ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تشكرون .
روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم وحلفوا على ذلك، فلما نزلت لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قالوا : كيف نصنع بأيماننا ؟ فنزلت هذه الآية١.
تتضمن هذه الآية أحكام اليمين. وهي في اللغة بمعنى القوة. ومنه قوله تعالى لأخذنا منه باليمين أي بالقوة واليمين مفرد. وجمعه أيمن بالضم وأيمان. واليمين في الشرع : عقد يتقوى به عزم الحالف على الفعل أو الترك٢ ويتبين من الآية أن ضروب اليمين ثلاثة هي : يمين اللغو، واليمين الغموس، واليمين المنعقدة. ونعرض لكل واحد من هذه الضروب بإيجاز فإن التفصيل في مظانه من كتب الفقه.
يمين اللغو
اللغو، أو اللغا، بوزن الفتى، هو السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره. والمراد به هنا ما يجري في العادة على لسان الحالف من قسم لا يريده ولا يقصد معناه ولم تنعقد عليه النية. كما لو قال : لا والله. أو بلى والله.
وتبين الآية أنه لا إثم على المرء في يمين اللغو. وهو ما يبدر منه بغير قصد كقول الرجل : لا والله. بلى والله. وهو قول الشافعية. قالت السيدة عائشة في ذلك : أيمان اللغو ما كان المراء والمزاحة والهزل، وروى الموطأ عنها أنها قالت : لغو اليمين قول الإنسان : لا والله. وبلى والله.
أما الحنفية فقالوا : يمين اللغو هي اليمين الكاذبة خطأ أو غلطا في الماضي أو في الحال، سواء في الإثبات أو النفي. وذلك كأن يقول الرجل : والله ما كلمت فلانا، وهو يظن أنه لم يكلمه وقد كلمه. أو يقول : والله لقد كلمت فلانا وهو يظن أنه كلمه لكنه في الحقيقة لم يكلمه. أو حلف أن هذا القادم فلان أو أن هذا الطائر غراب وهو يظن أنه كذلك ثم تبين أنه خلاف ما ظن. ومثل هذه الأيمان لغو. وهو مذهب الإمام مالك في المقصود باللغو. فقد ذكر عنه قوله : اللغو في اليمين أن يحلف على الشيء يظن أنه كذلك. كقوله : والله لقد لقيت فلانا أمس، وذلك يقينه. وإنما لقيه قبل ذلك أو بعده فلا شيء عليه في ذلك لكونه لغوا، واستدلوا لذلك بالآية لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فقد قابل يمين اللغو باليمين المقصودة وفرق بينهما في المؤاخذة وفي نفيها. ومقتضى ذلك أن تكون يمين اللغو غير اليمين المعقودة تحقيقا للمقابلة٣.
يمين الغموس
هي اليمين الكاذبة قصدا في الماضي والحال نفيا أو إثباتا. كقوله : والله ما فعلت كذا، وهو يعلم أنه فعله. أو يقول : والله لقد فعلت كذا، وهو يعلم أنه لم يفعله.
وسميت يمين الغموس بهذا الإسم، لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو النار. فهي بذلك فاجرة وضرب من ضروب الزور، أو الازوار، أي العدول والانحراف عن الحق والصدق. وبذلك فإن اليمين الغموس واحدة من أكبر الكبائر التي حذر منها الدين وشدد عليها النكير وندد بها تنديدا.
فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن أنيس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أكبر الكبائر : الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس. والذي نفسي بيده لا يحلف رجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت كيا في قلبه يوم القيامة " وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع ".
وأضاف الإمام مالك إلى يمين الغموس ما لو حلف وهو غير متيقن مما حلف عليه. وذلك كأن يقول : والله ما لقيت فلانا أمس، وهو لا يقين له في ذلك. أو لا يعرف حين الحلف أنه لقيه أمس أو لم يلقه. ثم تبين له بعد ذلك أنه خلاف ما أقسم عليه. فإن ذلك كمن حلف عامدا للكذب. وعليه أن يستغفر الله، لأن هذه اليمين أعظم من أن يكون لها كفارة٤.
أما الكفارة في اليمين الغموس ففي وجوبها قولان :
أحدهما : عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس. وهو قول أكثر أهل العلم. وقد ذهب إلى ذلك الحنفية والمالكية والحنابلة وأصحاب الحديث وغيرهم من الصحابة والتابعين. واستدلوا لذلك من النصوص ما فيه وعيد للحالفين الكاذبين بأن مصيرهم إلى النار. كقوله تعالى : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة وقوله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مالا لقي الله وهو عليه غضبان " يستدل من ذلك أن موجب اليمين الغموس العذاب في الآخرة، فمن أوجب الكفارة فقد زاد على النص وهو لا يجوز.
واستدلوا من المعقول أيضا بأن اليمين الغموس من الكبائر التي لا تمحوها الكفارة، لأنها أكبر من أن تكفرها كفارة ولا يمحوها غير التوبة والندامة والاستغفار٥.
القول الثاني : وجوب الكفارة في اليمين الغموس. وهو قول الشافعية وآخرين وهو مذهب أهل الظاهر. والدليل على وجوب الكفارة في الغموس من المعقول إذ قال الإمام الشافعي : إن اليمين الغموس معتبرة يمينا منعقدة وهي مندرجة فيها. والله سبحانه وتعالى يقول في وجوب الكفارة في الأيمان المنعقدة : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين وهذا يعم الماضي والمستقبل. وتعلق الإثم لا يمنع وجوب الكفارة، كما أن الظهار منكر من القول وزور وتتعلق به الكفارة. وأجيب عن الاحتجاج بكفارة الظهار بأنها لا تجب بنفس الظهار، بل بالعودة إلى الوطء بعد الحلف بالظهار. والراجح قول جمهور أهل العلم وهو عدم وجوب الكفارة في الغموس لما ذكره من دليل. ويضاف إلى ذلك الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم : " خمس من الكبائر لا كفارة فيهن " وعد منها اليمين الفاجرة. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خمس ليس فيهن كفارة : الشرك بالله. وقتل النفس بغير حق، وبهت المؤمن، والفرار من الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق " ٦.
اليمين المنعقدة
هي اليمين على شيء في المستقبل نفيا أو إثباتا. وكيفيتها أن يعقد الحالف قلبه على شيء مع قصد اليمين فإذا حلف وجب في حقه كفارة. وذلك كأن يقول : والله لأفعلن كذا وكذا. أو يقول : والله لا أفعل كذا وكذا. فمثل هذه اليمين قد قصدها الحالف وانعقد قلبه فلزمته بذلك كفارة عن يمينه إذا حنث، أو قبل الحنث، على الخلاف.
قال الماوردي في هذا : للكفارة ثلاث حالات : أحدهما قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقا. ثانيها : بعد الحلف فتجزئ اتفاقا. ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف٧.
على أن الكفارة من أجل الحنث في اليمين المعقودة واجبة استنادا إلى قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم .
بما عقدتم الأيمان، أي بسبب تعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية. فتكون ما هنا مصدرية، لأن الكلام هنا في مقابلة اللغو، إذ ليس فيه قصد أو تعقيد للنية.
ويستدل كذلك من السنة بما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا عبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك ".
وكذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " وفي لفظ " إلا كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير " وفي لفظ " إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " وذلك يدل على وجوب الكفارة بسبب الحنث في اليمين المنعقدة على أمر في المستقبل.
أما هل يجوز التكفير قبل الحنث فثمة قولان :
الأول : جواز التكفير قبل الحنث. وهو مذهب الجمهور. واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير " وهذا يدل على جواز التكفير قبل الحنث. واستثنى الإمام الشافعي الصيام في التكفير قبل الحنث. ومع ذلك فهم يذهبون إلى أن التكفير بعد الحنث أفضل من التكفير قبله.
القول الثاني : عدم جواز التفكير قبل الحنث. وهو قول الحنفية. واستدلوا بظاهر الآية ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم والمراد : إذا حلفتم فحنثتم. ورد ذلك بأن المقصود : إذا حلفتم فأردتم الحنث٨.
الكفارة
الكفارة من الكفر – بالفتح – بمعنى الستر والتغطية. سمي الليل المظلم كافرا، لأنه يستر بظلامه كل شيء. وسمي الكافر بهذا الاسم، لأنه يستر نعمة الله أي يجحدها. ويطلق الكافر على الزارع، لأنه يغطي البذر بالتراب. والكفار يراد بهم الزراع. قال الله سبحانه : كمثل غيث أعجب الكفار .
والكفارة في الشرع تعني الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة. أي تسترها٩.
على أن أصناف الكفارة لليمين أربعة هي : الإطعام والإعتاق ثم الصيام بعد ذلك.
والحالف إذا حنث بيمينه كان له الخيار بين الإطعام والكساء والإعتاق. فواحد من هذه الخيارات يجزئ في التكفير عن الحنث في اليمين فإذا لم يستطع أن يكفر بواحد من هذه الخيارات كان له أن يصوم أياما ثلاثة. ويستفاد ذلك من قوله في الآية أو فإنها تفيد التخيير بين أن يطعم أو يكسو أو يعتق رقبة. قال ابن عباس في معنى { أو : ما في كتاب الله أو فهو مخير فيه. على أنه لا يجوز للحانث أن يكفر بالصيام إلا بعد العجز عن الخيارات الثلاثة الأولى. وذلك لقوله : فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام .
قوله : إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم ويشترط في المساكين الذين يطعمون تحقق أربعة شروط وهي : الحاجة والحرية والإسلام وأن يكونوا من الأباعد.
أما الحاجة فهي أن يكون المسكين فقيرا معوزا محتاجا للصدقة ونحوها.
وأما الحرية فهي أن يكون المساكين أحرارا، فلا تجزي الكفارة في العبيد، لأن في دفعها لهم مظنة الدفع لمالكيهم.
وأما الإسلام فهو شرط آخذ الكفارة. فلا يجزي أداؤها غير المسلمين وإن كانوا فقراء، وإنما تضطلع الدولة الإسلامية بإعطاء غير المسلمين ما يكفيهم من بيت المال من غير الزكاة ولا الكفارات. وهو مذهب الجمهور. خلافا للحنفية، إذ قالوا بجواز دفعها لهم استنادا إلى عموم الآية، ولأن المسكين غير المسلم معتبر من أهل دار الإسلام فهو في ذلك كالمسلم.
وأما اشتراط البعد، وهو أن يكون الآخذون من الأباعد غير المنفق عليهم وجوبا وهم الأصول والفروع والزوجات فهؤلاء لا يعطون من كفارة اليمين. قال الشافعي في هذا الصدد : ويعطي الكفارات والزكاة كل من لا تلزمه نفقته من قرابته وهم من عدا الوالد والزوجة. وإن كان ينفق عليهم متطوعا أعطاهم. وهو قول أكثر العلماء١٠.
أما مقدار ما يعطاه الواحد من المساكين العشرة فقد تبين في الآية مجملا غير مفصل وهو قوله تعالى : من أوسط ما تطعمون أهليكم فموضع الاستدلال هنا قوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم فقد اختلفت كلمة العلماء في مقدار الطعام. فقد قيل : يجزي في الخبز والتمر، أو الخبز والزيت، أو الخبز والسمن. أو الخبز واللحم. و

١ - تفسير القرطبي ج ٦ ص ٢٦٤..
٢ - المصباح المنير ج ٢ ص ٣٥٩ والمعجم الوسيط ج ٢ ص ١٠٨٠ وشرح فتح القدير للكمال بن الهمام ج ٥ ص ٥٩ وأحكام القرآن لابن العربي ج ٢ ص ٦٣٥..
٣ - بداية المجتهد ج ١ ص ٣٨٤ والأم للشافعي ج ٧ ص ٦٣ والمغني ج ٨ ص ٦٨٨ وبدائع الصنائع ج ٣ ص ٣ والموطأ ص ٢٦٦..
٤ - بدائع الصتائع ج ٣ ص ٣ وشرح فتح القدير ج ٥ ص ٦٠- ٦٢ وبداية المجتهد ج ١ ص ٣٤٨ والمدونة الكبرى ج ٢ ص ٢٨..
٥ - البناية على الهداية ج ٥ ص ١٥٨ والمغني ج ٨ ص ٦٨٦ والمدونة ج ٢ ص ٢٨ والأم للشافعي ج ٧ ص ٦١..
٦ - الأم ج ٧ ص ٦١- ٦٣ ومغني المحتاج ج ٤ ص ٣٢٥ والمحلى ج ٨ ص ٣٦ والجامع الصغير للسيوطي ج ١ ص ٦١٢..
٧ - نيل الأوطار ج ٧ ص ٢٤٨ وأحكام لابن العربي ج ٢ ص ٦٣٥ وروح المعاني ج ٧ ص ١٠..
٨ - نيل الأوطار ج ٧ ص ٢٤٧ والمدونة ج ٢ ص ٢٩ والمغني ج ٨ ص ٧١٢ والمبسوط للسرخسي ج ٧ ص ١٤٧ والبناية شرح الهداية ج ٥ ص ١٨٥..
٩ - الكشاف ج ١ ص ٦٤٠ وفتاوى ابن تيمية ج ٣ ص ٣٥٥..
١٠ - الأم ج ٧ ص ٦٤ والمغني ج ٨ ص ٧٣٩ وبداية المجتهد ج ١ ص ٣٥٧ وأسهل المدارك ج ٢ ص ٢٨ والمدزنة ج ٢ ص ٤١..

التفسير الشامل

عرض الكتاب
المؤلف

أمير عبد العزيز

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير