ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

ومن بعد ذلك يقول الحق :
لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون( ٨٩ ) .
عندما ننظر في قول الحق : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم نعرف أن ( يؤخذ ) من ( أخذ ) ويأخذ من أخذ، فإن قلت :( أخذت فلانا بكذا ) فذلك دليل على أنك أنزلت به نكالا لأنه لم يدخل في تعاقد خيري معك، ولكن أن تقول :( آخذته ). كأن المفاعلة حدثت بأن دخل معك في عقد الإيمان ولذلك يأخذ الحق الكافرين أخذ عزيز مقتدر. ولكنه يؤاخذ المؤمنين، لماذا ؟ لأن المؤمنين طرف في التعاقد، أما الكافرون فليسوا طرفا في التعاقد ؛ لذلك يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
إذن فالمؤاخذة غير الأخذ، والمؤاخذة هي إنزال عقوبة بمن له معك عهد فخالفه بعمل جريمة نص عليها ؛ فلا يؤاخذه أبدا بجريمة لم ينص عليها، ولا يتم توقيع عقاب على أحد دون تحذير مسبق. ولذلك ففي القانون المدني يقولون : لا عقوبة إلا بجريمة ولا جريمة إلا بنص.
إذن لا بد من النص أولا على العقاب على الجريمة ؛ لأن النص على فعل ما بأنه جريمة يجعل الإنسان يراجع نفسه قبل الإقدام على مثل هذا الفعل. أما عدم وجود نص على أن ذلك الفعل جريمة يجعل الإنسان حرا في أن يفعله أو لا يفعله لأنه فعل مباح.
وعلينا أن نلحظ التعاقد في قوله الحق : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم وعندما ننظر إلى معنى :( اللغو ) نجده الشيء الذي يجري على اللسان بدون قصد قلبي ؛ مثل قول الإنسان في اللغة العامية : لا والله أو : والله أن تأتي للغداء معنا، هذا هو اللغو. أي هو الكلام من غير أن يكون للقلب فيه تصميم. وسبحانه وتعالى قد خلقنا وهو الأعلم بنا علم – سبحانه – أن هناك كلمات تجري على ألسنتنا لا نعنيها. ودليل ذلك أن الأم التي تحب وحيدها قد تدعو عليه، لكن ذلك بلسانها، أما قبلها فيرفض ذلك. ولهذا يقول المثل الشعبي : أدعي على ابني وأكره من يقول آمين.
إذن الحق سبحان وتعالى علم بشريتنا، وعلم أن اللسان قد يأتي بألفاظ لم تمر على قلبه فيقول سبحانه : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم واتبع الحق ذلك : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان . وساعة نرى كلمة :( ولكن ) نعرف أن هناك استدراكا، والاستدراك هو إثبات ما يتوهم نفيه أو نفي ما يتوهم ثبوته. وساعة نرى كلمة ( عقدتم ) فهي دليل على أنها عملية جزم قلبية، وأن الإنسان قبل أن ينطق بالقسم قد أراد المسألة في ذهنه وخواطره وانتهى إلى هذا الرأي.
إذن فاللغو هو مرور كلمة على اللسان دون أن تمر على القلب، وضربنا مثالا على ذلك وهو دعاء الأم على وحيدها. ونحن نرى أن هناك ألفاظا كثيرة تمر على ألسنة قد تؤدي إلى الكفر ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المبلغ عن الله يضع لنا صدق النية فيقول :( أخطأ من شدة الفرح ). قالها رسول الله تعليقا على رجل قال :( اللهم أنت عبدي وأنا ربك )(١).
هذا هو اللغو ومن رحمة الله بنا أنه يعفو بعميق وواسع رحمته فيقول لنا : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان . وكلمة ( عقدتم ) دليل على أن اللسان لم يعقد شيئا فحسب ولكن عقده بإحكام قوي. فساعة تبالغ في الحدث فأنت تأتي له باللفظ الذي يدل على المعنى تماما بتمكين وتثبيت. وعلى ذلك فكلمة ( عقد ) غير ( عقد ) إذن فكلمة ( عقد ) أي أن الإنسان قد صنع عقدة محكمة. مثال على التأكيد قول الحق سبحانه وتعالى :
وغلقت الأبواب ( ٢٣ ) [ من الآية ٢٣ سورة يوسف ]
قد يقول قائل : ألم يكن يكفي أن يقول الحق سبحانه :( غلقت الأبواب ) ؟ ونقول : لا إن الحق قد أتى بالفعل الذي يؤكد إحكام الإغلاق. فإغلاق الأبواب يختلف من درجة إلى أخرى ؛ فهناك غلق للباب بلسان ( طبلة ) الباب ؛ وهناك غلق بالمزلاج، وقوله الحق : وغلقت الأبواب أي أن امرأة العزيز بالغت في غلق الأبواب. وكذلك قوله الحق : عقدتم الأيمان . أي جالت في قلوبكم جولة تثبت صدق نيتكم في الحلف. وهناك صورة أدائية أخرى تلتقي مع صورة في المعنى، حين قال الحق سبحانه :
لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم ( ٢٢٥ ) [ سورة البقرة ].
ونلحظ هنا أن القلوب قد كسبت، فما الذي تكسبه القلوب في مثل هذه الحالة ؟ نعرف أن الكسب هو وجود حصيلة فوق رأس المال. والكسب الزائد في القسم، هو أن يؤكد الإنسان بقلبه هذا القسم ؛ أي أن القسم انعقد باللسان والقلب معا وسبب نزول آية سورة المائدة لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم أن الصحابة الذين حرموا على أنفسهم طيبات المطاعم والملابس والمناكح وحلفوا على ذلك فلما نزل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ( ٨٧ ) وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ( ٨٨ ) ( سورة المائدة ).
قالوا : كيف نصنع بأيماننا ؟ فنزلت هذه الآية أي أن تحريم الحلال لغو لا كفارة فيه، ونعلم أن الإنسان لا يصح له أن يحلف على شيء ليس له دخل فيه ؛ كقول إنسان ما : والله لن أصلي. إن مثل هذا اليمين لا تنعقد، ولذلك لا كفارة لها. لكن إن قال : والله لأشربن الخمر. هنا نقول له : امتثل إلى ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه )(٢).
والحق سبحانه وتعالى يقول : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان إذن فهناك استدراك يتعلق باليمين المؤكدة وهي تستدعي المؤاخذة. فكيف تكون المؤاخذة وهي عقوبة، على الرغم من أنه لا عقوبة إلا بنص ؟ إن الحق سبحانه وتعالى ستر العقوبة ومنعها بالكفارة : فكفارته إطعام عشر مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام . والكفارة هي ستر للعقوبة فهل معنى ذلك أن الإنسان تلزمه الكفارة ما دام قد عقد الأيمان ؟ لا، تكون الكفارة فقط حين تحنث في القسم فلم تبر فيه. فتكون الكفارة في هذا المجال كالآتي : إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أو صوم ثلاثة أيام لمن لم يجد.
والمناسب في الكفارة يختلف في مفهوم المفتين باختلاف الحانث، ومثال ذلك أن خليفة في الأندلس حلف يمينا وأراد أن يؤدي عن اليمين كفارة، فجاء إلى القاضي منذر بن سعيد سأله عن كفارة هذه اليمين ؛ فقال : لا بد أن تصوم ثلاثة أيام. وكان يجلس شخص آخر فأشار للقاضي إشارة فلم يعبأ القاضي منذر بن سعيد بتلك الإشارة. وخرج القاضي ومعه ذلك الشخص، فسأل القاضي : يا أبا سعيد، إن في نفسي شيئا من فتواك ؛ لماذا لم تقل للخليفة إن كفارة اليمين عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين ؟ فقال القاضي منذر بن سعيد : أمثل أمير المؤمنين يزجر بعتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين.
وهذا يدلنا على أن القاضي منذر بن سعيد قد أجهد نفسه ليختار الكفارة التي تزجر. وهذا يعلمنا أن الكفارة في جانب منها زجر للنفس وفي جانب آخر جبر للذنب. وقد رجح القاضي منذر بن سعيد الزجر على جانب جبر الذنب ؛ لأن خليفة لن يرهقه إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق أكثر من رقبة(٣).
وفي الإطعام لعشرة مساكين من أواسط ما نطعم به الأهل، قد يقول قائل : هل الأوسطية هنا للكمية أو الكيفية ؟ ونقول : يراعى فيها الكمية والكيفية. فإن كانت وجبة الإنسان مكونة من رغيف واحد فليعرف أن من أهله من يأكل في الوجبة الواحدة ثلاثة أرغفة فيكون الأوسط في مثل هذه الحالة رغيفين مع ما يكون من أدم كلحم ودسم. وكذلك الكسوة ؛ أن يكسو الإنسان الذي يكفر عن يمين عشرة مساكين بما يستر العورة وتصح به الصلاة ؛ كإزار ورداء أو قميص وعمامة، أو أي ملابس تسترهم. وها نحن أولاء نجد أن كفارة تحرير رقبة تأتي في المرتبة قبل الأخيرة ويأتي بعدها قول الحق : فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام . إذن فالحق لم يرتب الكفارة وإنما علينا أن نختار منها الكفارة الملائمة.
ويأتي الحق من بعد ذلك بالقول : واحفظوا أيمانكم والحفظ هو عدم التضييع. أما كيف نحفظ أيماننا ؟ فنقول : إن على الإنسان ألا يجري اليمين على لسانه، هذه واحدة. والثانية : أن يحاول الإنسان ألا يحنث في اليمين. وهذا يقتضي ألا يحلف الإنسان على شيء يقوله بلسانه ويخضعه لقلبه إلا إذا كان على ثقة من أنه سيجند كل جوارحه للقيام بهذا العمل الذي أقسم أن يقوم به، وهذا هو معنى قوله الحق : واحفظوا أيمانكم .
ويذيل الحق الآية الكريمة : كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون . والشكر هو الثناء من المنعم عليه على المنعم بالنعمة، فكأن هذه التشريعات تستحق منا الشكر ؛ لأنها جعلت اللغو غير مؤاخذ عليه، ولأنها جعلت اليمين الذي عقدته له كفارة، وفي كل من الأمرين تيسير يستحق الشكر لله.

١ من حديث رواه الإمام مسلم..
٢ رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة..
٣ الجمهور على أنه لا يكفر بالصيام إلا إذا عدم هذه الثلاثة الأشياء وهي: الإطعام والكسوة. وعتق الرقبة..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير