وقوله تعالى :
إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، واحتجاج عليهم بأنّ شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا، وبدأ بذكر نوح عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى : وجعلنا ذريته هم الباقين ( الصافات، ٧٧ ) ؛ ولأنه أوّل نبيّ من أنبياء الشريعة وأول نذير على الشرك وأوّل من عذبت أمته لردهم دعوته، وأهلك أهل الأرض بدعائه، وكان أطول الأنبياء عمراً، وجعلت معجزته في نفسه ؛ لأنه عمر ألف سنة فلم ينقص له سن ولم يشب له شعرة ولم تنقص له قوّة ولم يصبر أحد على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره و كما أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق بني إبراهيم ويعقوب بن إسحق والأسباط أولاد يعقوب وظاهر هذا أنهم كلهم أنبياء وهو أحد قوليه، والقول الآخر : أن يوسف هو النبي فقط وعلى هذا فالمراد المجموع وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا أباه داود زبوراً قرأ حمزة بضم الزاي مصدر بمعنى مزبوراً أي : مكتوباً، والباقون بالنصب على إنه اسم للكتاب المؤتى، وكان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله عز وجلّ.
كان داود يبرز إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور ويقوم معه علماء بني إسرائيل، فيقومون خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، ويقوم الجن خلف الناس الأعظم فالأعظم، والشياطين خلف الجن، وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه تعجباً لما يسمعن منه، والطير ترفرف على رؤوسهم، فلما قارف الذنب لم ير ذلك فقيل له : ذاك أنس الطاعة وهذا وحشة المعصية، قال السيوطي في شرح التنبيه : إنّ الزبور مئة وخمسون سورة ما بين قصار وطوال، والطويلة منها قدر ربع حزب، والقصيرة قدر سورة النصر اه.
وعن أبي موسى قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لو رأيتني البارحة وأنا أسمع لقراءتك لقد أعطيت مزماراً من مزامير داود ). وكان عمر إذا رآه قال : ذكرنا يا أبا موسى فيقرأ عنده، وإنما خص هؤلاء بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تعظيماً لهم.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني