المعنى الجملي : هذا خطاب وجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسلية وتثبيتا له على الصبر على دعوته بتذكيره بما في قصص أولئك الرسل مع أقوامهم من وجوه العبر والمواعظ، وبيان أن ما يلاقيه منهم من ضروب العناد والاستكبار والإيذاء ليس بدعا بين الأمم، بل ذلك طريق سلكه كثير من الأمم المجاورة لهم كعاد وثمود وأصحاب الأيكة وغيرهم ممن تقدم ذكرهم، وقصصهم يدور على ألسنتهم بحكم الجوار لهم وطروق أرضهم في حلهم وترحالهم في رحلتي الشتاء والصيف.
تفسير المفردات : العهد : الوصية : والوصية تارة يراد بها إنشاؤها وإيجادها، وأخرى يراد بها ما يوصي به، ويقال عهدت إليه بكذا أي وصيته بفعله أو حفظه، وهو إما أن يكون بين طرفين وهو المعاهدة، وإما من طرف واحد بأن يعهد إليك بشيء أو تلزم بشيء، والميثاق : هو العهد الموثق بضرب من ضروب التوكيد.
وقال الراغب : عهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به في الكتاب وألسنة رسله، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها اه.
والفسوق : الخروج عن كل عهد فطري وشرعي بالنكت والغدر وغير ذلك من المعاصي، ووجدنا الأولى بمعنى : ألفينا. والثانية بمعنى : علمنا.
الإيضاح : وما وجدنا لأكثرهم من عهد أي وما وجدنا لأكثر أولئك الأقوام عهدا ما يفون به سواء كان عهد الفطرة التي فطر الله الناس عليها إذ قد فطر الله أنفس البشر على الشعور بسلطان غيبي فوق جميع القوى، وعلى إيثار الحسن واجتناب غيره وعلى حب الكمال وكراهة النقص أم كان العهد الذي أخذه ربه عليهم وهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو، وأقروا بذلك وشهدوا على أنفسهم به وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم وعبدوا معه غيره بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع، وقد جاء في صحيح مسلم :( يقول الله : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ) وفي الصحيحين :( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ).
وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين أي وإننا وجدنا أكثرهم خارجين على كل عهد فطري وشرعي وعرفي، فهم ناكثون غادرون للعهود مرتكبون أفانين المعاصي.
وفي التعبير بالأكثر إيماء إلى أن بعضهم قد آمن والتزم كل عهد عاهده الله عليه أو تعاهد عليه مع الناس.
وهذا من دأب القرآن في تحقيق الحقائق على وجه الصدق بحيث لا تشوبها شبهات المبالغة بما يسلب أحدا حقه أو يعطي أحدا حق غيره.
تفسير المراغي
المراغي