المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه لعباده جميع ما حرم عليهم من الطعام، وذكر حجته البالغة على المشركين الذين حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه عليهم ودحض شبهتهم التي احتجوا بها على شركهم بربه وافترائهم عليه.
ذكر في هذه الآيات أصول المحرمات في الأقوال والأفعال، وأصول الفضائل وأنواع البر.
الإيضاح :( ٦ ) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن أي ولا تقربوا مال اليتيم إذا وليتم أمره، أو تعاملتم به ولو بواسطة وليه أو وصية إلا بالفعلة التي هي أحسن في حفظ ماله وتثميره. ورجحان مصلحته، والإنفاق منه على تربيته وتعليمه ما به يصلح معاشه ومعاده.
والنهي عن القرب من الشيء أبلغ من النهي عنه، فإن الأول يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل المؤدية إليه، وعن الشبهات التي هي مظنة التأويل، فيبتعد عنها المتقي ويستسيغها الطامع فيه إذ يراها بالتأويل من الوجوه الحلال التي لا تضر به أو يرجح نفعها على ضررها، كأن يأكل شيئا من ماله حين يعمل عملا له فيه ربح ولولاه ما ربح.
حتى يبلغ أشده والأشد مبلغ الرجل الحنكة والمعرفة، ولبلوغه طرفان : أدناهما الاحتلام الذي هو مبدأ سن الرشد والقوة التي يخرج بها عن كونه يتيما أو سفيها أو ضعيفا، ونهايته سن الأربعين، والمراد هنا الأول كما قال الشعبي ومالك وآخرون : ويكون ذلك عادة بين الخامسة عشر والثامنة عشر.
أي احفظوا مال اليتيم ولا تسمحوا له بتبذير شيء من ماله وإضاعته أو الإسراف فيه حتى يبلغ، فإذا بلغ فسلموه إليه، وهذا نظير قوله : فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم [ النساء : ٦ ].
والخلاصة : إن المراد النهي عن كل تعد على مال اليتيم وهضم لحقوقه من الأوصياء وغيرهم حتى يبلغ سن القوة بدنا وعقلا، إذ قد دلت التجارب على أن الحديث العهد بالاحتلام يكون ضعيفا الرأي قليل الخبرة بشؤون المعاش يخدع كثيرا في المعاملات.
وقد كان الناس في الجاهلية لا يحترمون إلا القوة، ولا يعرفون الحق إلا للأقوياء، ومن ثم بالغ الشارع في الوصية بالضعيفين : المرأة واليتيم.
والقوة التي يحفظ بها المرء ماله في هذا العصر هي اتزان الفكر، والرشد العقلي والأخلاقي بكثرة المران والتجارب في المعاملات، لكثرة الفسق والحيل ووجود أعوان السوء الذين يوسوسون إلى الوارثين ويزينون لهم الإسراف في اللذات والشهوات على جميع ضروبها حتى لا يتركوهم إلا وهم فقراء، وقلما يستيقظون من غفلتهم إلا إذا بلغوا سن الكهولة التي يكمل فيها العقل ويفقهون تكاليف الحياة ويهتمون فيها بأمر النسل.
وقد شرط الشارع الحكيم لإيتاء اليتامى أموالهم بلوغ سن الحلم وظهور الرشد في المعاملات المالية بالاختبار كما سلف في سورة النساء من قوله : وابتلوا اليتامى [ النساء : ٦ ] الآية.
( ٧ ) وأوفوا الكيل والميزان بالقسط أي وأتموا الكيل إذا كلتم للناس أو اكتلتم عليهم لأنفسكم، وأوفوا الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون أو لغيركم فيما تبيعون، فليكن كل ذلك وافيا تاما بالعدل، ولا تكونوا من أولئك المطففين الذين وصفهم الله بقوله : الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون٢ وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون [ المطففين : ٢ ٣ ].
والخلاصة : أن الإيفاء يكون من الجانبين : حين البيع، وحين الشراء، فيرضى المرء لغيره ما يرضاه لنفسه. وقوله : بالقسط يدل على تحري العدل في الكيل والميزان حال البيع والشراء بقدر المستطاع.
لا تكلف نفسا إلا وسعها أي إن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا ما يسعها فعله، بأن تأتيه بلا عسر ولا حرج، فهو لا يكلف من يبيع أو يشتري الأقوات ونحوها أن يزنها أو يكيلها بحيث لا تزيد حبة ولا مثقالا، بل يكلفه أن يضبط الوزن والكيل له أو عليه سواء بحيث يعتقد أنه لم يظلم بزيادة ولا نقص يعتد بهما عرفا.
والقاعدة الشرعية : أن التكليف إنما يكون بما في وسع المكلف بلا حرج ولا مشقة عليه، ولو اتبع المسلمون هذه الوصية وعملوا بها لاستقامت أمور معاملاتهم وعظمت الثقة والأمانة بينهم، ولكن وا أسفاه فسدت أمورهم وقلت ثقتهم بأنفسهم، ووثقوا بغيرهم لإتباعهم هذه الوصية وأمثالها.
وقد قص علينا الكتاب الكريم قصص من طففوا الكيل والميزان فأخذهم ربهم أخذ عزيز مقتدر بما كان من ظلمهم، كقوم شعيب وقد حكى الله عنهم ما قال لهم نبيهم شعيب : و يا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعتوا في الأرض مفسدين [ هود : ٨٥ ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان :( إنكم وليتم أمرا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم ).
( ٨ ) وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى أي وعليكم أن تعدلوا في القول إذا قلتم قولا في شهادة أو حكم على أحد، ولو كان المقول له أو عليه ذا قرابة منكم، إذ بالعدل تصلح شؤون الأمم والأفراد، فهو ركن ركين في العمران، وأساس في الأمور الاجتماعية، فلا يحل لمؤمن أن يحابي فيه أحدا لقرابة ولا غيرها، فالعدل كما يكون في الأفعال كالوزن والكيل يكون في الأقوال.
ونحو الآية قوله : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط [ النساء : ١٣٥ ] وقوله : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط [ المائدة : ٨ ].
( ٩ ) وبعهد الله أوفوا أي وأوفوا بعهد الله، وهذا شامل لما يأتي :
( أ ) ما عهده الله تعالى إلى الناس على ألسنة الرسل.
( ب ) ما آتاهم من العقل والوجدان والفطر السليمة كما قال : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان [ يس : ٦٠ ] وقال : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل [ طه : ١١٥ ].
( ج ) ما عاهده الناس عليه كما قال : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم [ النحل : ٩١ ] وقال : أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم [ البقرة : ١٠٠ ].
( د ) ما عاهد الناس عليه بعضهم بعضا كما قال في وصف المؤمنين : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا [ البقرة : ١٧٧ ].
فمن آمن برسل من رسله فقد عاهد الله حين الإيمان به أن يمتثل أمره ونهيه، وما شرعه للناس ووصاهم به فهو مما عهده إليهم، وما التزمه الإنسان من عمل البر بنذر أو يمين فهو عهد عاهد عليه ربه كما قال تعالى ناعيا على المنافقين سوء فعلهم : ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين٧٥ فلما آتاهم من فضله بخلوا به [ التوبة : ٧٥ ٧٦ ] الآية، وكذلك من عاهد السلطان وبايعه على الطاعة في المعروف، أو عاهد غيره على القيام بعمل مشروع، وجب عليه الوفاء إذا لم يكن من قبيل المعصية.
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منها كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد خاصم فجر ).
ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون التذكر يطلق حينا على تكلف ذكر الشيء في القلب أو التدرج فيه بفعله المرة إثر الأخرى، وحينا على الاتعاظ والتدبر كما قال تعالى : وما يتذكر إلا من ينيب [ غافر : ١٣ ] وقال : سيذكر من يخشى [ الأعلى : ١٠ ].
والخلاصة : إن ذلك الذي تلوته عليكم من الأوامر والنواهي وصاكم الله به رجاء أن يذكره بعضكم لبعض في التعليم والتواصي الذي أمر الله به في مثل قوله : وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [ العصر : ٣ ] لما فيه من مصالح ومنافع كتدارك النسيان والغفلة من كثرة الشواغل الدنيوية، أو رجاء أن يتعظ به من سمعه أو قرأه.
تفسير المراغي
المراغي