ثم رد على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال :
فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ * بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُواْ إِن هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَئذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ * وَقَالُواْ يا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : فَاسْتَفْتِهِمْ أي : فاستخبر كفّار مكّة أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أي : أقوى خلقاً وأعظم، أو : أصعب خلقاً وأشقه. أَم مَّنْ خَلَقْنَا يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشُهب الثواقب ؟ وجيء ب " مَنْ " تغليباً للعقلاء. ويدلّ عليه قراءة مَن قرأ :( أم من عددنا ) بالتشديد والتخفيف. والقصد : الرد على منكري البعث، فإنَّ مَن قدرَ على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر.
ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله : إِنا خلقناهم من طين لازب لاصق باليد، أو : لازم. وقرئ به، أي : يلزم مَن جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف ؛ لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خُلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقاً آخر ؟ حيث قالوا : أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً [ الرعد : ٥ ]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعدُ ؛ من ذكر إنكارهم البعث.
ومَن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد : ألا يُظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقّق بوصفه مدَّه اللهُ بوصفه. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي