ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي بالخصلة التي هي أحسن ؛ كحفظه وتثميره. والنهي عن القرب : يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة ؛ لأنه إذا نهى عن القرب كان الأكل أولى، حتى يبلغ أشده وهو البلوغ مع الرشد، بحيث يعرف مصالح نفسه ويأمن عليه التبذير، فيدفع له، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ؛ بالعدل والتوفية، لا نُكلِّف نفسًا إلا وسعها ؛ إلا ما يسعها ولا يعسر عليها، ولمَّا أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج أمر بالوسع في ذلك وعفا عما سواه.
وإذا قلتم في حكومة ونحوها، فاعدلوا ولو كان المقول له في شهادة أو حكومة ذا قربى ؛ فيجب العدل في ذلك، وبعهد الله أوفوا أي : ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع، أو ما عاهدتم مع عباده، ذلكم وصّاكم به لعلكم تذكرون ؛ تتعظون به.
ووصى بعدم قتل الأولاد، وهم المواهب والعلوم بإهمال القلب في الغفلة، وعدم قرب الفواحش : الظاهرة الحسية، والباطنية القلبية ؛ كالحسد، والكبر، وحب الجاه والدنيا، وسائر العيوب. وعدم قتل النفس بالانهماك في الهوى والغفلة حتى تموت بالجهل عن المعرفة. وعدم قرب مال اليتيم، وهو الذي ليس له شيخ، فإن الغالب عليه عدم المسامحة، وسيأتي عند قوله تعالى : قَالَ رَبِّ أَرِنِيَ أَنظُرْ إِلَيْكَ [ الأعرَاف : ١٤٣ ]، إشارة لها أرق من هذه، وعلى التوفية في الأمور كلها ؛ لأن الصوفي من أهل الصفاء والوفاء، وعلى الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال. وعلى الوفاء بالعهد، وأعظمها عهد الشيوخ المُربين، وعلى اتباع طريق السلوك الموصلة للحضرة وهي ما عينه الشيوخ للمريدين، فلا يتعدى نظرهم ولو لحظة. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي