ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

تأتوا ما نهى الله عنه، قاله الحسن. والثالث: لا تسيروا بغير سيرة المسلمين مِن ترك النساء، وإِدامة الصيام، والقيام، قاله عكرمة. والرابع: لا تحرّموا الحلال، قاله مقاتل. والخامس: لا تغصبوا الأموال المحرّمة، ذكره الماورديّ.
[سورة المائدة (٥) : آية ٨٩]
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)
قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ سبب نزولها:
(٤٦٦) أنه لما نزل قوله تعالى: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ قال القوم الذين كانوا حرّموا النساء واللحم: يا رسول الله كيف نصنع بأيْماننا التي حلفنا عليها؟ فنزلت هذه الآية، رواه العوفي عن ابن عباس. وقد سبق ذكر «اللغو» في سورة البقرة.
قوله تعالى: بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم:
«عقدتم» بغير ألف، مشددة القاف. قال أبو عمرو: معناها: وكدّتم، وقرأ أبو بكر، والمفضّل عن عاصم: «عقَدْتُم» خفيفة بغير ألف، واختارها أبو عبيد. قال ابن جرير: معناها: أوجبتموها على أنفسكم «١». وقرأ ابن عامر: «عاقدتم» بألف، مثل «عاهدتم». قال القاضي أبو يعلى: وهذه القراءة المشددة لا تحتمل إِلا عقد قول. فأما المخففة، فتحتمل عقد القلب، وعقد القول. وذكر المفسّرون في

ضعيف. أخرجه الطبري ١٢٣٦٠ عن عطية بن سعد العوفي عن ابن عباس، وإسناده ضعيف لضعف عطية.
__________
(١) قال الإمام الموفق رحمه الله في «المغني» ١٣/ ٤٦٩- ٤٧١ ما ملخصه: فصل: فإن قال: أقسمت، أو آليت، أو حلفت، أو شهدت لأفعلنّ، ولم يذكر بالله. فعن أحمد روايتان، إحداهما: أنها يمين، سواء نوى اليمين أو أطلق، وروي نحو ذلك عن عمر وابن عباس والنخعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه. وعن أحمد: إن نوى اليمين بالله كان يمينا، وإلا فلا، وهو قول مالك وإسحاق وابن المنذر، لأنه يحتمل القسم بالله تعالى وبغيره، فلم تكن يمينا حتى يصرفه بنيته إلى ما تجب به الكفارة، وقال الشافعي: ليس بيمين وإن نوى، وروي نحو ذلك عن عطاء والحسن والزهري وقتادة وأبي عبيد لأنها عريت عن اسم الله تعالى وصفته فلم تكن يمينا. ولنا أنه ثبت لها عرف الشرع والاستعمال فإن أبا بكر قال: أقسمت عليك يا رسول الله، لتخبرني بما أصبت مما أخطأت، فقال: النبي صلّى الله عليه وسلّم «لا تقسم يا أبا بكر» رواه أبو داود. وقال العباس للنبي صلّى الله عليه وسلّم، أقسمت عليك يا رسول الله لتبايعنّه، فبايعه النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «أبررت قسم عمي، ولا هجرة». وفي كتاب الله إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إلى اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فسماها يمينا.
- فصل: وإن قال: أعزم، أو عزمت لم يكن قسما، نوى به القسم أو لم ينو، لأنه لم يثبت لهذا اللفظ عرف في شرع ولا استعمال، ولا هو موضوع للقسم، ولا فيه دلالة عليه.
- مسألة: أو بأمانة الله قال القاضي: لا يختلف المذهب في أن الحلف بأمانة الله يمين مكفرة، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا تنعقد اليمين بها إلا أن ينوي الحلف بصفة الله تعالى.
- فصل: فإن قال: والأمانة لا فعلت. ونوى الحلف بأمانة الله فهي يمين مكفّرة. وإن أطلق فعلى روايتين:
إحداهما: يكون يمينا، والثانية: لا يكون يمينا، لأنه لم يضفها إلى الله تعالى.

صفحة رقم 578

معنى الكلام قولين: أحدهما: ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم عليه قلوبكم في التعمد لليمين، قاله مجاهد.
والثاني: بما عقَّدتم عليه قلوبكم أنه كذب، قاله سعيد بن جبير.
قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ «١» قال ابن جرير: الهاء عائدةٌ على «ما» في قوله: «بما عقَّدتم».
فصل: فأما إِطعام المساكين «٢»، فروي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والحسن في آخرين: أنّ لكلّ مساكين مدّ برّ، وبه قال مالك، والشافعي. وروي عن عمر، وعليّ، وعائشة في آخرين: لكلّ مساكين نصف صاع من بُرّ، قال عمر، وعائشة: أو صاعاً من تمر، وبه قال أبو حنيفة.
ومذهب أصحابنا في جميع الكفارات التي فيها إِطعام، مثل كفارة اليمين، والظهار، وفدية الأذى، والمفرّطة في قضاء رمضان، مُدّ بُرٍّ، أو نصف صاع تمر أو شعير. ومِنْ شرط صحة الكفارة، تمليك الطعام للفقراء، فإن غدَّاهم وعشَّاهم، لم يجزئه، وبه قال سعيد بن جبير، والحكم، والشافعي. وقال الثوري، والأوزاعي: يجزئه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك «٣». ولا يجوز صرف مدّين إلى مساكين واحد «٤»، ولا إخراج القيامة في الكفارة، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز. قال الزجاج: وإِنما وقع لفظ التّذكير في المساكين، ولو كانوا إِناثاً لأجزأ، لأن المغلَّب في كلام العرب التذكير. وفي قوله تعالى: مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ قولان:
أحدهما: من أوسطه في القدر، قاله عمر، وعلي، وابن عباس، ومجاهد.

(١) قال الإمام الموفق رحمه الله في «المغني» ١٣/ ٤٨١- ٤٨٢: كفارة سائر الأيمان تجوز قبل الحنث وبعده، صوما كانت أو غيره، في قول أكثر أهل العلم، وبه قال مالك، وممن روي عنه جواز تقديم التكفير عمر وابنه وابن عباس وسلمان الفارسي ومسلمة بن مخلد، وبه قال الحسن وابن سيرين وربيعة والأوزاعي والثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو عبيد وأبو خيثمة وسليمان بن داود، وقال أصحاب الرأي: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث، لأنه تكفير قبل وجود سببه، وقال الشافعي كقولنا، في الإعتاق والإطعام والكسوة. وكقولهم في الصيام من أجل أنه عبادة بدنية.
قلت: ويخطئ أكثر العامة حيث يظنون أن المتعين هو صيام ثلاثة أيام. ولا يعرفون غير ذلك؟!!
(٢) قال الإمام الموفق رحمه الله في «المغني» ١٣/ ٥١١: لا يجزئ في الكفارة إخراج قيمة الطعام، ولا الكسوة، في قول إمامنا ومالك والشافعي وابن المنذر، وهو الظاهر من قول عمر وابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي. وأجازه الأوزاعي وأصحاب الرأي اه ملخصا. وانظر القرطبي ٦/ ٢٨٠.
(٣) قال الإمام القرطبي في «تفسيره» ٦/ ٢٧٧: قال مالك: إن غدّى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه. وقال الشافعي: لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة، لأنهم يختلفون في الأكل، ولكن يعطي كل مساكين مدا. وروي عن علي: لا يجزئ إطعام العشرة وجبة واحدة. يعني غداء دون عشاء، أو عشاء دون غداء حتى يغدّيهم ويعشيهم. قال أبو عمر: وهو قول أئمة أهل الفتوى بالأمصار. وانظر ما ذكره ٦/ ٢٧٦.
(٤) قال الإمام الموفق رحمه الله في «المغني» ١٣/ ٥١٣: المكفّر لا يخلو من أن يجد المساكين بكمال عددهم، أو لا يجدهم، فإن وجدهم لم يجزئه إطعام أقل من عشرة في كفارة اليمين، ولا أقل من ستين في كفارة الظهار، وكفارة الجماع في رمضان وبهذا قال الشافعي وأبو ثور. وأجاز الأوزاعي دفعها إلى واحد. وقال أبو عبيد: إن خص بها أهل بيت شديدي الحاجة جاز. وقال أصحاب الرأي: يجوز أن يرددها على مساكين واحد في عشرة أيام إن كانت كفارة يمين، أو في ستين إن كان الواجب إطعام ستين مسكينا. ولا يجوز دفعها إليه في يوم واحد. وحكاه أبو الخطاب عن أحمد اه ملخصا. وانظر القرطبي ٦/ ٢٧٨.

صفحة رقم 579

والثاني: مِن أوسط أجناس الطعام، قاله ابن عمر، والأسود، وعَبيدة، والحسن، وابن سيرين.
وروي عن ابن عباس قال: كان أهل المدينة يقرون للحُرِّ مِن القوت أكثر ما للمملوك، وللكبير أكثر ما للصغير، فنزلت مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ليس بأفضله ولا بأخسِّه.
وفي كسوتهم خمسة أقوال: أحدها: أنها ثوبٌ واحدٌ، قاله ابن عباس، ومجاهد، وطاوس، وعطاء، والشافعي. والثاني: ثوبان، قاله أبو موسى الأشعري، وابن المسيّب، والحسن، وابن سيرين، والضحاك. والثالث: إِزار ورداء وقميص، قاله ابن عمر. والرابع: ثوب جامع كالملحفة، قاله إِبراهيم النخعي. والخامس: كسوة تجزئ فيها الصلاة، قاله مالك. ومذهب أصحابنا: أنه إِن كسا الرجل، كساه ثوباً، والمرأة ثوبين، درعاً وخماراً، وهو أدنى ما تُجزئ فيه الصلاة.
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو الجوزاء ويحيى بن يعمر: «أو كُسوتهم» بضم الكاف. وقد قرأ سعيد بن جبير وأبو العالية وأبو نهيك ومعاذ القارئ: «أو كاسوتهم» بهمزة مكسورة مفتوحة الكاف مكسورة التاء والهاء. وقرأ ابن السميفع وأبو عمران الجوني مثله، إِلا إنهما فتحا الهمزة. قال المصنف:
ولا أرى هذه القراءة جائزة لأنها تسقط أصلاً من أصول الكفارة.
قوله تعالى: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ تحريرها: عتقها، والمراد بالرقبة: جملة الشخص. واتفقوا على اشتراط إِيمان الرقبة في كفارة القتل لموضع النص. واختلفوا في إِيمان الرقبة المذكورة في هذه الكفارة على قولين: أحدهما: أنه شرط، وبه قال الشافعي، لأن الله تعالى قيد بذكر الإِيمان في كفارة القتل، فوجب حمل المطلق على المقيّد. والثاني: ليس بشرط، وبه قال أبو حنيفة، وعن أحمد رضي الله عنه في إِيمان الرقبة المعتقة في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع، والمنذورة، روايتان. قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ اختلفوا فيما إِذا لم يجده، صام، على خمسة أقوال: أحدها: أنه إِذا لم يجد درهمين صام، قاله الحسن. والثاني: ثلاثة دراهم، قاله سعيد بن جبير. والثالث: إِذا لم يجد إِلا قَدْرَ ما يكفِّر به، صام، قاله قتادة. والرابع: مائتي درهم، قاله أبو حنيفة. والخامس: إِذا لم يكن له إِلا قدر قوته وقوت عائلته يومه وليلته «١»، قاله أحمد، والشافعي. وفي تتابع الثّلاثة أيام «٢»، قولان: أحدهما: أنه

(١) قال الإمام الموفق في «المغني» ١٣/ ٥٣٣: ويكفّر بالصوم من لم يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته، مقدار ما يكفر به وجملة ذلك أن كفارة اليمين تجمع تخييرا وترتيبا، فيتخير بين الخصال الثلاث، ويعتبر أن لا يجد فاضلا عن قوته وقوت عياله يومه وليلته قدرا يكفّر به، وهذا قول إسحاق، وأبو عبيد وقال الشافعي من جاز له الأخذ من الزكاة لحاجته وفقره، أجزأه الصيام، لأنه فقير. وقال سعيد بن جبير، إذا لم يملك إلا ثلاثة دراهم، كفّر بها. وقال الحسن: درهمين. وهذان القولان نحو قولنا، ووجه ذلك أن الله اشترط للصيام، أن لا يجد. فاعتبر فيه الفاضل عن قوته وقوت عياله، يومه وليلته، كصدقة الفطر.
(٢) قال الإمام الموفق رحمه الله في «المغني» ١٣/ ٥٢٨: ظاهر المذهب اشتراط التتابع في الصوم كذلك قال النخعي، والثوري، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال عطاء ومجاهد، وعكرمة.
وعن أحمد رواية أخرى، أنه يجوز تفريقها. وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه لأن الأمر بالصوم مطلق، فلا يجوز تقييده إلا بدليل. وفي قراءة ابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» كذلك ذكره أحمد: إن كان قرآنا فهو حجة، وإن لم يكن قرآنا، فهو رواية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأيضا هو حجة فوجب التتابع.

صفحة رقم 580

زاد المسير في علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي

تحقيق

عبد الرزاق المهدي

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية