قوله تعالى : بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما إلى قوله تعالى : إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما [ سورة النساء : آية ١٣٨ – ١٤٦ ].
[ ١ ] مسألة في من هم المنافقون في الآيات :
يرى ابن حزم – رحمه الله تعالى – أن المنافقين في هذه الآيات هم الكافرون، وذلك لإسرارهم الكفر وإظهارهم الإيمان، ويرى أن هذا هو النفاق الذي يكون صاحبه كافرا، أما من أسر شيئا ما، وأظهر غيره ففعله نفاق وليس كفرا، وهو بذلك الفعل منافق لا كافر١.
قال أبو محمد : أما هؤلاء٢ فمنافقون النفاق الذي هو الكفر بلا شك – لنصه تعالى على أنهم مذبذبون لا إلى المؤمنين، ولا إلى المهاجرين بالكفر في نار جهنم، وأنهم أشد عذابا من الكفار بكونهم في الدرك الأسفل من النار٣.
وقال في موضع آخر : قال تعالى : إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ٤، لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن المنافقين كفار٥.
قوله تعالى : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [ سورة النساء : ١٤٠ ].
[ ٢ ] في حكم الاستهزاء بالله ودينه ورسوله والجلوس والصلاة في مكان يلفظ فيه بشيء من ذلك :
يرى ابن حزم – رحمه الله – أن كل كلام فيه كفر بالله عز وجل أو استخفاف به، أو بنبي من أنبيائه، أو بملك من ملائكته، أو بآياته، فلا يحل النطق به، ولا الجلوس حيث يلفظ به، وأن الصلاة لا تجزئ في مكان يستهزأ فيه بالله عز وجل أو برسوله صلى الله عليه وسلم أو بشيء من الدين، أو في مكان يكفر بشيء من ذلك فيه، فإن لم يمكنه الزوال ولا قدر صلى وأجزأته صلاته.
قال تعالى : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ .
وقال تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ٦.
قال أبو محمد : فمن استجاز القعود في مكان هذه صفته، فهو مثل المستهزئ الكافر بشهادة الله تعالى، فمن أقام حيث حرم الله عز وجل عليه القعود فقعوده وإقامته معصية، وقعود الصلاة طاعة، ومن الباطل أن تجزئ المعاصي عن الطاعات، وأن تنوب المحارم عن الفرائض، وأما من عجز عن ذلك فقد قال تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ٧ ٨.
٢ يريد الذين ذكرتهم الآيات..
٣ ابن حزم، المحلى (١٣/٧١)..
٤ سورة النساء، من آية (١٤٠)..
٥ ابن حزم الأندلسي، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ٣ج، الطبعة الثانية. وضع حواشيه: أحمد شمس الدين (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م) ٢ج. ص ٢٤٣..
٦ سورة الأنعام، من آية (٦٨)..
٧ سورة البقرة، من آية (٢٨٦)..
٨ ابن حزم الفصل (٢/٢٣)، المحلى (٤/٣٢) باختصار وتصرف.
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري