عليه انّه في حفظه وكلاءته فلا يخلص إليه أمر يكرهه
، فقال وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
يعني وفد ثقيف وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
يعني لا يستطيعون أن يزيلوا عنك النبوة وقد جعلك الله لها أهلا ثم قال وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
يعني الاحكام وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
من الشرائع وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ
أي منّ الله عَلَيْكَ
بالإيمان عَظِيماً.
[سورة النساء (٤) : الآيات ١١٤ الى ١١٧]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧)
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس يعني قوم طعمة إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أي حثّ عليها أَوْ مَعْرُوفٍ يعينه بفرض أسباب أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ يعني بين طعمة واليهودي وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ القرض بمنح أو هدية ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي طلب رضاه فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ في الآخرة أَجْراً عَظِيماً يعني جنة.
وعن ابن سيرين: معنى النجوى في الكلام المفرد به الجماعة، والإنسان سرا كان أو ظاهرا، ومعنى النجوى في لغة خاصة ومنه نجوت الجلد عن البعير وغيره أي ألقيته عنه.
قال الشاعر:
فقلت أنجوا منها نجا الجلد انه... سيرضيكما منها سنام وغار به «١»
ويقال: نجوت فلانا إذا استنكهته.
قال الشاعر:
نجوت مجالدا فوجدت منه... كريح الكلب مات حديث عهد «٢»
ونجوت الوتر واستنجيته إذا أخلصه.
قال الشاعر:
فتبازت فتبازخت لها... كجلسة الأعسر يستنجي الوتر
(٢) الصحاح: ٦/ ٢٥٠٢.
وأصله كله من النجوة فهو مرتفع من الأرض.
قال الشاعر:
كمن بنجوته كمن بعقوته... والمستكن كمن يمشي بقرواح «١»
فمعنى لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ يعني ما دوّن منهم من الكلام (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) يجوز ان يكون في موضع الخفض والنصب والرفع، فوجه الخفض على قولك: لا خير في كثير من نجواهم إلّا فيمن أمر بصدقة.
والنجوى هاهنا الرجال المتناجون كما قال: وَإِذْ هُمْ نَجْوى.
وقال قائلون: النجوى لمنة فيه فالمنصوب يعلا أن يجعل النجوى فعلا ويكون قوله إلّا استثناء من غير الجنس فيكون وجه النصب ظاهرا.
قال النابغة:
إلّا الأواري لأياً ما أبينها... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد «٢»
وقد يكون في موضع رفع فمن نصب على المعرفة.
وقال الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس... إلّا اليعافير وإلّا العيس
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى نزلت في طعمة بن الأبرق أيضا وذلك إنه لما نزل القرآن فيه وعلم قومه إنه ظالم وخاف هو على نفسه من القطع والفضيحة، هرب إلى مكة فأنزل الله فيه وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ أي يخالف (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى) أي التوحيد بحدوده وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ يقول غير دين المؤمنين دين أهل مكة عبادة الأوثان نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى نكله وما أدخره إلى ما تولى في الدنيا وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً فلم ينته طعمة ولم يراجع وتعمد فأدلج على الرجل من بني سليم من أهل مكة فقال له الحجاج: كف أخلاط فنقب بيته فسقط عليه حجر من البيت فتسبب فيه فلم يستطع أن يدخل فقال رجّحني بمعنى أصبح فأخذ [يتفل] «٣»، فقال بعضهم: دعوه فإنه لجأ إليكم، فتركوه وأخرجوه من مكة فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام فرد فرارا منهم فسرق بعض بضاعتهم وهرب فطلبوه وأخذوه فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فصار قبره تلك الأحجار ويقال انه ركب البحر إلى جدّة فسرق من السفينة كيسا فيه
(٢) لسان العرب: ٣/ ١٢٦، والأواري جمع آري وهو مربط الدابة، واللاي: الجهد، والنؤي: حفرة.
(٣) كذا في المخطوط.
دنانير فأمسكوا به فأخذ وألقي في البحر، ويقال إنه نزل في حرة بني سليم وكان يعبد صنما لهم إلى إن مات، فأنزل الله فيه إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً فنزل فيه وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما «١» الآية.
جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ: نزلت هذه الآية في نفر من قريش، قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة ودخلوا في الإسلام، فأعطاهم رسول الله ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين ورجعوا إلى عبادة الأوثان، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ) أي يفارق الرسول، ويعاديه ويحاربه (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى يعني من بعد ما وضح له إن محمد عبده ورسوله وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أي غير طريق المسلمين نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى أي نكله إلى الأصنام يوم القيامة، وهي لا تملك ضرا ولا نفعا ولا ينجيهم من عذاب الله وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ بعبادة الأصنام.
وَساءَتْ مَصِيراً يعني بئس المنزل حلوا به يوم القيامة.
الضحاك عن ابن عباس: قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قال: إن شيخا من الاعراب جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا نبي الله أني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلّا إني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته، وآمنت به ولم اتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له ولا توهمت طرفة عين، إني أعجز الله هربا وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي عند الله؟ فأنزل الله عز وجل إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ والشرك ذنب لا يغفر لمن مات عليه وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً يعني فقد ذهب عن الطريق وحرم الخير كله.
واعلم أن في قوله تعالى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ دليل على قوة حجة الإجماع وفي قوله:
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ دليل على فساد قول الخوارج حين زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر وذلك قوله عز وجل قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ففرّق بين الشرك وسائر الذنوب وحتم على نفسه بأن لا يغفر الشرك.
لو كان الكبيرة كفرا لكان قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ مستوعبا فلما فرّق بين الشرك وسائر الذنوب بان فساد قولهم، وقد بيّن الله تعالى بأنه الشرك في آخر القصة وهو قوله إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً وقد علم أن صاحب الكبيرة غير مستحل لها فلم يجز أن يكون حكمه حكم الكافر، وفيه دليل على فساد قول المعتزلة في المنزلة [بين الشرك والإيمان] إذ الله تعالى لم يجعل بين الشرك والإيمان منزلة ولم يجعل الذنوب ضدا للإيمان.
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أو الثعالبي
نظير الساعدي