وبعد ذلك تأتي سيرة الخيانة العظمى للإيمان، إنها قول الحق سبحانه :
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لما يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا( ١١٦ ) .
والحق هنا يتكلم عن إنسان لم تحدث له توبة عن الشرك فيؤمن لأن الإيمان يجب ما قبله أي يقطع ما كان قبله من الكفر والذنوب التي لا تتعلق بحقوق الآخرين كظلم العباد بعضهم بعضا، ومن عظمة الإيمان أن الإنسان حين يؤمن بالله وتخلص النية بهذا الإيمان وبعد ذلك جاءه قدر الله بالموت فقد يعطيه سبحانه نعيما يفوق من عاش مؤمنا لفترة طويلة قد يكون مرتكبا فيها لبعض السيئات فينال عقابها.
مثال ذلك " مخيريق " فحينما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد قال مخيريق لليهود : ألا تنصرون محمدا والله إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم فقالوا : اليوم يوم سبت فقال : لا سبت، وأخذ سيفه ومضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل حتى أثبتته الجراحة ( أي لا يستطيع أن يقوم معها ) فلما حضره الموت قال : أموالي إلى محمد يضعها حيث شاء، فلم يصل في حياته ركعة واحدة ومع ذلك نال مرتبة الشهيد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مخيريق سائق يهود وسلمان سائق فارس وبلال سائق الحبشة ".
وسبحانه يبلغنا هنا :" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ولله المثل الأعلى نرى في حياتنا مجتمعا قد تقوم في ثورة أو انقلاب ونجد قادة الثورة أو الانقلاب يرون واحدا يفعل ما شاء له فلا يقتربون منه إلى أن يتعرض للثورة بالنقد أو يحاول أن يصنع انقلابا، هنا تتم محاكمته بتهمة الخيانة العظمى، فما بالنا بالذي يخرج عن نطاق الإيمان كلية ويشرك بالله ؟ سبحانه لا يغفر ذلك أبدا، ولكنه يغفر ما دون ذلك، ومن رحمة الله بالخلق أن احتفظ هو بإرادة الغفران حتى لا يصير الناس إلى ارتكاب كل المعاصي، ولكن لابد من توبة العبد عن الذنب ونعلم أن العبد لا يتم طرده من رحمة الله لمجرد ارتكاب الذنب، ونعلم أن هناك فرقا بين من يأتي الذنب ويفعله ويقترفه وهو يعلم أنه مذنب وأن حكم الله صحيح وصادق، لكن نفسه ضعفت والذي يرد الحكم على الله، وقد نجد عبدا يريد أن يرتكب الذنب فيلتمس له وجه حل، كقول بعضهم : إن الربا ليس حراما هذا هو رد الحكم على الله أما العبد الذي يقول : إنني أعرف أنا الربا حرام ولكن ظروفي قاسية وضروراتي ملحة فهو عبد عاص فقط لا يرد الحكم على الله ومن يرد الحكم على الله هو والعياذ بالله كافر.
" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ولننتبه إلى أن بعض المستشرقين الذين يريدون أن يعيثوا في الأرض فسادا ولكنهم بدون أن يدروا ينشرون فضيلة الإسلام وهم كما يقول الشاعر :
| وإذا أراد الله نشر فضيلة | طويت أتاح لها لسان حسود |
إنهم يقولون : بلغ محمد قومه " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " لكن يبدو أن السهو قد غلبه فقال في آية أخرى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ( من الآية٥٣سورة الزمر ).
هم يحاولون نسبة القرآن إلى محمد لا إلى الله، ويحاولون إيجاد تضارب بين الآيتين الكريمتين ونقول ردا عليهم : إن الواحد منكم أمي ويجهل ملكة اللغة، فلو كانت اللغة عندكم ملكة وسليقة وطبيعة لفهم الواحد قوله الحق :
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ( من الآية ٥٣ سورة الزمر ).
وكان الواجب أن يفهم الواحد منكم أن الشرك مسألة أكبر من الذنب، فالذنب هو أن يعرف الإنسان قضية إيمانية ثم يخالفها ولكن المشرك لا يدخل في هذا الأمر كله، لأنه كافر في القمة ولذلك فلا تناقض ولا تعارض ولا تخالف بين الآيتين الكريمتين والمستشرقون إنما هم قوم لا يفقهون حقيقة المعاني القرآنية.
" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا " والمشرك مهما أخذ من متع لحياته فحياته محدودة، فإن بقيت له المتع فلسوف يتركها وإن لم تبق له المتع فهي تخرج منه، إذن هو إما تارك للمتع بالموت أو المتع تاركة له بحكم الأغيار، فهو بين أمرين : إما أن يفوتها وإما أن تفوته وهو راجع إلى الله، فإذا ما ذهب إلى الله في الآخرة والحساب فالآخرة لا زمن لها، ولذلك ما أطول شقاءه بجريمته وهذا ضلال بعيد جدا، أما الذي يضل قليلا فهو يعود مرة أخرى إلى رشده ومن المشركين بالله هؤلاء الذين لا يجادلون في ألوهية الحق، ولكنهم يجعلون لله شركاء. وهناك بعض المشركين ينكرون الألوهية كلها وهذا هو الكفر، فهناك إذن مشرك يؤمن بالله ولكن يجعل له شركاء.
ولذلك نجد أن المشركين عل عهد رسول الله يقولون عن الأصنام : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ( من الآية٣سورة الزمر ).
ولو قالوا : لا نذبح لهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، مثلا لكان من الجائز أن يدخلوا في عبادة الله ولكنهم يثبتون العبادة للأصنام لذلك لا مفر من دخولهم في الشرك، ويقول سيدنا إبراهيم عن الأصنام :{ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين( ٧٧ )( سورة الشعراء ).
إنه يضع الاستثناء ليحدد بوضوح قاطع ويقول لقومه :
إن ما تعبدونه من الأصنام كلهم عدو لي، إلا رب العالمين كأن قوم إبراهيم كانوا يؤمنون بالله ولكن وضعوا معه بعض الشركاء ولذلك قال إبراهيم عليه السلام عن الله :
الذي خلقني فهو يهدين( ٧٨ )والذي هو يطعمني ويسقيني( ٧٩ ) ( سورة الشعراء ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي