الآية السادسة عشرة : قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم [ المائدة : ٨٩ ].
٣٦٨- يحيى : قال مالك : أحسن ما سمعت في هذا. أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذاك. ثم يوجد على غير ذلك. فهو اللغو. ١
قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان [ المائدة : ٨٩ ].
٣٦٩- يحيى : قال مالك : وعقد اليمين، أن يحلف الرجل أن لا يبيع ثوبه بعشرة دنانير، ثم يبيعه بذلك. أو يحلف ليضربن غلامه، ثم لا يضربه. ونحو هذا. فهذا الذي يكفر صاحبه عن يمينه. وليس في اللغو كفارة. ٢
قال مالك : فأما الذي يحلف على الشيء، وهو يعلم أنه آثم. ويحلف على الكذب، وهو يعلم، ليرضي به أحدا. أو ليعتذر به إلى معتذر إليه. أو ليقطع به مالا. فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة.
قوله تعالى : إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم [ المائدة : ٨٩ ].
٣٧٠- مكي : قال مالك : إن غداهم وعشاهم أجزأه. ٣
٣٧١- الباجي : قال مالك : الوسط بالمدينة مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بالبلدان التي يكفر فيها بالحنطة، فالوسط من الشبع غداء وعشاء. ٤
قوله تعالى : أو كسوتهم [ المائدة : ٨٩ ].
٣٧٢- يحيى : قال مالك : أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة، إن كسا الرجال، كساهم ثوبا ثوبا. وإن كسا النساء، كساهن ثوبين ثوبين. ذرعا٥ وخمارا٦. وذلك أدنى ما يجزئ كلا في صلاته. ٧
قوله تعالى : أو تحرير رقبة [ المائدة : ٨٩ ].
٣٧٣- ابن العربي : قال مالك : إن من لم يملك إلا رقبة أو دارا لا فضل فيهما، أو عرضا، ثمن رقبة لم يجزه إلا العتق. ٨
قوله تعالى : فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام [ المائدة : ٨٩ ].
٣٧٤- يحيى : قال مالك : وأحب إلي أن يكون، ما سمى الله في القرآن، يصام متتابعا. ٩
٣٧٥- ابن جرير : حدثني يونس، قال : أخبرنا أشهب، قال : قال مالك : كل ما ذكر الله في القرآن من الصيام، فأن يصام تباعا أحب، فإن فرقها رجوت أن تجزي عنه. ١٠
٣٧٦- السيوطي : أخرج مالك قال : كنت أطوف مع مجاهد، فجاءه إنسان يسأله عن صيام الكفارة أيتابع ؟ قال حميد : فقلت : لا، فضرب مجاهد في صدري، ثم قال : إنها في قراءة أبي ابن كعب١١ : متتابعات . ١٢
٣٧٧- يحيى : قال مالك : كل شيء في كتاب الله في الكفارات كذا، أو كذا، فصاحبه مخير في ذلك، أي شيء أحب أن يفعل ذلك، فعل. ١٣
وقال ابن الفرس في أحكام القرآن: "قال مالك: مثل أن يرى الرجل على بعد فيعتقد أنه فلان، ولا يشك فيه فيحلف ثم يجيء غير المحلوف عليه": ٨٠..
٢ -الموطأ: ١/٤٧٧ كتاب النذور والأيمان، باب اللغو في اليمين..
٣ - الهداية: ٣٧٠م. خ. ع٢١٧ق. قال ابن عطية في المحرر: "رأي مالك رحمه الله وجماعة معه هذا التوسط في القدر فرأى مالك أن يطعم المسكين بالمدينة مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك رطل وثلث من دقيق. وهذا لضيق المعيشة بالمدينة. ورأى في غيرها أن يتوسع ولذلك استحسن الغداء والعشاء": ٥/١٧٧. وإلى هذا أشار ابن رشد في البداية حيث قال: "يعطى لكل مسكين مد من حنطة بمد النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن مالكا قال: المد خاص بأهل المدينة فقط لضيق معاشهم، وأما سائر المدن فيعطون الوسط من نفقتهم": ١/٤١٧.
وينظر: التحصيل: للمهدوي: ٢٩٥، وأحكام القرآن لابن الفرس: ٢٥٣، والجامع: ٢/ ٢٧٦، والجواهر الحسان: ١/٤٨٤..
٤ -المنتقى: ٤/٤٥، وأضاف قائلا: "فبين أن في البلد في ذلك تأثيرا يراعى لأن الناس إنما يحملون على عاداتهم في سعة الأقوات وضيقها": ٤/١٢٩..
٥ -الذرع: قميص المرأة. القاموس، مادة ذرع. وفي النهاية: ٢/١١٤..
٦ - الخمار: هو ما تغطي به المرأة رأسها. أنيس الفقهاء: ٩٣..
٧ - الموطأ: ١/٤٨٠، كتاب النذور والأيمان، باب العمل في كفارة اليمين. وأخرجه المهدوي في التحصيل: ٢٩٥، وابن العربي في أحكام القرآن: ٢/ ٦٥٢، والأحكام الصغرى: ١/٤١٣، وابن الفرس في أحكام القرآن: ٢٥٩، والجصاص في أحكام القرآن: ٢/٤٦٠، وابن عطية في المحرر: ٥/١٧٩، والقرطبي في الجامع: ٦/٢٧٩، وابن كثير في تفسيره: ٢/٩١..
٨ - أحكام القرآن لابن العربي: ٢/٦٥٤. وقال مكي في الهداية عن الإمام مالك: "لا تجزيه في الكفارة عند مالك إلا الرقبة المسلمة: ٢٥٠. وفي المحرر لابن عطية: "قال مالك لا يجزي في الكفارة أعمى، ولا أبرص، ولا مجنون": ٥/١٨٠..
٩ -الموطأ: ١/٣٠٤، باب ما جاء في قضاء رمضان، والكفارات..
١٠ -جامع البيان: م٥ ج٧/٣١..
١١ -أبي بن كعب: هو أبو المنذر الخزرجي شهد العقبة وبدرا مات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. أسد الغابة: ١/٤٩، ٥١..
١٢ - الدر: ٣/١٥٥. وينظر: الجامع: ٦/٢٨٣، وفتح القدير: ٢/٧٢.
وما يلفت النظر هنا، هو أن الإمام مالك لم يلتزم دائما في القول بالتخيير في إخراج هذه الكفارة حسب مجيئها في النص القرآني- خصوصا وأنه يقول بأن أو تفيد التخيير، خاصة في الكفارات – بل أحيانا يراعي المصلحة ويخالف النص، ويفرض كفارة معينة على الشخص، ومثال ذلك ما حكاه القاضي عياض في ترتيب المدارك، في قصة مالك مع هارون الرشيد، قال: "قال يحيى بن بكير: حنت الرشيد في يمينه فجمع العلماء، فأجمعوا على أن عليه عتق رقبة فسأل مالك فقال: صيام ثلاثة أيام. فقال له الرشيد: لم أأنا معدم؟ وقد قال الله :"فمن لم يجد": فأقمتني مقام المعدم؟. فقال له: نعم يا أمير المؤمنين، كل ما في يدك ليس لك، فعليك صيام ثلاثة أيام" ٢/١١١. وهذا يكشف لنا عن أصل من أصول مالك التي بنى عليها مذهبه وهو: باب سد الذرائع. ينظر: الاعتصام: ٣/١١٣-١١٤. وفيه أيضا: "حكى ابن بشكوال أن الحكم- يعني عبد الرحمن- أمير المؤمنين أرسل في الفقهاء وشاورهم في مسألة نزلت به، فذكر لهم عن نفسه أنه عمد إلى إحدى كرائمه في رمضان، فأفتوا بالإطعام، وإسحاق بن إبراهيم ساكت. فقال له أمير المؤمنين ما يقول الشيخ في فتوى أصحابه؟ فقال له: لا أقول بقولهم، وأقول بالصيام. فقيل له: أليس مذهب مالك الإطعام؟ فقال لهم: تحفظون مذهب مالك، إلا أنكم تريدون مصانعة أمير المؤمنين إنما أمر مالك بالإطعام لمن له مال، وأمير المؤمنين لا مال له، إنما هو مال بيت المسلمين، فأخذ بقوله أمير المؤمنين وشكر له عليه ا. هـ وهذا صحيح": ٢/١١٤..
١٣ - الموطأ: ١/٢٤١، كتاب الحج، باب جامع الفدية..
تفسير الإمام مالك
أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني