المعنى الجملي : بين سبحانه في الآية السابقة : أن شهادة الله على صحة نبوة رسوله كافية في تحققها، وذكر هنا كذبهم في ادعائهم أنهم لا يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم فهم يعرفون نبوته ورسالته كما يعرفون أبناءهم.
روي أن الكفار سألوا اليهود والنصارى عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم فأنكروا أن في التوراة والإنجيل شيئا يدل على نبوته، وروي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام : أنزل الله على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة ؟ قال : يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني، ولأنا أشد معرفة بمحمد مني بابني، لأني لا أدري ما صنع النساء، وأشهد أنه حق من الله.
ثم أخبر بأنهم يوم القيامة ينكرون ذلك الشرك فقال : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين .
الإيضاح : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين الفتنة : هنا الشرك أي ثم لم تكن عاقبة هذا الشرك إلا أن أقسموا بالله يوم القيامة ما كانوا مشركين.
وظاهر الآيات : يدل على أنهم كانوا ينكرون في بعض مواقف الحشر شركهم بالله توهما منهم أن ذلك ينفعهم كما جاء في هذه الآية، ويعترفون به في بعض آخر كما جاء في قوله : هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك [ النحل : ٨٦ ] وفي قوله : ولا يكتمون الله حديثا [ النساء : ٤٢ ].
وروي عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية وعن قوله : ولا يكتمون الله حديثا فقال : أما قوله : والله ربنا ما كنا مشركين فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا تعالوا لنجحد قالوا والله ربنا ما كنا مشركين فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثا .
وقال الزجاج : تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به، ومثاله : أن ترى إنسانا يحب شخصا مذموم الطريقة، فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه، فيقال له ما كانت محبتك عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته اه.
وعلى هذا : فالفتنة هي شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس، ويكون في الكلام تقدير مضاف هو كلمة " عاقبة " كما قدمنا ذلك.
تفسير المراغي
المراغي