ثم يقول الحق سبحانه :
لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ( ٣٣ ) :
يعني : ما دامت هذه المسائل من شعائر الله ومن تقوى القلوب فاعملوها وعظموها، لأن لكم فيها منافع عرفتها أو لم تعرفها، وربما تعرف بعضها ولا تعرف الباقي، لأنه مستور عنك ولو أنك لا تعلم قيمة الجزاء على هذه الشعائر، فقيمة الجزاء على العمل بحسب أنفاس الإخلاص في هذا العمل.
ومعنى إلى أجل مسمى.. ( ٣٣ ) [ الحج ] : ما دام الحق- سبحانه وتعالى- ذيل الآية بقوله ثم محلها إلى البيت العتيق ( ٣٣ ) [ الحج ] : إذن : فالمراد هنا شعيرة الذبح، ولا يخفى ما فيها من منافع حيث ننتفع بصوفها ووبرها ولبنها ولحمها، ونتخذها زينة وركوبة.
كل هذا إلى أجل مسمى.. ( ٣٣ ) [ الحج ] : يعني : زمن معلوم، وهو حين تقول وتنوي : هذه هدية للحرم، ساعة تعقد هذه النية فليس لك الانتفاع بشيء منها، لا أنت ولا غيرك(١) : لذلك يميزونها بعلامة حتى إن ضلت من صاحبها يعرفون أنها مهداة لبيت الله، فلا يأخذها أحد(٢).
وما دامت هذه منافع إلى أجل مسمى، فلا بد أنها المنافع الدنيوية، أما المنافع الأخروية فسوف تجدها فيما بعد في الآخرة.
ثم يقول سبحانه : ثم محلها إلى البيت العتيق ( ٣٣ ) [ الحج ] : أي : بعد هذا الأجل المسمى ينتهي بها المطاف عند الحرم حيث تذبح هناك.
وقد كان للعلماء(٣) كلام حول هذه الآية : ثم محلها إلى البيت العتيق ( ٣٣ ) [ الحج ] : حيث قالوا : محل الذبح في منى، وليس في مكة، والآية تقول : محلها البيت العتيق.
نقول : الأصل كما جاء في الآية أن الذبح في مكة وفي الحرم، إلا أنهم لما استقذروا الذبح في الحرم بسبب ما يخلفه من قاذورات ودماء وخلافه نتيجة هذه العملية، فرؤي أن يجعلوا الذبح بعيدا عن الحرم حتى يظل نظيفا، وهذا لا يمنع الأصل، وهو أن يكون الذبح في الحرم، كما جاء في آية أخرى : هديا بالغ الكعبة.. ( ٩٥ ) [ المائدة ].
وفي الحديث الشريف : " مكة كلها منحر " (٤).
٢ - وهو قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد.. (٢) [المائدة]. قال ابن كثير في تفسيره (٢/٤): "يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام فإن فيه تعظيم شعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها"..
٣ - هناك قولان في تفسير هذه الآية، في عود الضمير في (محلها):
- البدن والهدي، أي: إلى يوم النحر تنحر بمنى. [عن عطاء]. وإذا دخلت الحرم فقد بلغت محلها [عكرمة]. وهذا ما أخذ به فضيلة الشيخ الشعراوي رحمه الله.
- شعائر ومناسك الحج. أي: أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. قاله القرطبي في تفسيره (٦/٤٥٨٨)..
٤ - عن جابر بن عبد الله أنه قال: نحر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فحلق وجلس للناس، فما سئل عن شيء إلا قال: لا حرج لا حرج، حتى جاءه رجل فقال: حلقت قبل أن أنحر. قال: لا حرج. ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أرمي قال: لا حرج قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "عرفة كلها موقف، والمزدلفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر" أخرجه أحمد في مسنده (٣/٣٢٦) والدارمي في سننه (٢/٥٧)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي