ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

وبعد أن جاء بالعذاب أو بالجزاء المناسب لمن رفضوا الإيمان، لم ينس المقابل ؛ لكي يكون البيان للغايتين : غاية الملتزم وغاية المنحرف. ولذلك يقول الحق بعد ذلك :
والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها النهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا ٥٧ .
وفي هذه الآية يصف الحق ثواب الفئة المقابلة للفئة السابقة وهم الذين آمنوا، ونعلم أن آخر موكب من مواكب الرسالة هو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. إذن فأمة سيدنا محمد هي أقرب الأمم إلى لقاء الله. فالأمم من أيام آدم أخذت زمنا طويلا، لكننا نحن المسلمين قريبون، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم :{ بعثت أنا والساعة كهاتين )(١)، .
ولذلك لم يقل الحق في هذه الآية : سوف ندخلهم. بل قال :" سندخلهم "، أما مع الآخرين فاستخدم سبحانه " سوف " لأنها بعيدة، أو أن هذا كناية وإشارة من الله لإمهال الكفار ليتوبوا، وعندما يقرب لنا سبحانه المسافة فإنه يغرينا بالطاعة، المسألة ليست بعيدة، بل قريبة ؛ لذلك يعبر عنها : سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار .
إن كلمة " الجنة " مأخوذة من " الجن "، والستر، و " الجنة " هي البستان الذي به شجر إذا سار فيه الإنسان يستره، وهو غير البساتين الزهرية التي تخرج زهرا قريبا من الأرض تمثل ترفا للعيون فقط، أما الجنة ففيها أشجار عالية كثيفة بحيث لو سار فيها أحد يستر، ففيها الاقتيات وفيها كل شيء، فهي تسترك عن أن تلتفت إلى غيرها لأن فيها ما يكفيك، فالذي عنده حاجة لا تكفيه يتطلع إلى ما يكفيه، لكن من عنده حاجة تكفيه فقد انستر عن بقية الوجود، والحق سبحانه وتعالى يعطينا صورة عن شيء هو الآن عنا غيب، وسيصير بإذن الله وبمشيئته مشهدا، ونحن نعرف أن الجنة بها كل ما تتمناه النفس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عز وجل :
أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (٢) مصداق ذلك في كتاب الله { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ".
ونعلم أن الكائنات الوجودية يعرفها الإنسان بما يناسب إدراكه.. فقال : مالا عين رأت ولا أذن سمعت ، والعين حين ترى تكون محدودة، لكن السمع دائرته أوسع من الرؤية، لأنه سيسمع ممن رأى، إنه سمع فوق ما رأى، إذن فدائرة الإدراكات تأتي أولا : بأن يرى الإنسان، ثم بأن يسمع، وهو يسمع أكثر مما يرى، وعلى سبيل المثال قد أرى أسوان لكنني أسمع عن أمريكا، فدائرة السماع أوسع.
وبعد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :( ولا خطر على قلب بشر ) أي أن ما في الجنة أكبر من التخيلات، إذن فكم صفة هنا للجنة ؟ الأولى قوله : مالا عين رأت والعين مهما رأت فدائرتها محدودة، والثانية : قوله : ولا أذن سمعت. والأذن إن سمعت فدائرتها أوسع قليلا. والثالثة : قوله : ولا خطر على قلب بشر، وهذا أوسع من التخيلات، فإذا كنت يا حق سبحانك ستعطينا في الجنة : ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فبأي الألفاظ يا ربي تؤدي لنا هذه الأشياء، وألفاظ اللغة إنما وضعت لمعان معروفة، ومادمت ستأتي بحاجة لم ترها عين، ولم تسمعها إذن ولم تخطر على قلب بشر، فأي الألفاظ ستؤدي هذه المعاني ؟.
لقد أوضح صلى الله عليه وسلم : أنه لا توجد ألفاظ ؛ لأن المعنى يعرف أولا ثم يوضع له اللفظ، فكل لفظ وضع في اللغة معروف أن له معنى، لكن ما دامت الجنة هذه لم ترها عين، ولم تسمعها أذن، ولم تخطر على قلب بشر، فلا توجد كلمات تعبر عنها، لذلك لم يقل صلى الله عليه وسلم : إن الجنة هكذا بل قال :" مثل الجنة " أما الجنة نفسها، فليس في لغتنا ألفاظ تؤدي هذه المعاني، وحيث إن هذه المعاني لا رأتها عين ولا سمعتها أذن ولا خطرت على قلب بشر ؛ لذلك فليس في لغة البشر ما يعطينا صورة عن الجنة، وأوضح الحق سبحانه : سأختار أمرا هو أحسن ما عندكم وأعطيكم به مثلا فقال :
مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم ( من الآية ١٥ سورة محمد ).
ونحن نرى الأنهار، والحق يطمئننا هنا بأن أنهار الجنة ستختلف فهو سبحانه سينزع منها الصفة التي قد تعكر نهريتها ؛ فقد تقف مياه النهر وتصبح آسنة متغيرة، فيقول : أنهار من ماء غير آسن ، إذن فهو يعطيني اسما موجودا وهو النهر، وكلنا نعرفه، لكنه يوضح : أنا سأنزع منه الأكدار التي تراها في النهر الحادث في الحياة الدنيا، وأيضا فأنهار الدنيا تسير وتجري في شق بين شاطئين، لكن أنهار الجنة سترى الماء فيها وليس لها شطوط تحجز الماء لأنها محجوزة بالقدرة.. وستجد أيضا أنهارا من لبن لم يتغير طعمه.
إن العربي كان يأخذ اللبن من الإبل ويخزنه في القرب، وبعد ذلك ترحل الإبل بعيدا إلى المراعي وإلى حيث تسافر، وعندما كان الأعرابي يحتاج إلى اللبن فلم يكن أمامه غير اللبن المخزن في القرب، ويجده متغير الطعم لكن لا يجد غيره ؛ لذلك يوضح الحق : سأعطيكم انهارا من لبن في الجنة لم يتغير طعمه، ثم يقول : وانهار من خمر وهم يعرفون الخمر ولنفهم انها ليست كخمر الدنيا ؛ لأنه يقول :" مثل ".. ولم يقل الحقيقة فقال : أنهار من خمر لكنها خمر لذة للشاربين ، وخمر الدنيا لا يشربها الناس بلذة، بدليل أنك عندما ترى من يشرب كاس خمر.. فهو يسكبه في فمه مرة واحدة ! ليس كما تشرب أنت كوبا من مانجو وتتلذذ به، إنه يأخذه دفعة واحدة ليقلل سرعة مروره على مذاقا ته لأنه لاذع ومحمض ؛ وتغتال العقول وتفسدها. لكن خمر الآخرة لا اغتيال فيها للعقول.
إذن فحين يعطيني الحق مثلا للجنة.. فهو ينفي عن المثل الشوائب، ولذلك نجد الأمثال تتنوع في هذا المجال ؛ فالعربي عندما كان يمشي في الهاجرة، ويجد شجرة " نبق " ويقال لها :" سدر " كان يعتبرها واحة يستريح عندها، ويجد عليها النبق الجميل، فهو يمد يده ليأكل منها لكنه قد يجد شوكا فيتفادى الشوك، وفي بعض الأحيان تشكه شوكة، وعندما لا يجد في هذا الشجر شوكا يقول : هنا " سدر مخضوض " أي شجرة نبق لا شوك فيها، والحق يأتي بكل الآفات التي في الدنيا وينفيها عن جنة الآخرة.
وأنهار من عسل مصفى وكان العرب يأخذون العسل من الجبال فالنحل يصنع خلاياه داخل شقوق الجبال، وعندما كانوا يخرجون العسل من الجبال يجدون فيه رملا وحصى، فأوضح الحق : ما يعكر عليك العسل هنا في الدنيا أنا أصفيه لك هناك، ومع انه مثل لكنه يصفيه أيضا، ولماذا مثل ؟.. لأنه مادام نعيم الجنة " لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ".. فتكون لغة البشر كلها لا تؤدي ما فيها.. لكنه سبحانه يعطينا صورة مقربة، ويضرب الله المثل بالصورة المقربة للأشياء التي تتعالى عن الفهم ليقربها من العقل، ومثال ذلك عندما أراد سبحانه أن يعطينا صورة لتنوير الله للكون، وليس لنور الله الذاتي، بل لتنوير الله للكون، فيقول :
مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ( من الآية ٣٥ سورة النور ).
إنه يعطينا مثلا مقربا لأن لغتك ليس فيها الألفاظ التي تؤدي الحقيقة، ولذلك يقول :
وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ( من الآية ١٠٠ سورة التوبة ).
ومادامت جنات ففيها شجر ملتف وعال، ونحن نعرف ان الشجر لابد أن يكون في منطقة فيها مياه ؛ لذلك قال : تجري من تحتها الأنهار ، ومرة يقول : تجري تحتها الأنهار لأن ما يجري تحتها قد يكون آتيا من مكان آخر، ويكون منبعها من مكان بعيد وتجري الأنهار تحت جنتك، وقد تظن ان بإمكان صاحب النبع ان يسدها على جنتك، فيشرح الحق : لا هي جاءت من تحتها مباشرة.
ويقول الحق عن أهل الجنة : خالدين فيها وهو سبحانه وتعالى يخاطب قوما شهدوا بعض النعيم في دنياهم من آثار نعمه عليهم، لكنهم شهدوا أيضا أن النعمة تزول عن الناس، أو شهدوا أناسا يزولون عن النعمة، فقال سبحانه عن جنة الآخرة : خالدين فيها أبدا فلا هي تزول عنهم ولا هم يزحزحون عنها.
ويعطينا سبحانه أيضا صورة من النعيم الذي يوجد عندنا في الدنيا لكنه يزول أيضا أو نزول نحن عنه : ولهم فيها أزواج مطهرة وأزواج جمع " زوج "، وعندما يصف الحق سبحانه وتعالى جمعا فهو يأتي في الصفة بجمع أيضا مثل قوله :
وقدور راسيات ( من الآية ١٣ سورة سبأ ).
لأن " قدور " جمع " قدر "، ولم يقل هنا : وأزواج مطهرات وجاء بها مفردة لأن الرجل في الدنيا قد يتزوج بأكثر من واحدة فينشأ بين الزوجات المتعددات ظلال الشقاق فكأنهن متنافرات، فقال : إنهن كلهن سيكن أزواجا على صورة واحدة من الطهر، وليس في أي منهن ما يعكر صفو الأزواج كما يكون الأمر في الدنيا، ولا يقولن واحد :" كيف تقبل المرأة أن يكون لها ضرة في الآخرة ؟ " لأن الحق سبحانه نزع من الصدور كل ما كان يكدر صفو النفوس في الدنيا فقال : ونزعنا ما في صدورهم من غل ( من الآية ٤٣ سورة الأعراف ).
إذن فكأنهن وإن تعددن في سياق واحد من الطهر مما لا يعكر صفو الزوج، إنه يعجبك شكلها، ستعجبك، أخلاقها ليس فيها عيب ولا نقص مما كان يوجد في الدنيا إنها مطهرة من ذلك كله. إذن فهو يعطيني خلاصة ما يمكن أن يتصور من النعيم في الأزواج.
ويكمل الحق : وندخلهم ظلا ظليلا . ولغة العرب إذا أرادت أن تؤكد معنى فهي تأتي بالتوكيد من اللفظ نفسه، فيقول العربي مثلا :" هذا ليل أليل " أي ليل حالك، وعندما يبالغ في " الظل " يقول :" ظليل ". وما هو " الظل " ؟. " الظل " هو : انحسار الشمس عن مكان كانت فيه أو لم تدخله الشمس أصلا كان يكون الإنسان داخل كهف أو غار مثلا.
إن كلمة ظل ظليل يعرفها الذين يعيشون في الصحراء، فساعة يرى الإنسان هناك شجرة فهو يجلس تحتها ويتمتع بظلها، والظل نفسه قد يكون ظليلا، مثال ذلك " الخيام المكيفة " التي يصنعونها الآن، وتكون من طبقتين : الطبقة الاولى تتعرض للشمس فتتحمل السخونة والطبقة الثانية تحجز السخونة ويسمون هذا السقف " السقف المزدوج ". ويوجد خاصة في الأماكن العالية ؛ لأن الشقة على سبيل المثال التي تعلوها أدوار تكون محمية، لكن الشقق الموجودة في آخر دور خصوصا في البلاد الحارة تكون السخونة فيها صعبة وشديدة ؛ لذلك يصنعون سقفا فوق السقف ؟، وبذلك يكون الظل نفسه في ظل.
ولماذا الإنسان يسعد بالظل تحت شجرة أكثر من سعادته بالظل في جدار ؟ لأن الظل في جدار مكون من طبقة واحدة، صحيح أنه يمنع عنا الشمس لكنه أيضا يحجب الهواء، لكن الجلوس في ظل الشجرة يتميز بأن كل ورقة من أوراق الشجرة فوقها ورقة، وأوراقها بعضها فوق بعض، وكل ورقة في ظل الورقة الأعلى. ولأن كل ورقة خفيفة لذلك يداعبها الهواء، فتحجب عن الجالس تحت الشجرة حرارة الشمس، وتعطيه هواء أيضا، هذا هو معنى قوله : ظلا ظليلا .
ولذلك فعندما أراد الشاعر أن يصف الروضة قال :
وقانا لفحة الرمضاء واد *** سقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوحة فحنا علينا *** حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالا *** ألذ من المدامة للنديم
يصد الشمس أنى واجهتنا *** فيحجبها ويأذن للنسيم
والشاعر هنا يصف الموقف حين يسير الإنسان في صحراء ث

١ رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس..
٢ رواه مسلم في صفة الجنة..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير