ويقول الحق بعد ذلك :
ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ( ٢٣ ) .
ونعرف أن الفتنة هي الاختبار. وللفتنة وسائل متعددة ؛ فأنت تختبر الشيء لتعرف الرديء من الجيد، والحقيقي من المزيف، ونحن نختبر الذهب ونفتنه على النار وكذلك الفضة. وهكذا نرى أن الفتنة في ذاتها غير مذمومة، لكن المذموم والممدوح هو النتيجة التي نحصل عليها من الفتنة ؛ فالامتحانات التي نضعها لأبنائنا هي فتنة، ومن ينجح في هذا الامتحان يفرح ومن يرسب يحزن. إذن فالنتيجة هي التي يفرح بها الإنسان أو التي يحزن من أجلها الإنسان، وبذلك تكون الفتنة أمرا مطلوبا فيمن له اختيار. وأحيانا تطلق الفتنة على الشيء الذي يستولي على الإنسان بباطل.
إن الحق يحشر المشركين مع آلهتهم التي أشركوا بها ويسألهم عن هذه الآلهة فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين . وهم في ظاهر الأمر يدافعون عن أنفسهم، وفي باطن الأمر يعرفون الحقيقة الكاملة وهي أن الملك كله لله، ففي اليوم الآخر لا شركاء لله ؛ ذلك أنه لا اختيار للإنسان في اليوم الآخر. ولكن عندما كان للإنسان اختيار في الدنيا فقد كان أمامه أن يؤمن أو يكفر. وإيمان الدنيا الناتج عن الاختيار هو الذي يقام عليه حساب اليوم الآخر، أما الإيمان الاضطرار في اليوم الآخر فلا جزاء عليه إلا جهنم لمن كفر أو شرك بالله في الدنيا. ولو أراد الله لنا جميعا إيمان الاضطرار في الدنيا لأرغمنا على طاعته مثلما فعل مع الملائكة ومع سائر خلقه.
لقد قهر الحق سبحانه كل أجناس الوجود ما عدا الإنسان، وكان القهر للأجناس لإثبات القدرة، ولكن التكريم للإنسان جاء بالاختيار ليذهب إلى الله بالمحبة.
والمشركون بالله يفاجئهم الحق يوم القيامة بأنه لا إله إلا هو، ويحاولون الكذب لمحاولة الإفلات من العقوبة فيقولون : ما كنا مشركين . وهم قد كذبوا بالله في الحياة فعلا ويريدون الكذب على الله في اليوم الآخر قولا، ولكن الله عليم بخفايا الصدور وما كان من السلوك في الحياة الدنيا، ويوضح لهم في الآخرة أعمالهم ويعاقبهم العقاب الأليم.
وحين يسألهم الحق : أين شركاؤكم ؟ ففي هذا القول استفهام من الله، والاستفهام من العليم لا يقصد منه العلم، وإنما يقصد به الإقرار من المسئول. وفي حياتنا اليومية يمكننا أن نرى السؤال من التلميذ لأستاذه ؛ ليعلم التلميذ ما يجهل. ونرى السؤال يرد مرة بعد أخرى من الأستاذ لتلميذه لا ليعلم ما لم يعلم، ولكن ليقرر التلميذ بما يعلمه وما تعلمه من أستاذه. فإذا سأل الحق خلقه سؤالا، أيسألهم سبحانه ليعلم ؟ حاشى لله أن يكون الأمر كذلك. وإنما يسأل الحق عباده ليكون سؤال إقرار. والإقرار هنا فيه تبكيت أيضا ؛ لأنه سؤال لا جواب له، فمعاذ الله أن يوجد له شركاء. وعندما يقول الحق لهم : أين شركاؤكم ؟ فمعنى ذلك هو الاستبعاد أن يوجد له سبحانه شركاء. وبذلك يوبخهم ويبكتهم الحق على أنهم أشركوا بالله مالا وجود له.
لقد أشركوا بالله في الدنيا لمجرد التخلص من موجبات الإيمان. وها هم أولاء في المشهد العظيم يعرفون قد كذبهم في الدنيا، فلا ملك لأحد إلا الله، ولا معبود سواه، فينطقون بما يشهدون : والله ربنا ما كنا مشركين .
ولقائل أن يقول : ولكن هناك في موضع آخر من القرآن نجد أن الله يقول في الحق مثل هؤلاء :
ويل يومئذ للمكذبين ( ٣٤ ) هذا يوم لا ينطقون ( ٣٥ ) ولا يؤذن لهم فيعتذرون ( ٣٦ ) ( سورة المرسلات ).
إنهم في يوم الهول الأكبر يعرفون أنهم كذبوا في الدنيا، وهم لا ينطقون بأي قول ينفعهم، ولا يأذن لهم الحق بأن يقدموا أعذارا أو اعتذارا. ونقول لمن يظن أن المكذبين لا ينطقون : إنهم بالفعل لا ينطقون قولا يغيثهم من العذاب الذي ينتظرهم، وهم يقعون في الدهشة البالغة والحيرة، بل إن بعضا من هؤلاء المكذبين بالله واليوم الآخر يكون قد صنع شيئا استفادت به البشرية أو تطورت به حياة الناس، فيظن أن ذلك العمل سوف ينجيه، إن هؤلاء قد يأخذون بالفعل حظهم وثوابهم من الناس الذين عملوا من أجلهم ومن تكريم البشرية لهم، ولكنهم يتلقون العذاب في اليوم الآخر لأنهم أشركوا بالله. ولم يكن الحق في بالهم لحظة أن قدموا ما قدموا من اختراعات، ولذلك يقول الحق :
والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ( ٣٩ ) ( سورة النور ).
وهكذا نعلم أن أعمال الكافرين أو المشركين يجازيهم الحق سبحانه عليها بعدله في الدنيا بالمال أو الشهرة، ولكنها أعمال لا تفيد في الآخرة. وأعمالهم كمثل البريق اللامع الذي يحدث نتيجة سقوط أشعة الشمس على أرض فسيحة من الصحراء، فيظنه العطشان ماء، وما إن يقترب منه حتى يجده غير نافع له، كذلك أعمال الكافرين أو المشركين يجدونها لا تساوي شيئا يوم القيامة. والمشرك من هؤلاء يعرف حقيقة شركه يوم القيامة. ولا يجد إلا الواحد الأحد القهار أمامه، لذلك يقول كل واحد منهم : والله ربنا ما كنا مشركين . إن المشرك من هؤلاء ينكر شركه. وهذا الإنكار لون من الكذب.
إن المشركين يكذبون، ويقول سبحانه عنهم :
يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ( ١٨ ) ( سورة المجادلة ).
وحين يبعثهم الحق يوم القيامة يقسمون له أنهم كانوا مؤمنين كما كانوا يقسمون في الدنيا، لكن الله يصفهم بالكذب، لقد كان بإمكانهم أن يدلسوا على البشر بالحلف الكاذب في الدنيا، ولكن ماذا عن الله الذي لا يمكن أن يدلس عليه أحد.
وهكذا نرى أن فتنة هؤلاء هي فتنة كبرى :
ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ( ٢٣ ) ( سورة الأنعام )
تفسير الشعراوي
الشعراوي