ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ

إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً ( النساء : ١١٦-١٢٢ ).
المعنى الجملي : علمت فيما سلف ان قوله تعالى : إنا أنزلنا إليك الخ نزلت في شأن طعمة بن أبيرق سارق الدرع ورميه اليهودي بسرقته وأن قوله : ومن يشاقق الرسول الخ نزلت في ارتداده عن الدين ولحوقه بالمشركين وهنا ذكر أنه لو لم يرتد لم يكن محروما من رحمة الله ولكنه بارتداده صار بينه وبين رحمته حجاب أيما حجاب فإن كل ذنب يجوز أن يغفره الله للناس إلا ذنب الشرك فإن صاحبه مطرود من عفوه ورحمته.
الإيضاح : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء تقدم هذا النص بعينة في غرض آخر من هذه السورة وأعاد هنا مرة أخرى لأنه إنما ترجى الهداية والموعظة بإبراز المعاني التي يراد إيداعها في نفوس السامعين في كل سياق يقصد فيه توجيها إليها وإعدادها لقبولها ولن يتم ذلك إلا بتكرار المقاصد الأساسية من تلك المعاني حتى تتمكن في النفوس بذلك التكرار ومن ثم نرى رجال الدين والسياسة الذين عرفوا سنن الاجتماع وفهموا طبائع البشر وأخلاقهم يكررون في خطبهم ومقالاتهم أغراضهم ومقاصدهم التي ينشرونها في الصحف والكتب فإن الذهن إذا تكرر عليه مدح الشيء أو ذمه أثر فيه.
المعنى : أكد الله لعباده أنه لا يغفر البتة لأحد أشرك به سواه وأنه قد يغفر لمن يشاء من المذنبين ما دون الشرك من الذنوب فلا يعذبهم عليه.
ذاك أن الشرك هو منتهى فساد الأرواح وضلال العقول فكل خير يلابسه لا يقوى على إضعاف مفاسده وآثامه والعروج بها إلى جوار ربها وإذ إنها تكون موزعة بين شركاء يحولون بينها وبين الخلوص إليه عز وجل والله لا يقبل إلا ما كان خالصا له.
و بعض الناس ممن يسمون أنفسهم بالموحدين يفعلون كما يفعل سائر المشركين فيدعون حين يشتد الكرب ويعظم الخطب غير الله وحده أو مع الله ولا يسمون عملهم دعاء بل يسمونه توسلا واستشفاعا ويسمون من يدعونهم أولياء وشفعاء ولو لم يكن منهم إلا هذا الدعاء لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لكفى ذلك عبادة وشركا بالله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :" الدعاء هو العبادة " رواه أبو داود : أي إن العبادة جد العبادة إنما تكون في الدعاء الذي يفيض على اللسان من قرارة النفس حين وقوع الخطب واشتداد الكرب وهذا ما تسمعه من أصحاب الحاجات عند حدوث الملمات وفي هياكل العبادات ولدى قبور الأموات فكل ذلك يمثل الخشوع والخضوع ويذرف من العين الدموع وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ ( البقرة : ١٦٥ ).
و ما عدا هذا الدعاء من العبادات جله يفعل بالتعليم ويكون في الغالب خاليا من الشعور الذي به يكون القول أو الفعل عبادة إذ هو خال من معنى العبادة وروحها وهو الشعور بالسلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب العادية ولاسيما الأدعية التي تكون في الصلوات أو في غير الصلوات إذ نرى الحافظ لها يحرك بها لسانه وقلبه مشغول بشواغل أخرى فمثل هذا لا يمثل العبادة الحقة التي تملأ القلب نورا والنفس استسلاما وخضوعا والروح طهارة وزكاء.
ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا أي ومن يشرك بالله شيئا فيدعوه معه ويذكر اسمه مع اسمه أو يدعوه وحده ملاحظا أنه يقربه إليه زلفى –فقد ضل عن القصد وبعد عن سبيل الرشد ضلالا بعيدا في سبيل الغواية لأنه ضلال يفسد العقل ويكدر صفاء الروح ويجعله يخضع لعبد مثله ويخضع أمام مخلوق يحاكيه ويكون عبدا للخرافات والأوهام.
و خلاصة ما تقدم :
( ١ ) إن الشرك في العبادة الذي يتجلى في الدعاء هو أقوى أنواع الشرك لأنه يكون باعتقاد ناشيء عن وجدان حاكم على النفس مستعبد لها.
( ٢ ) إن دون هذا – الشرك المبني على الفكر والنظر الذي يحاجك فيه صاحبه بالشبهات المنتزعة من تشبيه الخالق بالمخلوق وقياسه على ظلمة الملوك كقولهم : إن الإنسان الخاطئ لا يليق أن يخاطب الإله العظيم مباشرة بل عليه أن يتخذ له وليا يكون واسطة بينه وبينه كما يتخذ آحاد الرعية الوسائط إلى الملوك والأمراء من المقربين إليهم.
و مثله من يشرك في ربوبية الله باتخاذ بعض المخلوقين شارعين يحلون له ما يرون تحليله ويحرمون عليه ما يرون تحريمه فيتبعهم في ذلك.
( ١ ) إن الجزاء في الآخرة يكون تابعا لما تكون عليه النفس في الدنيا من سلامة العقيدة ومقدار درجة الفضيلة التي يلازمها فعل الخيرات أو فساد الفطرة وخطأ العقيدة والتدنس بالرذيلة التي يلازمها فعل السيئات.
( ٢ ) إن الناس متفاوتون فيما بين ذلك من درجات ودركات أخسها الشرك وأعلاها التوحيد ولكل منهم صفات تماسبهم فلو جاز أن يغفر الشرك ويجعل صاحبه مع النبيين والصديقين والملائكة المقربين لكان ذلك نقضا لسنة الله التي لا تبديل فيها ولا تغيير.


المعنى الجملي : علمت فيما سلف ان قوله تعالى : إنا أنزلنا إليك الخ نزلت في شأن طعمة بن أبيرق سارق الدرع ورميه اليهودي بسرقته وأن قوله : ومن يشاقق الرسول الخ نزلت في ارتداده عن الدين ولحوقه بالمشركين وهنا ذكر أنه لو لم يرتد لم يكن محروما من رحمة الله ولكنه بارتداده صار بينه وبين رحمته حجاب أيما حجاب فإن كل ذنب يجوز أن يغفره الله للناس إلا ذنب الشرك فإن صاحبه مطرود من عفوه ورحمته.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير