نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٢:قوله تعالى : ذلك ومن يعظم شعائر الله.... إلى قوله تعالى : فإلهكم إله واحد :
الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء أشعر الله به تعالى وأعلم. وقد اختلف ما المراد بها في الآية. فقيل الهدي والأنعام المشعرة. ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بها والمغالاة في ثمنها، وإليه ذهب ابن عباس وغيره ١ وقد أنكر القاضي أبو إسحاق هذا القول وإنما هي جميع الشعائر. قال : ومما يبين ذلك قوله تعالى : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله [ الحج : ٣٦ ] فأخبر تعالى أن البدن من الشعائر. ومن قال بالقول الأول يريد أن يجعل البدن جميع الشعائر، قال ومما يبين ذلك قوله تعالى : لكم فيها منافع إلى أجل مسمى وذلك يقتضي أن يكون أجلا مؤقت كالوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ورمي الجمار. وقيل الشعائر مواضع الحج ومعالمه كالبيت والصفا والمروة ومنى وعرفة والمزدلفة وغير ذلك، وإليه ذهب ابن عمر وغيره ٢. وقد روي عن زيد بن أسلم ٣ أنه قال : الشعائر ست : الصفا والمروة والجمار والمشعر الحرام وعرفة والركن. والحرمات خمس : الكعبة الحرام والبيت الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام والمحرم حتى يحل. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الأول في المنافع المذكورة في الآية ما هي، فقال مجاهد وغيره ٤ : أراد أن للناس في أنعامهم منافع من الصوف واللبن وغير ذلك ما لم يبعثها ربها هديا، وإذا بعثها لم يحل له شيء من ذلك. وبعثها هو الأجل المسمى. وقال عطاء وغيره : لكم في الهدي المبعوث منافع من الركوب والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها. ولأجل هذا الخلاف في التفسير يختلف الفقهاء في مسائل. فمن ذلك ركوب الهدي، أجازه مالك من غير فدح ولم يجزه أبو حنيفة إلا عند الضرورة. قال : فإن نقصها للركوب تصدق بمقدار ما نقصها. فأجازه أهل الظاهر جملة من غير تفصيل وبه يقول أحمد وإسحاق. وأوجب بعضهم ركوبها لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور لسائق البدنة :" اركبها " ٥. ومن ذلك لبن الهدي، كرهه مالك ولا يعذر في فعيلها، وأجازه بعضهم عند الضرورة وأجازه بعضهم من غير تفصيل. وقال أبو حنيفة إن نقصها الشرب فعليه قيمة ذلك، وقد نسبه بعضهم للشافعي. والآية على هذا التأويل الواحد حجة لمن أجاز شيئا من ذلك. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الثاني في المنافع أيضا ما هي، فقالت فرقة : المنافع التجارة وطلب الرزق. وقالت فرقة المنافع كسب الأجر والمغفرة، والأجل على هذا القول الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة.
وقوله تعالى : ثم محلها معناه ثم أخر هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه فاقتضى هذا أن الحاج بعد هذا الطواف قد حل له كل شيء من ممنوعات الحج. وقد اختلف فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة. فقال الشعبي وأبو حنيفة يحل له كل شيء إلا النساء. وقال إسحاق ٦ في أحد قوليه يحل له كل شيء إلا النساء والصيد. وقال مالك ٧ يحل له كل شيء إلا النساء والصيد والطيب، وهذا أليق بظاهر الآية لأنها تقتضي أن الذي يتم به الحج الطواف وتلك الأشياء لا تجوز قبل تمام الحج فينبغي أن لا تحل إلا بعد الطواف. واحتج مالك رحمه الله تعالى في الموطأ ٨ بهذه الآية على صحة قول عمر رضي الله تعالى عنه في طواف الوداع : لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن أخر النسك الطواف بالبيت. قال القاضي أبو إسحاق وقوله تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق فإذا طاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حل بالبيت. قال الباجي : وهذا الذي قاله يحتاج إلى تأمل لأنه يحتمل أن يريد به حل من الإحلال، ويحتمل أن يريد حل من الحلول وهو الوصول. وظاهر اللفظ إنما يقتضي أن الشعائر تنتهي إلى البيت العتيق، أما أن يكون الطواف به أحد الشعائر وأما أن يكون نهايتها وتمامها ٩ فثبت بهذا أن طواف الوداع مستحب خلافا لأبي حنيفة أنه واجب.
٢ أضاف ابن عطية ابن زيد والحسن ومالك. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٠٠..
٣ زيد بن أسلم العدوي العمري، فقيه، مفسر، كان له حلقة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ١٣٦ هـ/ ٧٥٨م. انظر تهذيب التهذيب ٣/ ٣٩٥..
٤ أضاف ابن عطية: قتادة. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٠٠..
٥ راجع ذلك في أحكام القرآن للجصاص، باب: في ركوب البدنة ٥/ ٧٨، ٧٩، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٥٧..
٦ في (أ): "سحنون" وفي (ب): "الشافعي"..
٧ من قوله: "يحل له.... إلى: وقال مالك" كلام ساقط في (هـ)..
٨ راجع الموطأ، كتاب الحج، باب: وداع البيت ١/ ٢٤٨، ٢٤٩..
٩ راجع القول في المنتقى للباجي، كتاب الحج، باب: وداع البيت ٢/ ٢٩٢، ٢٩٣..
أحكام القرآن
ابن الفرس