وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم } [ الأنعام : آية ٥٤ ].
وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة في هذين الحرفين ثلاث قراءات سبعيات : قرأه ابن عامر وعاصم : أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم بفتح همزة الحرفين، ووافقهما نافع في فتح الحرف الأول، وخالفهما فكسر الثاني، فقراءة نافع : أنه من عمل منكم سوءا بجهالة وقرأ : فإنه غفور رحيم فتحصل من هذا : أن ابن عامر وعاصما يفتحون الهمزة من ( أن ) في الحرفين، وأن نافعا يفتحها في الأولى ويكسرها في الثانية، وباقي السبعة يكسرها في الحرفين كتب ربكم على نفسه الرحمة إنه من عمل منكم ثم يقرؤون : فإنه غفور رحيم وكسر الحرفين قراءة بقية السبعة، وهم : ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم، هؤلاء كسروا الحرفين، وابن عامر وعاصم فتحوهما برواية أبي بكر شعبة وحفص معا، ليس عن عاصم إلا الفتح فيهما، ونافع فتح الأول وكسر الثاني، والباقي منهم – وهم : أبو عمرو، وابن كثير، والكسائي، وحمزة – كسروا في الحرفين.
هذه هي قراءة السبعة في هذين الحرفين.
ومعنى الآية الكريمة وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة جمهور المفسرين على أن المراد ب الذين يؤمنون بئاياتنا هم الفقراء، فقراء المؤمنين الذين طلب الكفار طردهم وإبعادهم وقت مجالستهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فجمع الله لهم بين ثلاثة أشياء تدل على عظم مكانتهم، وعظم منزلتهم عند الله ( جل وعلا )، وإن احتقرهم الكفرة الفجرة :
الأول : هو نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يطردهم.
وشهادة الله لهم بالإخلاص والعبادة حيث قال : يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه .
ونهى النبي عن طردهم : ولا تطرد الذين يدعون ثم في سورة الكهف أمره بالصبر معهم، وأن لا يقوم حتى يقوموا واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ونهاه أن يطيع الكفرة فيهم ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [ الكهف : آية ٢٨ ] ثم هنا أمره إذا جاؤوا أن يتلقاهم، ويسلم عليهم، ويخبرهم بسعة رحمة الله ( جل وعلا ) ؛ لتطمئن قلوبهم، ويسروا بذلك. وعلى هذا فالمعنى : وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا أي : وهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه إذا جاؤوك فقل سلام عليكم فابتدرهم وسلم عليهم.
وقوله : سلام عليكم فيه ثلاثة أوجه :
أشهرها : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يسلم عليهم مبتدئا إياهم بالسلام.
القول الثاني : فقل سلام عليكم أي من ربكم. وعلى هذا التفسير فالله يقرئهم السلام على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لما احتقرهم أعداء الله.
الوجه الثالث : أن السلام من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه رد لسلامهم عليه، وهذا لم يقم ما يدل عليه، فأشهرها : أن النبي أمر بالتسليم عليهم.
ومعنى سلام عليكم سلام هنا مبتدأ، و عليكم خبره، وإنما سوغ الابتداء به وهو نكرة : أنه مشم رائحة الدعاء، وقد تقرر في فن العربية : أن النكرة إن كان فيها معنى الدعاء بخير، نحو :( سلام )، أو بشر، نحو :( ويل لهم )، أنها يجوز الابتداء بها.
و سلام عليكم معناه : سلمكم الله من الآفات والمحذور.
وهذه تحية الإسلام، هي أكمل تحية وأفضلها ؛ لأن معنى ( السلام عليكم ) : سلمكم الله ( جل وعلا ) من الآفات ومما يؤذيكم. وهي أحسن من تحية الجاهلية الذين كانوا يقولون :( حياك الله ) ف ( السلام عليكم ) أفضل من ( حياك الله )، وإنما كانت أفضل منها لأن معنى ( السلام عليكم ) : سلمكم الله من كل ما يؤذي ومن جميع الآفات. ومعنى ( حياك الله ) لا تزيد ( حياك الله ) على معنى أطال الله حياتك ؛ وهذا الدعاء لا يستلزم الفائدة ؛ لأنه كم من إنسان تكون حياته ويلا عليه، ويكون يتمنى الموت. وما كل حياة مرغوبة ولا مرغوب فيها، بل رب حياة الموت خير منها، وهذا معروف في كلام العرب، وقد سمعتم بعض الناس من المتأخرين، وإن كان مثله يذكر للمثال لا للاستدلال يقول :
ألا موت يباع فأشتريه *** فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس حر *** تصدق بالوفاة على أخيه
***
فهذا الذي يطلب من يتصدق عليه بالموت لا يرغب في [ الحياة ] ( في الأصل :( الموت ) وهو سبق لسان ) فلو قلت له : " حياك الله " لقال لك – البعيد : " لا حياني الله " ! ! لأنه يرغب في الموت، بخلاف ( السلام عليكم ) فليس هذا معناه، ومن هذا المعنى قول الأعشى أو غيره في الأبيات التي اختلف في قائلها :
المرء يرغب في الحيا *** ة وطول عيش قد يضره
تفنى بشاشته ويب *** قى بعد حلو العيش مره
وتسوؤه الأيام حت *** ى ما يرى شيئا يسره
فمن كان بهذه المثابة لا خير له في الحياة.
وقوله في هذه الآية : كتب ر بكم على نفسه الرحمة ليس يمكن لأحد أن يلزم الله شيئا، ولكن الله يلزم نفسه ما شاء، ومعنى إلزامه : أن يخبر به، ووعده ( جل وعلا ) صادق لا يتخلف، فما وعد الله به فهو واجب الوقوع لازمه محتوم ؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ما يدل على أن الله ( جل وعلا ) : كتب في كتاب فهو عنده فوق عرشه : " إن رحمتي غلبت غضبي "، وسيأتي في قوله جل وعلا : ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون [ الأعراف : آية ١٥٦ ] فرحمة الله ( جل وعلا ) وسعت كل شيء، ولا يهلك على الله إلا هالك. ألا ترون ما يدل على نظائر كثيرة من هذا في القرآن ؟ تعلمون أنه لا أحد أشنع قولا من الذين قالوا : إن الله ثالث ثلاثة، ومع هذه الفرية العظمى، والوقوع في جناب الله ( جل وعلا ) بهذا الأمر الهائل العظيم، فالله مع هذا يستعطفهم ويتلطف بهم للتوبة أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم [ المائدة : آية ٧٤ ] ويأمر نبيه أن يخاطب الكفرة الفجرة قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف [ الأنفال : آية ٣٨ ] ومن أصرح ذلك : قل يا عبادي الذين أسرفوا هذا خطاب موجه بخصوص المسرفين على أنفسهم دون غيرهم، يقول لهم الله : لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا [ الزمر : آية ٥٣ ] فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من خالق السماوات والأرض أن يوجه هذا الخطاب العظيم لخصوص المسرفين يدل على سعة رحمة الله جل وعلا قل يا عبادي الذين أسرفوا لم يقل : " الذين آمنوا "، ولا " الذين أخلصوا ". خص به المسرفين على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا الآية ؛ ولذا قال : كتب على نفسه الرحمة [ الأنعام : آية ٥٤ ] على قراءة من قرأ : أنه بفتح ( أنه ) هنا، وهي في هذا الحرف قراءة ابن عامر، وعاصم، ونافع. فالمصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها يعرب بدلا من الرحمة. والمعنى : كتب ربكم على نفسه الرحمة. معنى هذه الرحمة : هي غفرانه لمن عمل منكم سوءا. فقوله : أنه من عمل منكم سوءا مفسر لتلك الرحمة مبين لها، فهو بدل منها، وعلى قراءة من قرأ : إنه من عمل منكم سوءا فهو على الاستئناف، قطع مما قبله، وكان مستأنفا، و ( إن ) إذا كانت في ابتداء الجمل الاستئنافية كسرت. والضمير في ( إنه ) ضمير الشأن.
وقوله : من عمل منكم سوءا بجهالة قال بعض العلماء : من عمل هنا شرطية، وجوابها مقترن بالفاء. وقال بعضهم : هي موصولة، والمبتدأ إذا كان موصولا اقترن خبره بالفاء، كما قدمناه مرارا.
وقوله : من عمل منكم سوءا السوء : هو كل ما يسوء صاحبه إذا رآه في صحيفته.
والأعمال قد دل الكتاب والسنة على أنها أربعة أنواع، كلها إذا عملها الإنسان على غير الوجه المشروع كان عاملا سوءا، والله ( جل وعلا ) يقول : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا [ آل عمران : آية ٣٠ ] أي : لكراهتها إياه.
العمل على أربعة أنواع، هي التي إذا عملها الإنسان على غير الوجه المشروع كان عمله عمل سوء :
منها : فعله – المعروف – الزنى والسرقة.
الثاني : فعل اللسان، فهو عمل، والدليل على أن قول اللسان من الأفعال : أن الله صرح أن قول اللسان من الأفعال في سورة [ الأنعام ] ( في الأصل :( الأعراف ) وهو سبق لسان. )، في قوله جل وعلا : زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه [ الأنعام : آية ١١٢ ] فأطلق على زخرف القول اسم ( الفعل )، فدل على أن قول اللسان فعل. هذان قسمان : الفعل – المعروف – بأحد الجوارح، وفعل اللسان.
الثالث : العزم المصمم ؛ لأن عزم الإنسان المصمم دلت السنة الصحيحة على أنه من الأفعال السيئة التي تدخل صاحبها النار، والدليل على ذلك : ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة ( رضي الله عنه ) : " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " قالوا : يا نبي الله قد عرفنا القاتل، فما بال المقتول ؟ قال : " إنه كان حريصا على قتل صاحبه ". فقولهم : ما بال المقتول ؟ سؤال من الصحابة واستفهام عن إبراز السبب الذي دخل به المقتول النار، فبين النبي صلى الله عليه وسلم جوابا مطابقا للسؤال أن حرصه وعزمه المصمم على قتل أخيه هو السبب الذي أدخله النار. أما الهم الذي لم يكن عزما مصمما، فليس من الأفعال، كما قال جل وعلا : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا [ آل عمران : آية ١٢٢ ] وإتباعه لذلك بقوله : والله وليهما دل على أنه هم لم يستقر، ولم يكن عزما مصمما حتى يعد من الأفعال، ومن ذلك الهم الذي ليس من العزم المصمم الذي هو من الأفعال ما في الحديث : " وإذا هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة " / وإنما كتبت له حسنة ؛ لأنه تركها لوجه الله ( جل وعلا )، فكان تركه إياها امتثالا لأمر الله، وكانت بذلك حسنة، كما قال تعالى : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى [ النازعات : الآيتان ٤٠ ٤١ ].
الرابع هو الترك، والترك من الأفعال الحقيقية، فهو فعل على التحقيق، وإن خالف فيه من خالف، فمن ترك الصلاة حتى ضاع وقتها فقد عمل بهذا الترك سيئا يدخل به النار، وكان ابن السبكي في بعض تآليفه في الأصول يقول : طالعت كتاب الله لأجد فيه آية تدل على أن الترك فعل فما وجدت فيه شيئا يدل على أن الترك فعل إلا شيئا يفهم من آية في سورة الفرقان هي قوله : وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرءان مهجورا [ الفرقان : آية ٣٠ ] قال : الاتخاذ أصله من الأخذ، والأخذ : التناول. فقال : تناولوه مهجورا. فدل على أن الهجر فعل.
ونحن نقول : إنا باتباع كتاب الله وجدنا آيات صريحة من كتاب الله تدل بصراحة لا شك فيها على أن الترك من الأفعال، منها : آيتان في سورة [ المائدة ] ( في الأصل :( الأنعام ) وهو سبق لسان )، ذكرناهما فيما مضى، إحداهما قوله تعالى : لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون [ المائدة : آية ٦٣ ] فسمى عدم نهيهم وتركهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سماه :( صنعا )، والصنع أخص من مطلق الفعل، ومنه قوله تعالى في المائدة أيضا : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير