ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ، وَاخْتَصَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي لُبَابِ النُّقُولِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا نُزُولُ السُّورَةِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَوْنُ هَذِهِ الْآيَاتِ لَيْسَتْ مِمَّا اسْتَثْنَاهُ بَعْضُهُمْ وَبَيَّنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي تَفْسِيرِهَا ; لِأَنَّ قَوْلَهُمْ إِنْ كَذَا نَزَلَ فِي كَذَا يُصَدَّقُ بِنُزُولِهِ وَحْدَهُ وَبِنُزُولِهِ فِي ضِمْنِ سُورَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ سِيَاقٍ مِنْ سُورَةٍ، لَكِنَّ ظَاهِرَ مَا زَادَهُ عِكْرِمَةُ مِنْ نُزُولِ (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا) فِي عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ بَعْدَ اعْتِذَارِهِ، وَأَنَّ اعْتِذَارَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ مَا قَبْلَهَا. وَيُعَارِضُ هَذَا الظَّاهِرَ مَا وَرَدَ فِي نُزُولِهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَوْنَ هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَتْ مِمَّا اسْتُثْنِيَ، وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَمَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ أَيْضًا وَسَيَأْتِي قَرِيبًا، وَحِينَئِذٍ يُقَالُ: إِمَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَإِمَّا أَنَّ ظَاهِرَ الْعِبَارَةِ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنَّمَا لَمْ نَرُدَّ الرِّوَايَةَ مِنْ أَصْلِهَا مَعَ أَنَّ فِي سَنَدِهَا مِنَ الْمَقَالِ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّ نُزُولَ الْآيَاتِ الْأُولَى فِي ضُعَفَاءِ الصَّحَابَةِ هُوَ الْوَاقِعُ الَّذِي لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ، وَالرِّوَايَاتُ فِيهِ مَبْنِيَّةٌ لِلْوَاقِعِ، يُؤَيِّدُ فِيهِ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَلَا يَضُرُّ فِي مَثَلِهِ ضَعْفُ الرَّاوِي بِبِدْعَةٍ أَوْ بِتَدْلِيسٍ أَوْ تَحْدِيثٍ بَعْدَ اخْتِلَاطٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِلَلِ الَّتِي فِي رِجَالِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
أَمَّا كَوْنُ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فَمَعْلُومٌ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَمِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ
الْمُبَيَّنَةِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، وَهُوَ أَنْ أَوَّلَ أَتْبَاعِ خَاتَمِ الرُّسُلِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَتْبَاعِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ إِخْوَانِهِ الرُّسُلِ - صَلَّى الله عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُهُمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ الْفُقَرَاءِ، وَأَنَّ أَعْدَاءَهُ كَأَعْدَائِهِمْ هُمُ الْمُتْرَفُونَ مِنَ الْأَكَابِرِ وَالرُّؤَسَاءِ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءَ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَنِ الْإِيمَانِ كَانُوا يَحْتَقِرُونَ السَّابِقَيْنِ إِلَى الْإِيمَانِ وَيَذُمُّونَهُمْ وَيَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مَعْذُورِينَ أَوْ مُحِقِّينَ بِعَدَمِ رِضَائِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِمُسَاوَاتِهِمْ، وَتَارَةً يَقْتَرِحُونَ عَلَى الرُّسُلِ طَرْدَهُمْ وَإِبْعَادَهُمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي " سُورَةِ سَبَأٍ ": (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (٣٤: ٣٤، ٣٥) وَقَالَ تَعَالَى فِي " سُورَةِ هُودٍ " حَاكِيًا قَوْلَ الْمَلَأِ، أَيِ الْأَشْرَافِ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) (١١: ٢٧) وَقَوْلُهُ لَهُمْ: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ) إِلَى قَوْلِهِ: (أَفَلَا تَذَكُّرُونَ) (١١: ٢٩، ٣٠) وَقَدْ حَكَى الله عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءِ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ: (لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) (٤٦: ١١) وَقَالَ فِي شَأْنِهِمْ مِنْ " سُورَةِ مَرْيَمَ ": (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا) (١٩: ٧٣، ٧٤).
وَمَعْنَى الْآيَةِ هُنَا: وَلَا تَطْرُدْ أَيُّهَا الرَّسُولُ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ

صفحة رقم 363

بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، أَيْ فِي النَّهَارِ وَآخِرِهِ أَوْ فِي عَامَّةِ الْأَوْقَاتِ ; لِأَنَّهُ يُكَنَّى بِطَرَفَيِ الشَّيْءِ عَنْ جُمْلَتِهِ، يُقَالُ: يَفْعَلُ كَذَا صَبَاحًا وَمَسَاءًا إِذَا كَانَ مُدَاوِمًا عَلَيْهِ، وَإِذَا أُرِيدَ بِالْغُدُوِّ وَالْعَشِيِّ حَقِيقَتَهُمَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالدُّعَاءِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ صَلَاتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا فِي الصَّبَاحِ وَالْأُخْرَى فِي الْمَسَاءِ، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْمُرَادَ صَلَاتَا الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ ; وَإِلَّا فَالدُّعَاءُ يَشْمَلُ الدُّعَاءَ الْحَقِيقِيَّ وَالصَّلَاةَ وَالْقُرْآنَ الْمُشْتَمِلَيْنِ عَلَيْهِ، وَالْغَدَاةُ وَالْغُدْوَةُ كَالْبُكْرَةِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْعَشِيِّ آخِرُ النَّهَارِ، وَقِيلَ: مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعِشَاءِ، وَقِيلَ: مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (بِالْغُدْوَةِ) بِضَمِّ الْغَيْنِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَيُسَاعِدُهُ رَسْمُ الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ فِيهِ بِالْوَاوِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَالْبَاقُونَ بِالْغَدَاةِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ، وَقَلْبِ الْوَاوِ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا حَسَبَ الْقَاعِدَةِ. وَاسْتُعْمِلَتْ " غُدْوَةٌ " بِالضَّمِّ - بِالتَّنْوِينِ وَبِغَيْرِ التَّنْوِينِ كَبُكْرَةٍ، وَمُعَرَّفَةٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ كَمَا
نَقَلَ سِيبَوَيْهِ عَنِ الْخَلِيلِ، فَإِذَا نُوِّنَتْ قُصِدَ بِهَا صَبَاحَ يَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِذَا لَمْ تُنَوَّنْ قُصِدَ بِهَا صَبَاحَ مُعَيَّنٍ، وَلَعَلَّ الْأَكْثَرَ فِي اسْتِعْمَالِهَا أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَقَدْ ظَنَّ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ هَذَا مُطَّرِدٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ قِرَاءَةَ ابْنِ عَامِرٍ رِوَايَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ يَثْبُتُ بِهَا تَعْرِيفُ الْغُدْوَةَ فِي أَصَحِّ الْكَلَامِ، بَلْ ظَنَّ أَنَّهَا خَطَأٌ جَاءَ مِنْ جِهَةِ الرَّسْمِ فَخَطَّأَ مَنْ قَرَأَ بِذَلِكَ، وَحَسْبُكَ فِي تَخْطِئَتِهِ هُوَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ مُتَوَاتِرَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلِ الْخَلِيلُ وَكَذَا الْمُبَرِّدُ تَعْرِيفَهَا عَنِ الْعَرَبِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مَنْعَ صَرْفِ (غُدْوَةَ وَبُكْرَةَ) لِلْعَلَمِيَّةِ الْجِنْسِيَّةِ، وَقِيلَ لِلْعَلَمِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ " يَدْعُونَ "، أَيْ: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ مُرِيدِينَ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَجْهَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مُبْتَغِينَ مَرْضَاتَهُ، أَيْ يَتَوَجَّهُونَ بِهِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، فَلَا يُشْرِكُونَ مَعَهُ أَحَدًا، وَلَا يَرْجُونَ مِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهِ ثَوَابًا، وَلَا يَتَوَقَّعُونَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ مَدْحًا وَلَا نَفْعًا، فَهَذَا التَّعْبِيرُ يَدُلُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْعَمَلِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ بِهِ وَحْدَهُ وَعَدَمِ الرِّيَاءِ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْمُطْعِمِينَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ٧٦: ٩) وَكَمَا قَالَ فِي الْأَتْقَى الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ لِيَتَزَكَّى بِهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى وَيَكُونَ مَقْبُولًا
مَرْضِيًّا لَدَيْهِ: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (٩٢: ١٩ - ٢١)

صفحة رقم 364

وَلَعَلَّ أَصْلَ ابْتِغَاءِ الْوَجْهِ بِالْعَمَلِ هُوَ أَنْ يَعْمَلَ لِيُوَاجِهَ بِهِ مَنْ عَمِلَ لِأَجْلِهِ، فَيَعْتَنِي بِإِتْقَانِهِ مَا لَا يَعْتَنِي بِإِتْقَانِ مَا يَعْمَلُ لِيُرْسَلَ إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلَاحِظَ الْعَامِلُ أَنَّ مَنْ يَعْمَلُ لَهُ يَرَاهُ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ هُوَ الَّذِي يَعْرِضُهُ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي تُعْمَلُ لِلْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ مِنْهَا مَا لَا يَرَوْنَهُ الْبَتَّةَ كَأَنْ يَكُونَ لِمَا لَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ الْخِدْمَةِ فِي قُصُورِهِمْ، وَمِنْهَا مَا يَرَوْنَهُ رُؤْيَةً إِجْمَالِيَّةً مَعَ كَثِيرٍ مِنْ أَمْثَالِهِ، وَمَا يَرَوْنَهُ مِنْهَا يَعْرِضُهُ عَلَيْهِمْ عُمَّالُهُمْ وَحُجَّابُهُمْ، وَمِنْهَا مَا قَدْ يَعْرِضُهُ الْعَامِلُ بِنَفْسِهِ وَيُقَابِلُ وَجْهَ الْمَلِكِ بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْعَمَلِ هُوَ الَّذِي يُعْتَنَى بِهِ أَكْمَلَ الِاعْتِنَاءَ، وَلَا يُفَكِّرُ الْعَامِلُ لَهُ فِي وَقْعِهِ عِنْدَ الْحُجَّابِ أَوِ الْوُزَرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ بِطَانَةِ الْمَلِكِ أَوْ حَاشِيَتِهِ ; لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِ وَيَلْقَاهُ بِهِ، فَيَكُونُ هَمُّهُ مَحْصُورًا فِي جَعْلِهِ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ، جَدِيرًا بِقَبُولِهِ وَحُسْنِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ.
وَلَا يَغُرَّنَّكَ مَا تَخَيَّلَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ مِنْ جَعْلِ ابْتِغَاءِ اللهِ تَعَالَى مُنَافِيًا لِابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ أَوِ ابْتِغَاءِ وَجْهِهِ، فَالْحَقُّ أَنْ لَا مُنَافَاةَ، وَأَنَّ الْكَمَالَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ لِأَجْلِ الذَّاتِ الَّتِي يُفَسِّرُونَ بِهَا الْوَجْهَ مَعَ عَدَمِ قَصْدِ الرِّضَاءِ وَلَا الثَّوَابِ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ الَّتِي لَا يَسْهُلُ إِثْبَاتُ إِمْكَانِهَا وَلَا مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَلَا يُنْكَرُ مَا يَعْرِضُ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنَ الْأَحْوَالِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي يَنْحَصِرُ تَخَيُّلُهُمْ فِيهَا، حَتَّى يَظُنُّوا أَنَّهَا حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَصَاحِبُ تِلْكَ الْحَالِ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الذَّاتِ، وَلَا يَعْقِلُ مَعْنَى كَوْنِ الْعَمَلِ لَهَا، نَعَمْ إِنَّ مِنَ الْوَاقِعِ الَّذِي لَا يُنْكَرُ أَنْ يَقْصِدَ الْعَامِلُ بِعَمَلِهِ النَّجَاةَ مِنْ عِقَابِ النَّارِ أَوِ الْفَوْزَ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ هَذَا حَسَنٌ وَمَحْمُودٌ شَرْعًا، وَلَكِنَّهُ دُونَ مَرْتَبَةِ الْكَمَالِ الَّذِي هَدَى إِلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْمُؤْمِنُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ وَتَكْمِيلَهَا؛ لِتَكُونَ أَهْلًا لِلِقَاءِ اللهِ، وَمَحَلًّا لِمَرْضَاتِهِ وَثَوَابِهِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ، وَأَعْلَى الثَّوَابِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى، وَكَمَالُ الْعِرْفَانِ وَالْعِلْمِ بِهِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ بِرُؤْيَةِ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، بِلَا كَيْفَ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، وَقَدْ قَرَّبْنَا هَذَا الْمَعْنَى الْعَالِيَ فِي بَابِ الْفَتْوَى مِنَ الْمَنَارِ فَيُرَاجَعُ فِيهِ، وَلَعَلَّنَا نَعُودُ إِلَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ.
(مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ) أَيْ مَا عَلَيْكَ شَيْءٌ مَا مِنْ أَمْرِ حِسَابِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، لَا عَلَى دُعَائِهِمْ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الدِّينِيَّةِ - كَمَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صِلَةُ الْمَوْصُولِ - وَإِلَّا فَظَاهِرُ تَأْكِيدِ النَّفْيِ عُمُومُهُ. كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مَا مِنْ أَمْرِ حِسَابِكَ عَلَى أَعْمَالِكَ حَتَّى يُمْكِنَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى هَذَا أَوْ ذَاكَ طَرْدُكَ إِيَّاهُمْ بِإِسَاءَتِهِمْ فِي عَمَلِهِمْ أَوْ مُحَاسَبَتِكَ عَلَى عَمَلِكَ، فَإِنَّ الطَّرْدَ جَزَاءٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى عَمَلٍ سَيِّئٍ يَسْتَوْجِبُهُ، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِحِسَابٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ لَيْسُوا عَبِيدًا لِلرُّسُلِ وَلَا أَعْمَالُهُمُ الدِّينِيَّةِ لَهُمْ، بَلْ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى يُرِيدُونَ بِهَا وَجْهَهُ لَا أَوْجُهَ الرُّسُلِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَيْهِ تَعَالَى لَا عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا الرُّسُلُ هُدَاةٌ مُعَلِّمُونَ، لَا أَرْبَابٌ وَلَا مُسَيْطِرُونَ (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (٨٨: ٢١، ٢٢) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلرُّسُلِ حَقُّ السَّيْطَرَةِ عَلَى النَّاسِ وَمُحَاسَبَتِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الدِّينِيَّةِ

صفحة رقم 365

فَلَيْسَ لِلنَّاسِ عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَقُّ بِالْأَوْلَى، وَالْمَأْثُورُ عَنِ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُسَمَّى مُعَلِّمًا، وَأَنَّ أَتْبَاعَهُ فِي عَهْدِهِ كَانُوا يُسَمَّوْنَ تَلَامِيذَ. وَأَمَّا أَتْبَاعُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدِ اخْتَارَ لَهُمْ كَلِمَةَ الْأَصْحَابِ الدَّالَّةَ عَلَى الْمُسَاوَاةِ تَوَاضُعًا، عَلَى أَنَّ مِنْ أُصُولِ شَرِيعَتِهِ الْكَامِلَةِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَاوٍ فِي أَحْكَامِهَا لِسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يَجِبُ وَيُنْدَبُ وَيَحِلُّ وَيُحْرُمُ وَيُبَاحُ وَيُكْرَهُ إِلَّا مَا خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ الْخَاصَّةُ مِنْ قَبِيلِ مَا يَعْهَدُ النَّاسُ مِنِ امْتِيَازِ الْمُلُوكِ عَلَى الرَّعَايَا مِنْ أُمُورِ الْأُبَّهَةِ وَالزِّينَةِ وَالْعَظَمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالنَّعِيمِ، بَلْ هِيَ أَحْكَامٌ شَاقَّةٌ لَا يَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ بِهَا غَيْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَوُجُوبِ قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَيْهِ، وَكَوْنِ مَا يَتْرُكُهُ صَدَقَةٌ لِلْأُمَّةِ لَا إِرْثًا لِذَرِّيَّتِهِ، وَكَفَالَتِهِ عِدَّةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الْأَرَامِلِ أَكْثَرُهُنَّ مُسِنَّاتٌ يُسَاوِي بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ عَائِشَةَ الْجَمِيلَةِ الصُّورَةِ الْبَارِعَةِ الذَّكَاءِ فِي كُلِّ مَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ وَذَاتِ يَدِهِ (وَحِكْمَةُ تَعْدُدِهِنَّ قَدْ فَصَلْنَاهَا فِي تَفْسِيرِ آيَةِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ مِنْ أَوَّلِ " سُورَةِ النِّسَاءِ " [رَاجِعْ ص ٢٨٧ وَمَا بَعْدَهَا ج ٤ ط الْهَيْئَةِ] ثُمَّ زِدْنَاهَا بَيَانًا فِي الْمَنَارِ).
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْحِسَابُ عَلَى الرِّزْقِ إِذْ زَعَمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفَاءَ مَا آمَنُوا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ عِنْدَهُ رِزْقًا، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِصَادِقِينَ فِي إِيمَانِهِمْ فَكَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لَهُ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِ رِزْقِهِمْ وَلَا عَلَيْهِمْ مِنْ حِسَابِ رِزْقِكَ شَيْءٌ وَإِنَّمَا يَرْزُقُكُمُ اللهُ جَمِيعًا، وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا ضَعِيفٌ، وَإِنْ نُقِلَ
عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وَالْأَوَّلُ مَنْقُولٌ عَنْ عَطَاءٍ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَإِذَا صَحَّ أَنَّ كُبَرَاءَ الْمُشْرِكِينَ طَعَنُوا فِي إِيمَانِ ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ الْكَيْدَ؛ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَّ سَائِرِ الضُّعَفَاءِ عَنْهُ بِأَنَّ عَاقِبَتُهُمُ الطَّرْدَ وَالْإِبْعَادَ، كَمَا يَصُدُّونَ الْأَقْوِيَاءَ وَالْكُبَرَاءَ بِإِثَارَةِ الْحَمِيَّةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِبَعْضِ أُولَئِكَ السَّابِقِينَ الْكِرَامِ لِاحْتِقَارِهِمْ إِيَّاهُمْ، فَإِنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْعَهْدِ بِإِسْلَامِهِمْ، قَبْلَ أَنْ كَانَ مَا كَانَ مِنْ فِتْنَتِهِمْ، فَقَدْ فَتَنُوهُمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعَذَابِ لِيَرْجِعُوا إِلَى الشِّرْكِ كَالْجُوعِ وَالْحَبْسِ، وَالضَّرْبِ، بَلْ كَانُوا يَكْوُونَ بَعْضَهُمْ بِالنَّارِ كَمَا فَعَلُوا بِآلِ يَاسِرٍ، أَوْ بِوَضْعِهِمْ عُرَاةَ الْأَبْدَانِ عَلَى الرَّمْلِ الْمُحْمَّى بِهَجِيرِ الصَّيْفِ كَمَا فَعَلُوا بِبِلَالٍ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) جَوَابٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الطَّرْدِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ قَبْلَهُ: (فَتَطْرُدَهُمْ) فَهُوَ جَوَابٌ لِنَفْيِ الْحِسَابِ تَنْتَهِي بِهِ الْجُمْلَةُ الِاعْتِرَاضِيَّةُ الْمُعَلِّلَةُ لِعَدَمِ جَوَازِ الطَّرْدِ بِبِنَاءِ نَفْيِهِ عَلَى نَفْيِ سَبَبِهِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ جَوَازُهُ عَلَيْهِ. وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَطْفَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ إِيرَادَاتٍ أُجِيبَ عَنْهَا بِسُهُولَةٍ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ كَوْنَ الْأَوَّلِ جَوَابَ النَّهْيِ وَالثَّانِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وَأَوْرَدُوا عَلَيْهِ مَا لَا يُجَابُ عَنْهُ إِلَّا بِتَكَلُّفٍ. وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - لَا تَطْرُدْ هَؤُلَاءِ فَتَكُونَ بِطَرْدِكَ إِيَّاهُمْ مِنْ جِنْسِ الظَّالِمِينَ وَمَعْدُودًا فِي زُمْرَتِهِمْ ; لِأَنَّ طَرْدَهُمْ لَا يَكُونُ حَقًّا وَعَدْلًا إِلَّا إِذَا كَانَ جَزَاءً عَلَى إِسَاءَتِهِمْ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا لِمَنْ لَهُ حَقُّ حِسَابِهِمْ

صفحة رقم 366

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية