ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ٥٤ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ٥٥
هاتان الآيتان متممتان للسياق فيما قبلهما بالجمع بين الإرشاد السلبي والإيجابي للرسول صلى الله عليه وسلم في سياسته للمؤمنين فبعد أن نهاه ربه عن طرد المستضعفين منهم من حضرته استمالة لكبراء المتكبرين من قومه وطمعا في إقبالهم عليه وسماعهم لدعوته وإيمانهم به كما اقترح عليه بعضهم – أمره بأن يلقاهم كسائر المؤمنين بالتحية والسلام والتبشير برحمة الله ومغفرته على الوجه المبين في الآية الأولى من هاتين الآيتين. وقد تقدم في سبب نزول ولا تطرد الذين يدعون ربهم من رواية عكرمة أن عمر بن الخطاب كان استحسن إجابة أشراف الكفار إلى اقتراحهم وأنه لما نزلت الآيات في ذلك أقبل فاعتذر فنزلت هذه الآية في قبول اعتذاره، وتقدم أن الرواية ضعيفة وأن هذه الزيادة فيهم غير مقبولة وأن روايات نزول الأنعام دفعة واحدة أقوى منها وهي معارضة لها.
والآن رأيت في التفسير الكبير للرازي استشكال هذا باتفاق الناس على نزول هذه السورة دفعة واحدة، وقد تقدم التحقيق في مسألة نزول السورة دفعة واحدة وفي زيادة رواية عكرمة. ويعارضه أيضا ما أخرجه جل رواة التفسير المأثور عن ماهان قال أتى قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا أصبنا ذنوبا عظاما، فما رد عليهم شيئا فانصرفوا فأنزل الله وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا الآية فدعاهم فقرأها عليهم، ولكن الرواية من مراسيل ماهان لا يحتج بها وليست صريحة كرواية عكرمة في معارضة نزول السورة دفعة واحدة إذ يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تلاها على من سألوه عن ذنوبهم عند نزولها في ضمن السورة ومثل هذا التعبير كثير في كلام رواة التفسير. والظاهر أن الآية نزلت في معاملة جميع المؤمنين لا في عمر وحده كما في رواية عكرمة ولا فيمن سألوه عن ذنوبهم كما في رواية ماهان- وإن فرضنا صحة الروايتين – ولا فيمن نهي عن طردهم خاصة كما يقول بعض المفسرين، بل في جماعة المؤمنين الذين كان أكثرهم من الفقراء المستضعفين الذين اقترح عليه صلى الله عليه وسلم طردهم فيدخلون فيها بمعونة السياق دخولا أوليا. وهذا ما تفهمه عبارتها وما سواه فمتكلف لتطبيقه على الروايات.
وبعد كتابة ما تقدم والتوجه إلى بيان معنى الآية ومراجعة المصحف الشريف فيها وفيما قبلها كان أول ما تبادر إلى ذهني أن المراد بالذين يؤمنون بالآيات هنا هم الذين كانوا يدخلون في الإسلام آنا بعد آن، عن بينة وبرهان، لا من آمنوا وأسلموا من قبل ممن نهي عن طردهم وغيرهم، ذلك بأن الفعل المضارع « يؤمنون» يفيد وقوع الإيمان في الحال أو الاستقبال، ولا يعبر به عمن آمنوا في الماضي إلا بضرب من التجوز في الاستعمال، - كما يعبر بالماضي عن المستقبل أحيانا لنكتة تقتضي ذلك – كإرادة تصوير ما مضى كأنه واقع الآن، أو إفادة ما يتلو ذلك الماضي من التجدد والاستمرار، ولا يظهر شيء من ذلك في هذه الآية ظهورا بينا يرجح صرف الفعل عن أصل معناه، ولكن قد يراد به التعبير عن الشأن فإنه يكثر في الفعل المضارع إذا كان صلة للموصولين(١)، ويرجع الأصل هنا تطبيق السياق على حال الناس في زمن نزول السورة والجملة الشرطية التي افتتحت بها الآية، وإننا نبين ذلك بما يظهر به التناسب بين الآيات أتم الظهور :
كان جمهور الناس كافرين إما كفر جحود وعناد، وإما كفر جهل وتقليد للآباء والأجداد، وكان يدخل في الإسلام الأفراد بعد الأفراد، وكان أكثر السابقين من المستضعفين والفقراء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكون تارة مع هؤلاء المؤمنين يعلمهم ويرشدهم، وتارة يتوجه إلى أولئك الكافرين يدعون وينذرهم، وكان المعاندون من كبرائهم يقترحون عليه الآيات الكونية للتعجيز، وتارة يحقرون شأنه بوجوده في عامة أوقاته مع أولئك الفقراء والمساكين، وقد اقترحوا عليه طردهم من حضرته، ولعلهم كانوا يريدون بذلك أن ينفضوا من حوله، وأن يكون منفرا لغيرهم عن الإيمان به، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان أولئك الكبراء لما تقدم بيانه، فأرشده ربه جلت حكمته في هذا السياق القولي الأخير من هذه السورة إلى أن يبين لمقترحي الآيات الكونية من الكفار أن حقيقة الرسالة لا تقتضي أن تكون قدرة الرسول وعلمه كقدرة الله تعالى وعلمه ولا يكون ملكا من الملائكة حتى يقدر على ما لا يقدر عليه البشر من الآيات، وبأن ينذر الذين يخشون ربهم من المؤمنين إنذارا خاصا بهم لأنهم هم الذين يرجى أن ينتفعوا بكل إنذار، وأن لا يطرد من حضرته منهم أولئك الذين يدعون ربهم بالعشي والأبكار، بباعث النية الصحيحة والإخلاص، ويستلزم ذلك أن يستمر على معاملتهم الأولى التي أمره الله تعالى بها في قوله : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [ الكهف : ٢٨ ].
فبعد هذا الإرشاد في شأن الكفار المعاندين والمؤمنين السابقين حسن أن يرشد الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى شيء في شأن الفريق الثالث من الناس وهم الذين يجيئون الرسول آنا بعد آن مؤمنين بآيات الله المثبتة للتوحيد والرسالة فيدخلون في الإسلام مذعنين لأمر الله ورسوله – وهم الذين أراد رؤساء المشركين تنفيرهم وحاولوا صدهم – فأمره أن يبين لهم قبل كل شيء أنهم صاروا في سلام وأمان من الله تعالى لأن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة فهو لا يؤاخذهم بما كان قبل الإسلام، ومن عمل بعده سوءا بجهالة فما عليه إلا أن يمحو أثره بالتوبة والإصلاح.
قال.
وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم السلام والسلامة مصدران من الثلاثي يقال سلم فلان من المرض أو من البلاء سلاما وسلامة، ومعناهما البراءة والعافية، والسلام والمسالمة مصدران من الرباعي أيضا يقال سالمه أي بارأه وتاركه ومنه ترك الحرب. والسلام من أسماء الله تعالى يدل على تنزيهه عن كل ما لا يليق به من نقص وعجز وفناء وغير ذلك من عيوب الخلق وضعفهم. واستعمل السلام في المتاركة وفي التحية معرفة ونكرة، يقال سلام عليكم والسلام عليكم، وهو بمعنى الدعاء بالسلامة من كل ما يسوء. ويفيد تأمين المسلم عليه من كل أذى يناله من المسلم، فهو آية المودة والصفاء، وثبت في التنزيل أن السلام تحية أهل الجنة يحييهم بها ربهم جل وعلا وملائكته الكرام ويحيي بها بعضهم بعضا، وهو تحية الإسلام الذي هو دين السلم والمسالمة يا أيها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة [ البقرة : ٢٠٨ ].
واختلفوا في هذا السلام هنا : أهو تحية أمر الله تعالى رسوله أن يبدأ بها الذين يؤمنون بآياته إذا جاؤوه إكراما خاصا بهم مخالفا للأصل العام، وهو كون القادم هو الذي يلقي السلام، أم هو تحية منه تعالى أمر رسوله أن يبلغهم إياهم عنه، أم هو إخبار عنه تعالى بسلامتهم وأمنهم من عقابه، قفى عليه ببشارتهم بمغفرته ورحمته ؟ روي الأول عن عكرمة فهو خاص بمن قال إن الآية نزلت فيهم. والثاني عن الحسن والثالث عن ابن عباس وهو أظهرها، والمراد بالآيات آيات القرآن، المشتملة على حجج الله وآياته في الأنفس والآفاق، وهذه الآية معطوفة على آية النهي ولا تطرد الذين يدعون ربهم الخ والآية التي بينهما معترضة بين فيها ابتلاء كبراء المشركين بضعفاء المؤمنين ورغبتهم في طردهم.
وقوله تعالى : كتب ربكم على نفسه الرحمة تقدم مثله في الآية الثانية عشرة من هذه السورة، وكتابتها إيجابها على ذاته العلية وله أن يوجب على نفسه ما شاء، ولا يوجب عليه أحد شيئا. فالرحمة من شؤون الربوبية الواجبة لها لا عليها، وإن في نظام الفطرة البشرية، وما سخر الله للبشر من أسباب المعيشة المادية، وما آتاهم من وسائل العلوم الكسبية، ومن هداية الوحي الوهبية، لآيات بينات على سعة الرحمة الربانية، وتربية عباده بها في حياتهم الجسدية والروحية. بل هي التي وسعت كل شيء، ولكن كتابتها أمر آخر خص به بعض الخلق، كما يأتي في سورة الأعراف، وقد بين لنا سبحانه أصلا من أصول الدين، في هذه الرحمة المكتوبة للمؤمنين، فقال : أنه من عمل منكم سوءا بجهالة الخ – قرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب « أنه » بفتح الهمزة وقرأه الباقون « إنه » بكسرها، فأما قراءة الفتح فعلى البدل من الرحمة أي بدل البعض من الكل إذ ذكر من أنواع الرحمة المكتوبة ما هم أحوج إلى معرفته بنص الوحي وهو حكم من يعمل السوء من المؤمنين وكيف يعامله الله تعالى، وأما سائر أنواعها، وما هو إحسان غير مكتوب منها، فيمكن أن يستدل عليهما بالنظر في الأنفس والآفاق وهو ما أشرنا إليه في تفسير كتابتها. وأما قراءة الكسر فعلى الاستئناف النحوي أو البياني، كأنه قيل ما هذه الرحمة ؟ أو ما حظنا منها في أعمالنا ؟ وهل من مقتضاها أن لا نؤاخذ بذنب، وأن يغفر لنا كل سوء بلا شرط ولا قيد ؟ فجاء الجواب : أنه – أي الحال والشأن – من عمل منكم عملا تسوء عاقبته وتأثيره لضرره الذي حرمه الله لأجله حال كونه متلبسا بجهالة دفعته إلى ذلك السوء كغضب شديد حمله على السب أو الضرب، أو شهوة مغتلمة قادته إلى انتهاك عرض، ... – فالجهالة هنا هي السفه والخفة، التي تقابلها الروية والحكمة والعفة، وقيل إنها الجهل الذي يقابله الظلم لأن كل من يعمل السوء لا بد أن يكون جاهلا فإما أن يجهل ما فيه من القبح والضرر، وإما أن يجهل سوء عاقبته وقبح تأثيره في نفسه، وما يترتب على ذلك من سخط ربه وعقابه، ذهابا مع الأماني واغترارا بتأول النصوص، ومن هنا قال الحسن البصري كل من عمل معصية فهو جاهل.
وحاصل المعنى على القراءة الأولى كتب ربكم على نفسه الرحمة الخاصة التي هي المغفرة والرحمة لمن تاب من بعد عمل السوء بجهالة وأصلح عمله، وعلى الثانية إن سألتم عن حظكم من هذه الرحمة فالجواب أنه من عمل منكم سوءا بجهالة.
ثم تاب من بعده وأصلح أي ثم رجع عن ذلك السوء بعد أن عمله شاعرا بقبحه، نادما عليه خائفا من عاقبته، وأصلح عمله بأن أتبع ذلك العمل السيئ التأثير في النفس عملا يضاده ويذهب بأثره من قلبه، حتى يعود إلى النفس زكاؤها وطهارتها وتصير كما كانت أهلا لنظر الرب وقربه فأنه غفور رحيم ( ٥٤ ) أي فشأنه سبحانه في معاملته أنه واسع المغفرة والرحمة فيغفر له ما تاب عنه ويتغمده برحمته وإحسانه.
وهذه قاعدة من قواعد الدين وأس من أساسه أمر الله تعالى رسوله أن يبلغها لمن يدخلون فيه ليهتدوا بها، حتى لا يغتروا بمغفرة الله ورحمته فيحملهم الغرور على التفريط في جنب الله والغفلة عن تزكية أنفسهم والمبادرة إلى تطهيرها من إفساد الذنوب لها، إلى أن تحيط بها خطيئتها، وقد بينا هذه القاعدة مرارا في تفسير الآيات المقررة لها، تارة بالإيجاز وتارة بالإطناب وتارة بالتوسط بينهما. وكان أوسع ما كتبناه فيها تفسير قوله تعالى : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب – إلى قوله – أليما [ النساء : ١٦ ] فيراجع في الجزء الرابع من تفسير وندع أصحاب المذاهب الكلامية والفقهية من المفسرين يتجادلون في كون الآية مؤيدة لمذهب المعتزلة أو غير مؤيدة له فإن هذه المجادلات تصرف المشتغلين بها عن الموعظة والحكمة التي أنزلها الله تعالى لبيانهما.
وقد فتح همزة « فأنه » في الآية من فتح همزة « أنه » من القراء سوى نافع فإنه قرأها بالكسر كباقي القراء. وأجاز الزجاج كسر الأولى وفتح الثانية وهي قراءة الأعرج والزهري وأبي عمرو الداني.


وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ٥٤ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ٥٥
هاتان الآيتان متممتان للسياق فيما قبلهما بالجمع بين الإرشاد السلبي والإيجابي للرسول صلى الله عليه وسلم في سياسته للمؤمنين فبعد أن نهاه ربه عن طرد المستضعفين منهم من حضرته استمالة لكبراء المتكبرين من قومه وطمعا في إقبالهم عليه وسماعهم لدعوته وإيمانهم به كما اقترح عليه بعضهم – أمره بأن يلقاهم كسائر المؤمنين بالتحية والسلام والتبشير برحمة الله ومغفرته على الوجه المبين في الآية الأولى من هاتين الآيتين. وقد تقدم في سبب نزول ولا تطرد الذين يدعون ربهم من رواية عكرمة أن عمر بن الخطاب كان استحسن إجابة أشراف الكفار إلى اقتراحهم وأنه لما نزلت الآيات في ذلك أقبل فاعتذر فنزلت هذه الآية في قبول اعتذاره، وتقدم أن الرواية ضعيفة وأن هذه الزيادة فيهم غير مقبولة وأن روايات نزول الأنعام دفعة واحدة أقوى منها وهي معارضة لها.
والآن رأيت في التفسير الكبير للرازي استشكال هذا باتفاق الناس على نزول هذه السورة دفعة واحدة، وقد تقدم التحقيق في مسألة نزول السورة دفعة واحدة وفي زيادة رواية عكرمة. ويعارضه أيضا ما أخرجه جل رواة التفسير المأثور عن ماهان قال أتى قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا أصبنا ذنوبا عظاما، فما رد عليهم شيئا فانصرفوا فأنزل الله وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا الآية فدعاهم فقرأها عليهم، ولكن الرواية من مراسيل ماهان لا يحتج بها وليست صريحة كرواية عكرمة في معارضة نزول السورة دفعة واحدة إذ يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تلاها على من سألوه عن ذنوبهم عند نزولها في ضمن السورة ومثل هذا التعبير كثير في كلام رواة التفسير. والظاهر أن الآية نزلت في معاملة جميع المؤمنين لا في عمر وحده كما في رواية عكرمة ولا فيمن سألوه عن ذنوبهم كما في رواية ماهان- وإن فرضنا صحة الروايتين – ولا فيمن نهي عن طردهم خاصة كما يقول بعض المفسرين، بل في جماعة المؤمنين الذين كان أكثرهم من الفقراء المستضعفين الذين اقترح عليه صلى الله عليه وسلم طردهم فيدخلون فيها بمعونة السياق دخولا أوليا. وهذا ما تفهمه عبارتها وما سواه فمتكلف لتطبيقه على الروايات.
وبعد كتابة ما تقدم والتوجه إلى بيان معنى الآية ومراجعة المصحف الشريف فيها وفيما قبلها كان أول ما تبادر إلى ذهني أن المراد بالذين يؤمنون بالآيات هنا هم الذين كانوا يدخلون في الإسلام آنا بعد آن، عن بينة وبرهان، لا من آمنوا وأسلموا من قبل ممن نهي عن طردهم وغيرهم، ذلك بأن الفعل المضارع « يؤمنون» يفيد وقوع الإيمان في الحال أو الاستقبال، ولا يعبر به عمن آمنوا في الماضي إلا بضرب من التجوز في الاستعمال، - كما يعبر بالماضي عن المستقبل أحيانا لنكتة تقتضي ذلك – كإرادة تصوير ما مضى كأنه واقع الآن، أو إفادة ما يتلو ذلك الماضي من التجدد والاستمرار، ولا يظهر شيء من ذلك في هذه الآية ظهورا بينا يرجح صرف الفعل عن أصل معناه، ولكن قد يراد به التعبير عن الشأن فإنه يكثر في الفعل المضارع إذا كان صلة للموصولين(١)، ويرجع الأصل هنا تطبيق السياق على حال الناس في زمن نزول السورة والجملة الشرطية التي افتتحت بها الآية، وإننا نبين ذلك بما يظهر به التناسب بين الآيات أتم الظهور :
كان جمهور الناس كافرين إما كفر جحود وعناد، وإما كفر جهل وتقليد للآباء والأجداد، وكان يدخل في الإسلام الأفراد بعد الأفراد، وكان أكثر السابقين من المستضعفين والفقراء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكون تارة مع هؤلاء المؤمنين يعلمهم ويرشدهم، وتارة يتوجه إلى أولئك الكافرين يدعون وينذرهم، وكان المعاندون من كبرائهم يقترحون عليه الآيات الكونية للتعجيز، وتارة يحقرون شأنه بوجوده في عامة أوقاته مع أولئك الفقراء والمساكين، وقد اقترحوا عليه طردهم من حضرته، ولعلهم كانوا يريدون بذلك أن ينفضوا من حوله، وأن يكون منفرا لغيرهم عن الإيمان به، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان أولئك الكبراء لما تقدم بيانه، فأرشده ربه جلت حكمته في هذا السياق القولي الأخير من هذه السورة إلى أن يبين لمقترحي الآيات الكونية من الكفار أن حقيقة الرسالة لا تقتضي أن تكون قدرة الرسول وعلمه كقدرة الله تعالى وعلمه ولا يكون ملكا من الملائكة حتى يقدر على ما لا يقدر عليه البشر من الآيات، وبأن ينذر الذين يخشون ربهم من المؤمنين إنذارا خاصا بهم لأنهم هم الذين يرجى أن ينتفعوا بكل إنذار، وأن لا يطرد من حضرته منهم أولئك الذين يدعون ربهم بالعشي والأبكار، بباعث النية الصحيحة والإخلاص، ويستلزم ذلك أن يستمر على معاملتهم الأولى التي أمره الله تعالى بها في قوله : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [ الكهف : ٢٨ ].
فبعد هذا الإرشاد في شأن الكفار المعاندين والمؤمنين السابقين حسن أن يرشد الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى شيء في شأن الفريق الثالث من الناس وهم الذين يجيئون الرسول آنا بعد آن مؤمنين بآيات الله المثبتة للتوحيد والرسالة فيدخلون في الإسلام مذعنين لأمر الله ورسوله – وهم الذين أراد رؤساء المشركين تنفيرهم وحاولوا صدهم – فأمره أن يبين لهم قبل كل شيء أنهم صاروا في سلام وأمان من الله تعالى لأن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة فهو لا يؤاخذهم بما كان قبل الإسلام، ومن عمل بعده سوءا بجهالة فما عليه إلا أن يمحو أثره بالتوبة والإصلاح.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير