لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهاليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون [ المائدة : ٨٩ ].
تفسير المفردات : اللغو في اليمين : قول الرجل في الكلام من غير قصد لا والله وبلى والله، بما عقدتم الأيمان : أي بما صممتم عليه منها وقصدتموه، وأصل العقد نقيض الحل، فعقد الأيمان : توكيدها بالقصد والغرض الصحيح، وتعقيدها : المبالغة في توكيدها، وأصل الكفارة من الكفر، وهو : الستر والتغطية ثم صارت في اصطلاح الشرع اسما لأعمال تكفر بعض الذنوب والمؤاخذات أي تغطيها وتخفيها حتى لا يكون لها أثر يؤاخذ به المرء لا في الدنيا ولا في الآخرة، والأوسط : أي الأغلب من الطعام في البيوت لا الدون الذي يتقشف به أحيانا ولا الأعلى الذي يتوسع به أحيانا أخرى، وتحرير الرقبة : هو إعتاق الرقيق المملوك.
المعنى الجملي : بعد أن نهى سبحانه وتعالى عن تحريم الطيبات وعن الاعتداء فيها وتجاوز الحدود، لأن قوما من المسلمين تنسكوا وحرموا على أنفسهم اللحم والنساء وغيرها من الطيبات تقربا إلى الله سألوا عما يصنعون بأيمانهم التي حلفوا عليها فأنزل الله تعالى هذه الآية جوابا لهم عما سألوا.
روى ابن جرير عن ابن عباس قال : لما نزلت : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم قالوا : يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم وأخرج أبو الشيخ عن يعلى بن مسلم قال : سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية... قال : اقرأ ما قبلها فقرأت : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل لكم إلى قوله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم .
الإيضاح : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم أي لا يؤاخذكم الله بالأيمان التي تحلفونها بلا قصد، كما يقول الرجل في كلامه بدون قصد لا والله، وبلى والله، فلا مؤاخذة على مثل هذه بكفارة في الدنيا، ولا عقوبة في الآخرة.
ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان أي ولكن يؤاخذكم بما صممتم عليه من الأيمان وقصدتموه إذا أنتم حنثتم فيه.
وهذه المؤاخذة بينها سبحانه بقوله :
فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة أي فالذي يكفر عقد اليمين إذا نقض، أو إذا أريد نقضه بالحنث به هو إحدى هذه المبررات الثلاث على سبيل التخيير :
( ١ ) إطعام عشرة مساكين : وجبة واحدة لكل منهم من الطعام الغالب الذي يأكله أهلوكم في بيوتكم، لا من أردئه الذي يتقشفون به تارة، ولا من أعلاه الذي يتوسعون به تارة أخرى كطعام العيد ونحوه مما تكرم به الأضياف فمن كان أكثر طعام أهله خبز وأكثر إدامه اللحم بالخضر أو بدونها فلا يجزئ ما دون ذلك مما يأكلونه إذا قرفت أنفسهم من كثرة أكل الدسم ليعود إليها نشاطها، والأعلى مجزئ على كل حال لأنه من الوسط وزيادة، والثريد بالمرق وقليل من اللحم، أو الخبز مع الملوخية أو الرز أو العدس من أوسط الطعام في مصر وكثير من الأقطار الشرقية الآن، وكان التمر أوسط طعام أهل المدينة في العصر الأول، وأجاز أبو حنيفة إطعام مسكين واحد عشرة أيام.
( ٢ ) كسوة عشرة مساكين : وهي تختلف باختلاف البلاد والأزمنة كالطعام فيجزئ في مصر القميص الطويل الذي يسمى بالجلابية مع السراويل أو بدونه، وهذا يساوي الإزار والرداء أو العباءة في العصر الأول، ولا يجزئ ما يوضع على الرأس من طربوش أو عمامة، ولا ما يلبس في الرجلين من الأحذية والجوارب ولا نحو منديل أو منشفة.
( ٣ ) تحرير رقبة : أي إعتاق رقيق، وغلب استعمال الرقبة في المملوك والأسير، وقد يعبر أحيانا عن ذلك بفك الرقبة كقوله تعالى : فك رقبة [ البلد : ١٣ ] ولا يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة فيجزئ عتق الكافرة عند أبي حنيفة، واشترط الشافعي ومالك وأحمد إيمانها.
فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام أي فمن لم يستطع واحد من الثلاثة المتقدمة فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعات، فإن عجز عن ذلك لمرض، صام عند القدرة، فإن لم يقدر يرجى له عفو الله ورحمته إذا صحت وصدقت عزيمته.
والاستطاعة : أن تجد ذلك القدر فاضلا عن قوته وقوت عياله يومه وليلته وعن كسوته بقدر ما يطعم أو يكسو، وقد روى ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت آية الكفارة قال حذيفة : يا رسول الله نحن بالخيار فقال صلى الله عليه وسلم :" أنت بالخيار إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات ".
ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم بالله أو بأحد أسمائه وحنثتم، أو أردتم الحنث باليمين. واحفظوا أيمانكم فلا تبذلوها في أتفه الأمور وأحقرها، ولا تكثروا من الأيمان الصادقة فضلا عن الأيمان الكاذبة قال تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم [ البقرة : ٢٢٤ ] وإذا حلفتم فلا تنسوا ما حلفتم عليه ولا تحنثوا فيه إلا لضرورة تعرض، أو مصلحة تجعل الحنث رابحا.
كذلك بين الله لكم آياته لعلكم تشكرون أي وعلى هذا النحو الشافي الوافي يبين الله لكم أعلام شريعته وأحكام دينه، ليعدكم ويؤهلك بذلك إلى شكر نعمه على الوجه الذي يحبه ويرضاه ويكون سببا في المزيد من فضله وإحسانه.
وها هنا مسائل تتعلق بالأيمان يجمل بك أن تعرفها تكملة لدينك :
( ١ ) لا يجوز الحلف بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته، قال صلى الله عليه وسلم :" من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله " رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر، ورويا أيضا عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال :" إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " وروى أحمد والبخاري عن ابن عمر قال :" كان أكثر ما يحلف به النبي صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب ".
والمحرم أن يحلف بغير الله حلفا يلتزم به ما حلف عليه والبر به فعلا أو تركا، لأن الشارع جعل هذا خاصا بالحلف بالله وأسمائه وصفاته، وأما ما يجيء لتأكيد الكلام ويجري على ألسنة الناس دون قصد لليمين فلا يدخل في باب النهى نحو قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي " أفلح وأبيه إن صدق ".
ويدخل في النهى الحلف بالنبي والكعبة وسائر ما هو معظم شرعا تعظيما يليق به، ولقد كان غلو الناس في تعظيم أنبيائهم والصالحين منهم سببا في هدم الدين واستبدال الوثنية به.
( ٢ ) يجوز الحنث لمصلحة راجحة مع التكفير قبله لما رواه أحمد والشيخان في صحيحيهما عن عبد الرحمان بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك " وفي لفظ عن أبي داود والنسائي :" فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير " ودل اختلاف الرواية في تقديم الأمر بالكفارة أو تأخيره على جواز الأمرين :
والحلف باعتبار المحلوف عليه أقسام :
( أ ) حلف على فعل واجب أو ترك حرام، وهذا تأكيد لما كلف الله به، لحنث ويكون الإثم مضاعفا.
( ب ) حلف على ترك واجب أو فعل محرم، ويجب في هذا الحنث لأن اليمين معصية، ومن ذلك الحلف على إيذاء الوالدين وعقوقهما أو منع ذي حق حقه الواجب له، والحلف على ترك المباح كالطيب من الطعام، فإن في ذلك تشريعا بتحريم ما أحل الله كما فعلت الجاهلية في تحريم بعض الطيبات.
( ج ) حلف على فعل مندوب أو ترك مكروه، وهذا طاعة يندب له الوفاء به ويكره الحنث، ومن ذلك الحلف على ترك طعام معين كالطعام الذي في هذه الصفحة مثلا، كما فعل عبد الله بن رواحة في تحريمه الطعام على نفسه ثم أكله منه لأجل الضيف، فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم " أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظارا له، فقال لامرأته : حبست ضيفي من أجلي ؟ هو علي حرام، فقالت امرأته : هو علي حرام، قال الضيف : هو علي حرا، فلما رأى ذلك وضع يده وقال : كلوا باسم الله ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" قد أصبت "، فأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل لكم ".
( ٣ ) الأيمان ثلاثة أقسام :
( أ ) ما ليس من أيمان المسلمين كالحلف بالمخلوقات نحو الكعبة والملائكة والمشايخ والملوك والآباء وتربتهم وهذه يمين غير منعقدة، ولا كفارة فيها، بل هي منهي عنها نهي تحريم لما تقدم من الأحاديث.
( ب ) يمين بالله تعالى كقوله : والله لأفعلن، وهذه يمين منعقدة فيها الكفارة عند الحنث.
( ج ) أيمان في معنى الحلف بالله يريد بها الحالف تعظيم الخالق كالحلف بالنذر والحرام والطلاق والعتاق كقوله : إن فعلت كذا فعلي صيام شهر، أو الحج إلى بيت الله، أو الحل علي حرام لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، أو إن فعلته فنسائي طوالق أو عبيدي أحرار، أو كل ما أملكه صدقة أو نحو ذلك. والصحيح الموافق للأقوال الثابتة عن الصحابة وعليه يدل الكتاب والسنة أنه يجزئه كفارة يمين في جميع ذلك كما قال تعالى : ذلك كفارة أيمانكم إذ حلفتم وقال : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [ التحريم : ٢ ] وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من حلف على يمين فرأى خيرا فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ".
( ٤ ) الأيمان مبنية على العرف والنية لا على مدلولات اللغة واصطلاحات الشرع، فمن حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لا يحنث وغن سماه الله لحما طريا إلا إن نواه أو كان يدخل في عموم اللحم في عرف قوه، كما أن من يحلف غيره يمينا على شيء فالعبرة بنية المحلف لا الحالف، فقد روى مسلم وابن ماجة :" اليمين على نية المستحلف ".
واليمين الغموس : التي يهضم بها الحق أو يقصد بها الخيانة والغش لا يكفرها عتق ولا صدقة ولا صيام، بل لا بد من التوبة وأداء الحق والاستقامة، قال تعالى : ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم [ النحل : ٩٤ ] وقال صلى الله عليه وسلم :" من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان " رواه البخاري ومسلم.
تفسير المراغي
المراغي