لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ٨٩ .
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال لما نزلت يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم قالوا : يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم وأخرج أبو الشيخ عن يعلى بن مسلم قال سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية... قال اقرأ ما قبلها فقرأت يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم - إلى قوله – لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم قال : اللغو أن تحرم هذا الذي أحل الله لك وأشباهه، تكفر عن يمينك ولا تحرمه، فهذا اللغو الذي لا يؤاخذكم به، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، فإن مت عليه أوخذت به. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير «لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » قال هو الرجل يحلف على الحلال أن يحرمه فقال الله «لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم »أن تتركه وتكفر عن يمينك، «ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان » قال : ما أقمت عليه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد »لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » قال هما الرجلان يتبايعان يقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا – ويقول الآخر : والله لا أشتريه بكذا. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن إبراهيم قال : اللغو أن يصل الرجل كلامه بالحلف : والله لتجيئن، والله لتأكلن، والله لتشربن – ونحو هذا، لا يريد به يمينا ولا يتعمد به حلفا، فهو لغو اليمين ليس له كفارة.
أورد ذلك السيوطي في الدر المنثور. وأصح منه وأظهر في تفسيره ما أورده في تفسير هذه الجملة في سورة البقرة عن مالك في الموطإ والشافعي في الأم والبخاري ومسلم في صحيحهما والبيهقي في سننه وأشهر مصنفي التفسير المأثور من حديث عائشة قالت أنزلت هذه الآية «لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » في قول الرجل : لا والله و – بلى والله و – كلا والله(١). زاد ابن جرير : يصل بها كلامه. وفي رواية له ولغيره عنها : هو القوم يتدارءون في الأمر يقول هذا : لا والله، ويقول هذا : كلا والله – يتدارءون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم. وفي هذا المعنى عدة روايات عن غيرها من علماء الصحابة كابن عباس وابن عمر.
والصحيح الذي تشهد له اللغة في تفسير لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم هو قول عائشة وعليه جرينا في تفسير آية البقرة. ولقد لخص الأقوال المأثورة في اللغو الحافظ ابن كثير وبدأ بالقول الراجح وهو قول الرجل في الكلام من غير قصد : لا والله، وبلى والله. قال : وهذا مذهب الشافعي، وقيل هو في الهزل وقيل في المعصية، وقيل على غلبة الظن – وهو قول أبي حنيفة وأحمد – وقيل اليمين في الغضب، وقيل في النسيان، وقيل هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك. واستدلوا بقوله : لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم .
قال : والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان أي بما صممتم عليه منها وقصدتموه اه. فهو قد صحح ما صححه بكونه هو الذي تدل عليه ألفاظ الآية إذا تركت الروايات المختلفة ونظر إلى المتبادر من العبارة، وهو مما يجب التعويل عليه في كل ما اختلفوا فيه.
فاللغو في الأقوال كالعبث في الأفعال وهو ما لا يكون بقصد من القائل أو الفاعل إلى غرض له منه. قال الراغب : اللغو من الكلام ما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور- إلى أن قال – ومنه اللغو في الأيمان أي ما لا عقد عليه، وذلك ما يجري وصلا للكلام بضرب من العادة. ثم ذكر عبارة الآية وبيت الفرزدق الآتي.
وقال في مادة [ عقد ] : العقد الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل في الأجسام الصلبة كعقد الحبل وعقد البناء، ثم يستعار ذلك للمعاني نحو عقد البيع والعهد وغيرهما، فيقال عاقدته وعقدته، وتعاقدنا وعقدت يمينه. قال :( عاقدت أيمانكم ) وقرئ ( عقدت أيمانكم ) وقال :( بما عقدتم الأيمان ) وقرئ ( بما عقدتم الأيمان ) اه.
وأقول التشديد قراءة الجمهور والتخفيف قراءة حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم. وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان ( عاقدتم ) من المعاقدة، وكتابة الكل في المصحف واحدة – هكذا «عقدتم » بدون ألف.
وما في قوله :«بما عقدتم » مصدرية، قال الزمخشري : بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية، وروي أن الحسن رضي الله عنه سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال : يا أبا سعيد دعني أجب عنك فقال :
| ولست بمأخوذ بقول تقوله | إذا لم تعمد عاقدات العزائم |
فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة الكفارة صفة مبالغة من الكفر وهو الستر والتغطية. ثم صارت في اصطلاح الشرع اسما لأعمال تكفر بعض الذنوب والمؤاخذات أي تغطيها وتخفيها حتى لا يكون لها أثر يؤاخذ به في الدنيا ولا في الآخرة، فالذي يكفر عقد اليمين إذا نقض أو أريد نقضه بالحنث به أحد هذه المبررات الثلاثة على التخيير. وأدناها إطعام عشرة مساكين وجبة واحدة لكل منهم من غالب الطعام الذي تطعمون به أهل بيوتكم لا من أدناه الذي تتقشفون به أحيانا، ولا من أعلاه الذي تتوسعون به أحيانا كطعام العيد وما تكرمون به من تدعون أو تضيفون من كرام الناس ككثرة الألوان وما يتبعها من العقبة ( الحلوى والفاكهة ) فمن كان أكثر طعام أهله خبز البر وأكثر إدامه اللحم بالخضر أو دونه فلا يجزئه ما دونه مما يأكلونه قليلا في بعض الأيام إذا طسيت أنفسهم ( أي قرفت من كثرة أكل الدسم ) ليعود إليها نشاطها. ولكن الأعلى يجزئ على كل حال لأنه من الوسط وزيادة، وربما كان هو المراد بالأوسط، أي من نوع يكون من أمثل طعام أهليكم.
وقد روي ما يدل على هذا عن عطاء فإنه فسر الأوسط بالأمثل. وفسره ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة بالأعدل، وهو ما بيناه أولا. وعن ابن عباس في رواية أخرى أنه قال : من عسرهم ويسرهم. وعن ابن عمر أنه قال في تفسيره : الخبز واللحم والخبز واللبن والخبز والزيت والخبز والخل. وفي رواية أخرى عنه نحو ما تقدم إلا أنه ذكر بدل الخل التمر ثم قال : ومن أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز واللحم. ومن الناس من جعل الأوسط بالنسبة إلى الطعام البلد لا طعام الأفراد الذين تجب عليهم الكفارة، ففي رواية عن ابن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوت دون وبعضهم قوتا فيه سعة قال الله تعالى :''من أوسط ما تطعمون أهليكم " أي الخبز والزيت. وجعل بعضهم الأوسط في القلة والكثرة. والأول أظهر، وعلى هذا يكون الثريد بالمرق وقليل من اللحم، أو الخبز مع الملوخية أو الرز أو العدس من أوسط الطعام في مصر والشام لهذا العهد. وكان التمر أوسط طعام أهل المدينة في العصر الأول وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كفر بصاع من تمر وأمر الناس به، رواه ابن ماجه ولكنه ضعيف وجمهور السلف على أن العدد واجب، وأجاز أبو حنيفة إطعام مسكين واحد عشرة أيام.
وأما الكسوة فهي اللباس وهي فوق الإطعام ودون العتق، ولم يقل فيها مما تكسون أهليكم أو من أوسطه، فيجزئ إذا كل ما يسمى كسوة، وأدناه ما يلبسه المساكين عادة وهو المتبادر من الآية. والظاهر المختار عندي أنه يختلف باختلاف البلاد والأزمنة كالطعام، فيجزئ في مصر القميص السابغ الذي يسمونه ( الجلابية ) مع السراويل أو بدونه، فهو كالإزار والرداء أو العباءة في العصر الأول. وفي العباءة حديث مرفوع رواه الطبراني عن عائشة وابن مردويه عنها وعن حذيفة ولم يصح سندهما وإنما معناه صحيح. ولا يجزئ ما يوضع على الرأس من قلنسوة أو كمة أو طربوش أو عمامة، ولا ما يلبس في الرجلين من الأحذية والجوارب، ولا نحو منديل أو منشفة. وذهب بعض الفقهاء إلى إجراء كل ما تقول العرب فيه كساه كذا، أو ما يطلق عليه لفظ الكسوة، وهو مذهب الشافعي.
وروى ابن أبي حاتم عن محمد بن الزبير عن أبيه قال : سألت عمران بن الحصين رضي الله عنه عن قوله :( أو كسوتهم ) قال : لو أن وفدا قدموا على أميركم وكساهم قلنسوة قلنسوة قلتم : قد كسوا. ولكن هذا أثر واه جدا لأن محمد بن الزبير متروك ليس بشيء. وفيه بحث لفظي وهو أن إضافة الكسوة إلى المساكين كإضافة الإطعام إليهم، فإن كان يكفي في الإطعام تمرة أو تفاحة لأنه يقال لغة : أطعمه تمرة أو تفاحة – يكفي ما ذكر من الكسوة، والأول باطل بالإجماع والثاني مثله وإن اختلف فيه، وقد اختلف في لفظ الكسوة هل هو مصدر كالإطعام أو اسم لما يلبس، والمراد لا يختلف. ثم إن هذه الثلاثة التي خير الله الناس فيها مرتبة على طريقة الترقي، فالإطعام أدناها والكسوة أوسطها والإعتاق أعلاها – كما قلنا – وهو معلوم بالبداهة. فلو أريد من الكسوة ما يشتمل القلنسوة والعمامة لم يكن ذلك من الترقي ولم يظهر لجعل الكسوة بعد الإطعام وقبل الإعتاق نكتة.
وروي عن الحسن وابن سيرين أن الواجب ثوبان ثوبان. وروي الثاني عن أبي موسى أنه فعله. وعن سعيد بن المسيب عمامة يلف بها رأسه وعباءة يلتحف بها، وعن الإمام أبي جعفر الباقر وعطاء وطاوس وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبي مالك والحسن في رواية عنه ثوب ثوب. والمراد به كما صرح به إبراهيم النخعي ثوب جامع كالملحفة والرداء، وكان لا يرى الدرع والقميص والخمار ونحوها جامعا. وعن مجاهد أعلاه ثوب وأدناه ما شئت. وروى العوفي عن ابن عباس : عباءة لكل مسكين أو شملة. وعن مالك وأحمد : يرفع لكل مسكين ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلا
تفسير المنار
رشيد رضا