قلت : لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ، من قرأ بالرفع والتأنيث : ففتنة اسمها، و إلاَّ أن قالوا : خبرها، ومن قرأ بالنصب : فخبرٌ مقدم، والتأنيث لأجل الخبر، ومن قرأ بالتذكير والنصب، فخبر مقدم، و إلاَّ أن قالوا : اسمها.
كما قال تعالى : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين أي : لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به، إلا التبرؤ منه، بعد الانتصار له والتعصب عليه، أو : لم يكن جواب اختبارهم إلا التبرؤ من الشرك، فيكذبون ويحلفون عليه، مع علمهم بأنه لا ينفع من فَرط الحيرة والدهشة.
فإن قلت : كيف يجحدون مع قوله : وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا [ النِّساء : ٤٢ ] فالجواب : أن ذلك يختلف باختلاف الطوائف والمواطن، فيكتم قومٌ ويُقر آخرون، ويكتمون في موطن ويُقرون في موطن آخر ؛ لأن يوم القيامة طويل، وقال ابن عباس لَمَّا سئل عن هذا :( إنهم جحدوا، طَمَعًا في النجاة، فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم، فلا يكتمون حديثًا ).
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي