه، فقال هارون (يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي).
وقوله (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) فاختلف أهل العلم في صفة التفريق بينهم، الذي خشيه هارون، فقال بعضهم: كان هارون خاف أن يسير بمن أطاعه، وأقام على دينه في أثر موسى، ويخلف