ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿ

والإثم أفظع المعاصي والقوم الذين ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستشفعوا عنده لابن أبيرق لكي يحكم له الرسول ضد اليهودي، لماذا صنعوا ذلك ؟ لأنهم استفظعوا أن يفضح أمر مسلم ويبرأ يهودي، استحيوا أن يحدث هذا، وعالج القرآن هذه القضية وذلك ليأتي بالحيثية التي دعتهم إلى أن يفعلوا هذا ويقضي على مثل هذا الفعل من أساسه، فقال :
يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ )
إنهم يطلبون البراءة أمام الناس في أن " طعمة " لم يفعل السرقة، ولكن هل يملك الناس ما يملكه الله عنهم ؟ إنه سبحانه أحق بذلك من الناس فإذا كنتم تريدون التعمية في قضاء الأرض فلن تعموا على قضاء السماء. وهذه القضية يجب أن تحكم حركة المؤمن، فإذا ما فكر إنسان منسوب إلى الإسلام أن يفعل شيئا يغضب الله فعليه أن يفكر : أنا لو فعلت ذلك لفضحت نفسي أو فضحت ولدي أو فضحت أسرتي أو فضحت المسلمين وعلى الإنسان المسلم ألا يخشى الناس إن فعل أخ له شيئا يشين المسلمين، بل عليه أن يأخذ على يديه ويرده عن فعله ونقول لمن يستتر عن الناس، أنت استخفيت من الناس ولم تستخف من الله لذلك فأنت غير مأمون على ولاية.
" يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم " وكلمة " معهم " هذه تريد أن تجعل المؤمن مصدقا أن الله لا تخفى عليه خافية إنه من الممكن أن يستتر الشخص عن الناس ولكنه لا يستطيع أبدا أن يستتر عن الله لأن الله مع كل إنسان في الخلوة والعلن، فإن قدر واحد على الاستخفاء من الناس فهو لن يقدر على الاستخفاء من الله.
" يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول " و " يبيت " أي أنه يفعل أمره في الليل لأن الناس كانت تلجأ إلى بيوتهم في الليل ومعنى يبيت أن يصنع مكيدة في البيت ليلا، وكل تدبير بخفاء اسمه " تبييت " حتى ولو كان في وضح النهار، ولا يبيت إنسان في خفاء إلا رغبة منه في أن ينقض عنه عيون الرائين فنقول له : أنت تنفض العيون التي مثلك، لكن العيون الأزلية وهي عيون الحق فلن تقدر عليها.
يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ( سورة النساء ).
حين نسمع كلمة " محيط " فلنعلم أن الإحاطة هي تطويق المحيط للمحاط، بحيث لا يستطيع أن يفلت منه علما بحاله التي هو عليها ولا قدرة على أن يفلت منه مآلا وعاقبة فهو سبحانه محيط علما لأنه هو الذي لا تخفى عليه خافية، ومحيط قدرة فلا يستطيع أن يفلت أحد منه إلى الخارج، وسبحانه محيط علما بكل جزئيات الكون وتفاصيله وهو القادر فوق كل شيء، فإذا ما سمعنا كلمة " محيط " فمعناها أن الحق سبحانه وتعالى يحيط ما يحيط به علما بكل جزئياته فلا تستطيع جزئية أن تهرب من علم الحق وسبحانه محيط بكل شيء قدرة فلا يستطيع أن يفلت من مآله شيء من الجزاء الحق.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير