الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين
كانت الآيات السابقة، في بيان الإيمان الحق الصادق، وأنه يشمل الإيمان بالرسل وكتبهم والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وكتبه، وكل ذلك في ظل الإيمان بالله تعالى باعث الرسل ومنزل الكتب من عنده، وخالق كل شيء ومبدع الكون، ثم كانت الآية التي وليت ذلك في ذكر حال هؤلاء المترددين الحائرين الذين لا يستقرون على حال، وهم قسمان : قسم ضعيف الإيمان مضطرب الاعتقاد، وهؤلاء قد يؤمنون ثم يرتدون لغير غاية. والقسم الثاني يعلن الإيمان ويبطن الكفر، ويتردد مظهره بين الإيمان والكفر، إذ إنه مهما يطو اعتقاده في نفسه لابد أن يظهر على لسانه كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ولتعرفنهم في لحن القول( ٣٠ ) ( محمد ).
وهذه الآيات في شأن المنافقين بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما .
المنافقون هم الذين خلصوا للنفاق، وأصبح الإيمان لا موضع له في قلوبهم وهم المنافقون في الاعتقاد بالرسالة المحمدية، وذلك لأن النفاق قسمان : نفاق خالص وهؤلاء كفار في ذات الرسالة المحمدية، وهؤلاء كفار كما قال تعالى في الآيات اللاحقة. والقسم الثاني نفاق ليس خالصا، وهو لا يتصل بالعقيدة بل يتصل بالأخلاق، وهو الذي جاء ذكره في الحديث " آية المنافق أربع : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان، وإذا خاصم فجر " ١، وبعض الروايات ليس فيها الخصلة الرابعة٢، وهذا النوع هو الكثير الشائع في عصرنا
هذه بعض أحوال المنافقين، وموقع الذين يتخذون إما أنها بدل أو عطف بيان المنافقين المذكورين في الأولى وإما أنها في موضع النصب على الاختصاص، ويكون المعنى على هذا : أخص الذين يتخذون...
وعندي أن البدل أولى، لأن تلك الأحوال تعمهم ولا تخص فريقا منهم دون فريق.
وما معنى اتخاذهم الكافرين أولياء من دون المؤمنين نقول إن الذي يقرب معنى الآية الكريمة أن نقول إنهم يلتمسون النصرة والعزة والكرامة من الكافرين، ويجعلون انتمائهم إليهم لا إلى الدولة الإسلامية، ويتخذون هذا الولاء ضد المؤمنين، أي أنهم يجعلون الولاء في الأمر الذي يكون فيه خلاف بينهم وبين المؤمنين وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : من دون المؤمنين .
أي مخالفين ومعاندين ومباعدين ولاء المسلمين، ومتجهين إلى ولاء الكافرين، ومؤدى هذا أنهم يتركون ولاء المؤمنين، للوصف اللازم لهم وهو الإيمان ويتخذون ولاء الكافرين للوصف المميز لهم وهو الكفر، وهم بهذا يحاربون الله ورسوله، والله تعالى يقول : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله( ٢٢ ) ( المجادلة ).
وإن الذين تكون أوصافهم هكذا هم كافرون.
والولاء قسمان : ولاء نصرة وانتماء، وهذا منهي عنه من المؤمنين إلا بالضرورة، وولاء مودة ومحبة وهذا غير منهي عنه بالنسبة لغير المسلمين إلا إذا كانوا قد حاربوا الله ورسوله وخرجوا محاربين له منابذين.
وقد استنكر سبحانه وتعالى أن يكون لهؤلاء المنافقين ما يبرر هذا الولاء، ولذا قال سبحانه وتعالى :
أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا إن هؤلاء المنافقين تضل أفهامهم، ويطمس على مداركهم ويفسد تفكيرهم لأنهم مردوا على الابتعاد عن الحقائق والحكم على الزمان بحالهم الوقتية، ولا تنفذ عقولهم إلى ما وراء ظاهر الأمور فهم يطلبون العزة من غيره.
والاستفهام هنا لإنكار الواقع، أي للتوبيخ على أمر وقع منهم وهو أنهم يطلبون العزة ويريدونها إرادة شديدة راغبين فيها من الكافرين الذين لا يملكون أن يعزوا غيرهم لأنهم يعاندون الله تعالى، ولا عزة لمن يجحد ويعاند الله العزيز الحكيم. وقد أكد الله تعالى ذلك المعنى بقوله تعالت كلماته :
فإن العزة لله جميعا أي أنه لا عزة إلا ما يكون من عند الله تعالى، ولمن يطيع أوامره، وينتهي عن نواهيه، وقد أكد الله تعالى أن العزة له وحده بعدة مؤكدات منها التوكيد ب "إن" ومنها ذكر لفظ الجلالة ومنها ذكر بكلمة جميعا .
إن العزة لله وحده، فليس بعزيز من يعانده، إذ ليست العزة غطرسة وكبرياء ولكنها معنى نفسي يسكن في القلب فيحس باستعلاء على مظاهر الحياة، واستجابة لمعانيها وأولئك الذين يريدون العزة من غيرهم يبنونها على أوهام، وعلى مطامع مادية، وليست هذه العزة إن كان استعلاء يبنى على أمر مادي، أو جاه خارجي، أو مطمع دنيوي إنما هو وهم سرعان ما يزول وتذل النفوس التي لا تتمسك بالحق، فالحق فيه العزة وهو الذي يكون من عند الله، فلا عزة إلا من الله، والذل حيث لا يريد وجه الله.
وإن أولئك المنافقين لفرط كفرهم وإيغالهم في البعد عن الله يشاركون الذين يثيرون السخرية عند تلاوة القرآن ولذا قال سبحانه : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا .
زهرة التفاسير
أبو زهرة