وليس بقوي ولا ظاهر هاهنا، والصحيح أن المعنى: فإن تعظيمها، فحذف المضاف لدلالة يُعَظِّمْ على التعظيم كما قال وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [الحج: ٣٠] فكنى عن التعظيم لما دل يعظم عليه، كذلك هاهنا حذف التعظيم لما كان يعظم يدل عليه، والمعنى: فإن (١) اتخاذ البدن من أعظمها وأسمنها من تقوى القلوب.
قال ابن عباس: يريد من التقوى الذي اتقاه المتقون.
وأضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب (٢)، كما روي في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: "التقوى هاهنا" وأشار إلى صدره (٣).
٣٣ - قوله تعالى: لَكُمْ فِيهَا أي: في الشعائر مَنَافِعُ أكثر أهل التفسير على أن المراد بهذا: أن (٤) في الهدايا منافع لصاحبها إلى أن يسميها هديا ويشعرها، فله منافع رسلها (٥) ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها (٦) إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو أن يسميها هديًا فتنقطع المنافع بعد ذلك.
(٢) انظر: القرطبي ١٢/ ٥٦.
(٣) هذا قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في "مسنده" ٢/ ٢٧٧، ومسلم في "صحيحه" كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم ٤/ ١٩٨٦ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٤) أن: ساقطة من (أ).
(٥) رسلها: أي لبنها. "لسان العرب" ١١/ ٢٨٢ (رسل).
(٦) في (أ): (ظهرها).
وهذا قول مجاهد، وعطاء، والضحاك، وقتادة، ورواية مقسم عن ابن عباس، والكلبي (١)، قال: تُحلب وتركب إلى أن تُقلَّد وتُسمَّى.
وهؤلاء لا يرون الانتفاع بلبنها ولا بوبرها ولا بظهرها بعد أن سُميت هديًا، ويقولون: لا ينتفع بها غير أهل الله (٢)، إلا عند الضرورة المخوف معها الموت.
وروى ابن أبي نجيج، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: لَكُمْ فِيهَا أي: في الهديا منافع، قال: هو ركوبها وشرب لبنها إن احتاج إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى أن تنحر (٣).
وهذا مذهب الشافعي (٤) رحمه الله، وعنده أن المُهْدِي لو ركب هديه ركوبًا غير فادح (٥) فلا بأس، لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر برجل يسوق بدنة،
ورواه الطبري في "تفسيره" ١٧/ ١٥٧ - ١٥٨ عنهم إلا الكلبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٤٦ عن مجاهد، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير. وابن أبي حاتم.
ورواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل ١٥٦ أعن عطاء والضحاك، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٤٦ عنهما، وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) يعني: فقراء الحرم.
(٣) رواه الطبري ١٧/ ١٥٨ عن عطاء من طريق ابن أبي نجيح إلى قوله: إن احتاج. أما قوله (إلى أجل مسمى) إلى أن تنحر، فرواه الطبري ١٧/ ١٥٨ من رواية ابن جريج قال: قال عطاء: فذكره.
(٤) انظر: "الأم" ٢/ ١٨٣، "الحاوي" للماوردي ٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧، "فتح الباري" ٣/ ٥٣٧.
(٥) غير فادح: غير مثقل. "لسان العرب" ٢/ ٥٤٠ (فدح).
فأمره بركوبها، وقال: (اركبها) فقال: إنها هدي فقال: (اركبها)، فقال: إنها هدي فقال: (اركبها ويحك) (١).
وله أن يحلب لبنها، والآية تدل على هذا؛ لأن قوله لَكُمْ فِيهَا أي: في الشعائر، فالكناية عنها، ولا تسمى شعائر قبل إيجابها وتسميتها (٢). وهذا يدل على إباحة الانتفاع بها وهي تسمى شعائر (٣).
وعلى هذا القول المراد بالأجل المسمى: نحرها وذبحها.
وقوله ثُمَّ مَحِلُّهَا أي: حيث يحل [نحرها. وذكرنا هذا عند قوله حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦].
وقوله إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ يعني عند البيت العتيق. وهو] (٤) الحرم كله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كلُّ فِجاج مكة منحرٌ ومَذبح، وكلُّ فِجاجِ مِنى مَنْحر ومَذْبح" (٥).
ورواه بنحوه البخاري في "صحيحه" كتاب: الحج، باب: ركوب البدين ٣/ ٥٣٦، ومسلم كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها ٢/ ٩٦٠ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه لكن عندهما (بدنه) بدل (هدى) و (ويلك) بدل (ويحك).
(٢) في (أ): (تسمينها)، وهو خطأ.
(٣) انظر: "الأم" ٢/ ١٨٣، "الحاوي" للماوردي ٤/ ٣٧٦، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي ٣/ ٢٨٢، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ٥٦ - ٥٧.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٥) رواه أبو داود في "سننه" كتاب: الحج، باب: الصلاة بجمع ٥/ ٤١٣، وابن ماجه في "سننه" كتاب. المناسك، باب. الذبح ٢/ ١٨٦ من حديث جابر رضي الله =
وكثيرمن المفسرين يقولون: عني بالبيت العتيق: الحرم كله؛ لأن الحرم كله منحر (١).
وهذا وَهْمٌ لا يعبر عن الحرم بالبيت العتيق ولا يفهم ذلك منه؛ لأن البيت اسم للبنية المعروفة، فلا يقع على الحرم كله.
واحتج من قال بهذا بقول فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة: ٢٨] يعني الحرم كله.
وهذا لا يُشبه قوله بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ لأن الحرم كله مسجد، على معنى أنه يجوز الصلاة فيه (٢) كما روي في الحديث: "جُعِلت لي الأرضُ مسجدًا" (٣).
فسماها كلها مسجدًا على المعنى الذي ذكرنا. والبيت لا يقع على الحرم كله، لو كان الأمر على ما قالوا لقيل: ثم محلها البيت العتيق، أي: الحرم، فلما قيل إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٤) دل على أن المعنى: عند البيت
وحسن هذا الحديث الزيلعي في "نصب الراية" ٣/ ١٦٢. ومعنى فجاج: جمع فج وهو الطريق الواسع بين الجبلين. "الصحاح" للجوهري ١/ ٣٣٢ (فجج).
(١) انظر: الطبري ١٧/ ١٦٠، و"الكشف والبيان" للثعلبي ٣/ ٥٢ ب.
(٢) (فيه): ساقطة من (أ).
(٣) هذا قطعة من حديث رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الصلاة، باب: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" ١/ ٥٣٣ ومسلم في "صحيح" كتاب: المساجد، ومواضع الصلاة ١/ ٣٧ من حديث جابر رضي الله عنه، وأوله: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي".
(٤) (العتيق): زيادة من (أ).
وما يقرب منه؛ لأن (إلى) تضم الشيء إلى الشيء، وتقربه منه (١).
هذا الذي ذكرنا كله على قوله من يقول: الشعائر: الهدايا.
وقال آخرون: الشعائر المناسك (٢) كلها، ومشاهد (٣) مكة. وهي المعالم التي أمر الله بالقيام بها، وندب إليها منها: عرفة، والجمار، والصفا والمروة، والمشعر الحرام.
وهذا قول ابن زيد (٤)، ورواية أبي رزين عن ابن عباس (٥).
وعلى هذا معنى تعظيم الشعائر: توقيرها، وترك الاستهانة بها.
قوله لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ أي: بالتجارة والأسواق، قال ابن عباس: لم يذكر منافع إلا للدنيا (٦) إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى أن يخرج من مكة (٧).
وقيل: مَنَافِعُ بالأجر والثواب لإقامة المناسك وتعظيم الشعائر إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى انقضاء أيام الحج (٨).
وقوله: ثُمَّ مَحِلُّهَا المحل (٩) على هذا القول مصدر أضيف إلى
(٢) في (ع): (الهدايلك).
(٣) في (ظ): (أي مشاهد).
(٤) رواه الطبري ١٧/ ١٥٦، ١٥٩.
(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ٥٢ ب من رواية أبي رزين، عن ابن عباس.
(٦) في (أ): (الدنيا).
(٧) رواه الطبري ١٧/ ١٥٩ عنه من طريق أبي رزين إلى قوله: للدنيا. وذكر باقيه الثعلبى في "الكشف والبيان" ٣/ ٥٢ ب عنه من رواية أبي رزين.
(٨) "الكشف والبيان" للثعلبي ٣/ ٥٢ ب وصدره بقوله: وقال بعضهم.
(٩) (المحل). ساقط من (ظ)، (د)، (ع).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي