وَأَخَذَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مَنْعَ الْعَزْلِ ; لِأَنَّهُ وَأْدٌ خَفِيٌّ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ: " كُنَّا نَعْزِلُ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ " يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، لَكِنْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَيَجُوزُ عَنِ الْأَمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا. وَالْإِمْلَاقُ: الْفَقْرُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْإِمْلَاقُ الْجُوعُ.
وَحَكَاهُ النَّقَّاشُ عَنْ مُؤَرِّجٍ، وَقِيلَ: الْإِمْلَاقُ الْإِنْفَاقُ، يُقَالُ: أَمْلَقَ مَالَهُ بِمَعْنَى أَنْفَقَهُ، وَذَكَرَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْلِقِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِكِ.
وَحُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ، ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ الْآيَةَ، قَدْ يَتَوَهَّمُ غَيْرُ الْعَارِفِ مِنْ مَفْهُومِ مُخَالَفَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَعْنِي مَفْهُومَ الْغَايَةِ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [٦ ١٥٢] أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ، فَلَا مَانِعَ مِنْ قُرْبَانِ مَالِهِ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا بِالْآيَةِ، بَلِ الْغَايَةُ بِبُلُوغِ الْأَشَدِّ يُرَادُ بِهَا: أَنَّهُ إِنْ بَلَغَ أَشُدَّهُ يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ، إِنْ أُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ الْآيَةَ [٤ ٦].
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَشُدِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْبُلُوغُ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا الْآيَةَ.
وَالْبُلُوغُ يَكُونُ بِعَلَامَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَالْإِنْبَاتِ، وَاحْتِلَامِ الْغُلَامِ، وَحَيْضِ الْجَارِيَةِ، وَحَمْلِهَا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ سِنَّ الْبُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: إِذَا بَلَغَتْ قَامَتُهُ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ فَقَدْ بَلَغَ، وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَرَزْدَقُ فِي قَوْلِهِ يَرْثِي يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ: [الْكَامِلُ]
| مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَدَاهُ إِزَارَهُ | فَسَمَا فَأَدْرَكَ خَمْسَةَ الْأَشْبَارِ |
| يُدْنِي خَوَافِقَ مِنْ خَوَافِقَ تَلْتَقِي | فِي ظِلِّ مُعْتَبَطِ الْغُبَارِ مُثَارِ |
كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَأَمَّا أَنْعُمُ، فَلَيْسَ جَمْعَ نِعْمَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ جَمْعُ نِعْمَ مِنْ قَوْلِهِمْ بِئْسَ وَنِعْمَ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَقَالَ أَيْضًا: وَأَصْلُ الْأَشُدِّ مِنْ شَدِّ النَّهَارِ إِذَا ارْتَفَعَ، يُقَالُ: أَتَيْتُهُ شَدَّ النَّهَارِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ يُنْشِدُ بَيْتَ عَنْتَرَةَ: [الْكَامِلُ]
| عَهْدِي بِهِ شَدُّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا | خَضَبَ اللَّبَانَ وَرَأْسَهُ بِالْعَظْلَمِ |
| تُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهَارِ ظَعِينَةٌ | طَوِيلَةُ أَنْقَاءُ الْيَدَيْنِ سَحُوقُ |
| شَدَّ النَّهَارِ ذِرَاعَا عَيْطَلٍ نَصَفٍ | قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ |
| يَوْمًا يَظَلُّ بِهِ الْحَرْبَاءَ مُصْطَخِدًا | كَأَنَّ ضَاحِيَهُ بِالشَّمْسِ مَحْلُولُ |
| كَأَنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا إِذَا عَرِقَتْ | وَقَدْ تَلَفَّعَ بِالْقُورِ الْعَسَاقِيلُ |
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَشُدُّ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ بَعِيدَةٌ عَنِ الْمُرَادِ بِالْآيَةِ كَمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ جَازَتْ لُغَةً، كَمَا قَالَ سُحَيْمُ بْنُ وَثِيلٍ: [الْوَافِرُ]
| أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أَشُدِّي | وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّئُونِ |
| وَشَارِبُ الْخَمْرِ إِذَا مَا ثَمَرَا | لِمَا يَلِي مِنْ مَالِهِ لَنْ يَحْجُرَا |
| وَصَالِحٌ لَيْسَ يُجِيدُ النَّظَرَا فِي الْمَالِ | إِنْ خِيفَ الضَّيَاعُ حُجِرَا |
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، أَمَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِإِيفَاءِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ بِالْعَدْلِ، وَذَكَرَ أَنَّ مَنْ أَخَلَّ بِإِيفَائِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ لِذَلِكَ، لَا حَرَجَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا عِقَابًا لِمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ تَوَعَّدَهُ بِالْوَيْلِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَوَبَّخَهُ بِأَنَّهُ لَا يَظُنُّ الْبَعْثَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [٨٣ ١ - ٦].
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ إِيفَاءَ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ خَيْرٌ لِفَاعِلِهِ، وَأَحْسَنُ عَاقِبَةً، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [١٧ ٣٥].
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، أَمَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِالْعَدْلِ فِي الْقَوْلِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى ذِي قَرَابَةٍ، وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِالْأَمْرِ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ وَالِدَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْآيَةَ [٤ ١٣٥].
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا الْآيَةَ، أَمَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِالْإِيفَاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ عَهْدَ اللَّهِ سَيُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِقَوْلِهِ: صفحة رقم 547
أضواء البيان
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي