والخيل لا يبقى لجاحمها التخيل والمراحُ
إِلا الفتى الصّبَّارُ في النَجَداتِ والفرس الوَقَاحُ
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)
هذه قيل نزلت لأن َ جماعةً من أصحاب النبي كانوا هَمُّوا بأن يرفضوا
الدنيا ويجتنبوا الطيبات ويخْصُوا أنفسهم، فأعلم الله أن شريعة نبيه عليه
السلام غير ذلك، والطيبات لا ينبغي أن تجتنب ألبتَّة، وسمي الخصاءُ اعتداءً، فقال عزَّ وجلَّ: (ولا تعتدوا)، أي لا تَجُبُّوا أنفسكم فإِن ذلك اعتداء.
* * *
وقوله: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)
اللغو في كلام العرب ما اطرح ولم يعقد عليه أمر، ويسمَّى ما ليس
مُعتَدًّا به - وإِن كان مَوجُوداً - لغواً.
قال الشاعر:
أو مِائةً تجعل أولَادَها... لَغْواً وعُرْضُ المائةِ الجَلْمَدُ
(الذي يعارضها في قوة الجلمد)، يعني بذلك نوقاً، يقول: مائة لا
تجعل أولادها من عددها.
أعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أن اليمين التي يُؤاخَذُ بها العَبْدُ وتجب في بعضها
الكفارَةُ ما جرى على عقدٍ، ومعنى فكفارته إطعامُ عَشَرةِ مَسَاكين، أي فكفارة المُؤَاخَذَةِ فيه إِذا حَنَثَ أن يُطْعَم عَشَرَة مساكين إِن كانوا ذكوراً أو إِناثاً وذكوراً أجزأه ذلك، ولكن وقع لفظ التذكير لأنه المُغَلَّبُ في الكلام.
ومعنى (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ).
قال بعضهم أعدله كما قال جلَّ وعزَّ: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)
أي عَدْلاً، و (أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) على ضربين أحدهما أوسطه في
القدر والقيمة، والآخر أوسَطه في الشبع لا يكون المأكول يفرط في أكله فيؤكل منه فوق القصدِ وقدر الحاجة، ولا يكون دون المعنى عن الجوع.
(أَوْ كِسْوَتُهُم).
والكسوة أن يكسوهم نحو الِإزَار والعِمَامة أو ما أشبه ذلك.
(أَوْ تَحرِيرُ رَقَبةٍ).
فخير الحالف أحدَ هذه الثلاثة، وأفضلها عند الله أكثَرُها نَفْعاً، وأحسنُها
موقعاً من المساكين، أو من المعتق، فإِن كان الناس في جَدْب لا يقدرون
على المأْكول إِلا بما هو أشد تكلفاً من الكسوة أو الِإعتاق، فالِإطعام أفضل.
لأن به قِوَامَ الحياةِ وإِلا فالِإعتاق أو الكسوة أفضل.
(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ).
أَي من كان لا يقدر على شيء مما حُذدَّ في الكفارة، فعليه صيام ثلاثة
أيامٍ، وصيام ثلاثة مرتفع بالابتداءِ، وخبره كفارته أَو فكفارته صيام ثلاثة
أيام.
ويجوز فصيامٌ ثلاثةَ أَيامٍ كما قال عزَّ وجلَّ: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤).
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي