ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ١٠٢ [ الأعراف : آية ١٠٢ ].
( ما ) : نافية. وصيغة الجمع في ( وجدنا ) للتعظيم، و ( وجد ) هنا علمية. والمعنى : ما وجدنا ما علمنا. ومعلوم أن ( وجد ) في اللغة من أخوات ( علم ) وهذا أظهر الأقوال فيها هنا. وما وجدنا لأكثرهم أي : لأكثر الأمم السابقة. وقال بعض العلماء : لأكثر الخلق ما وجدنا لهم من عهد ( من ) دخلت على المفعول به، فالأصل : ما وجدنا لهم عهدا. ولكن ( من ) إذا دخلت على النكرة في سياق النفي نقلتها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم.
والعهد : هو ما تجب المحافظة عليه والوفاء به. والأصل : ما وجدنا لأكثرهم عهدا.
ويفهم من قوله : لأكثرهم أن هنالك عددا قليلا لهم عهد. وهذا هو ظاهر الآية ؛ لأن الذين هم الأكثر لا عهد لهم.
ثم قال : وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ( إن ) هذه وهذه ( اللام ) فيها خلاف معروف بين البصريين والكوفيين، المذهب المشهور عند علماء العربية وهو مذهب البصريين أن ( أن ) مخففة من الثقيلة، وأنها مهملة، وإن ( اللام ) فارقة بين ( أن ) المخففة من الثقيلة، وبين ( إن ) النافية، ولا يكاد هذا يوجد إلا مع الناسخ كما هنا ؛ لأن ( وجد ) ك ( علم ) وغيرها من أفعال القلوب.
ومذهب الكوفيين يقولون : إن ( إن ) نافية، و( اللام ) بمعنى ( إلا ). وهو غريب. والمعنى عندهم : وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين.
والناس على ارتضاء مذهب البصريين دون مذهب الكوفيين في هذه.
وقوله : وما وجدنا لأكثرهم من عهد [ الأعراف : آية ١٠٢ ] بين الله في هذه الآية الكريمة أن أكثر الناس لا عهد لهم –والعياذ بالله- لأن من لاعهد له لا خير فيه ؛ لأن كل التكاليف عهود. ومن لا يفي بعهد لا يطيع الله في شيء، وقد جاءت آيات قرآنية كثيرة تبين أن أكثر الخلق لا خير فيهم كقوله : ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون [ غافر : آية ٥٩ ] بل أكثرهم لا يؤمنون [ البقرة : آية ١٠٠ ] وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ١٠٣ [ يوسف : آية ١٠٣ ] إن في ذلك لآية وما أكثرهم مؤمنين ٨ [ الشعراء : آية ٨ ] وقد ضل قبلهم أكثر الأولين ٧١ [ الصفات : آية ٧١ ] إلى غير ذلك من الآيات.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نصيب الجنة من الألف واحد، وأن نصيب النار من الألف تسع وتسعون وتسعمائة. وما شق ذلك على أصحابه صلى الله عليه وسلم أخبرهم بكثرة الكفار، وأنه يمكن أن يكون من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد، وهذا يدل على أن أكثر الخلق ضلال وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك [ الأنعام : آية ١١٦ ] وأهل الهدى قلة، وهذا قضاء الله وقدره في الجميع. وهذا معنى قوله : وما وجدنا لأكثرهم من عهد [ الأعراف : آية ١٠٢ ].
هذه الآية فيها سؤال معروف : وهو أن يقال : إن أكثر الكفار لهم عهد، ولكن لا يوفون بهذا العهد، والعهد على قسمين : عهد موفي به، وعهد ينقض، والمذموم هو العهد الذي ينقض به، والممدوح هو الذي يوفي به، فبعض العلماء يقول : إن معنى وما وجدنا لأكثرهم من عهد أن الذي ينقض العهد تقول العرب : لا عهد له. فالذي لا وفاء له وكأنه لا عهد له ؛ ولذا قال : وما وجدنا لأكثرهم من عهد وهذا لا يتعين، وقد يظهر للناظر في الآية أن فيها حذف الصفة، وهو في نظري أقرب مما يذكرون، أن فيها حذف الصفة إذا دل المقام عليها أسلوب معروف واضح في القرآن العظيم وفي غيره لا لبس فيه. وعلى هذا المعنى : وما وجدنا لأكثرهم من عهد [ الأعراف : آية ١٠٢ ]. أي : ما وجدنا لهم من عهد موفي به. أي : ما وجدنا لهم من عهد يحصل فيه الوفاء خاصة. أما العهد المنقوض فقد يوجد لكل من الفجرة. وهذا الوجه ظاهر لا خفاء به، ونظيره في القرآن قوله تعالى : وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا [ الكهف : آية ٧٩ ] والمعنى : يأخذ كل سفينة صحيحة صالحة ؛ لأنه لو كان يأخذ السفينة التي خرقت لما كان خرق الخضر لتك السفينة فيه فائدة ؛ لأن الخضر صرح بأنه خرقها لتتعيب بذلك الخرق، ويكون ذلك سببا لسلامتها من غصب ذلك الملك لها ؛ ولذا قال : كل سفينة وظاهره يعم المخروقة وغيرها، فالصفة محذوفة دل المقام عليها.
ونظيره قوله : وإن من قرية إلا نحن مهلكوها [ الإسراء : آية ٥٨ ] يعني : من قرية ظالمة، بدليل قوله : وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون [ القصص : آية ٥٩ ] وحذف النعت موجود في كلام العرب بكثرة، وإن قال ابن مالك في خلاصته : إنه يقل. فهو كثير في كلام العرب. ومن أمثلته في كلامهم : قول المرقش الأكبر :

ورب أسيلة الخدين بكر مهفهفة لها فرع وجيد
فقول المرقش الأكبر :( لها فرع وجيد ) يعني : لها فرع فاحم وجيد طويل. فحذف الصفة لدلالة المقام عليها. ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي :
من قوله قول، ومن فعله فعل، ومن نائله نائل
يعني : من قوله قول فصل، ومن فعله فهل جميل، ومن نائله نائل جزل. فحذف النعوت لدلالة المقام عليها، ومن هذا القبيل قول الآخر :
أكل امرئ تحسبين امرأ ونار توقد بالليل نارا
يعني : كل امرئ تحسبينه امرأ طيبا له شأن، وكل نار تحسبينها نارا. يعني : نارا موقدة للقرى. فحذف الأوصاف لدلالة المقام عليها كما هو معلوم في محله.
قوله : وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين [ الأعراف : آية ١٠٢ ] ( إن ) مخففة من الثقيلة، والتقدير : وإنه، أي الأمر والشأن وجدنا أكثر الناس لفاسقين، ( اللام ) هي الفارقة على التحقيق بين المخففة من الثقيلة والنافية، كما هو معروف في محله.
والفاسقون : جمع تصحيح للفاسق، والفسق في لغة العرب : الخروج، فكل من خرج عن طريق فقد فسق، ومنه قول الراجز :
يهوين في نجد وغورا غائرا فواسقا عن قصدها جوائرا
أي : خوارج عن قصدها الذي تمشي عليه. هذا أصل الفسق في لغة العرب، ومنه قولهم : فسقت الرطبة. أي خرجت. وهو في اصطلاح الشرع : الخروج عن طاعة الله. كما قال تعالى : فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه [ الكهف : آية ٥٠ ] أي : خرج عن طاعة ربه والخروج عن طاعة الله قد يكون أعظم أنواع الخروج وهو الكفر، وقد يكون خروجا دون خروج وهو المعاصي، ومن هنا أطلق في القرآن الفسق على الكفر والمعاصي. فمن إطلاقه على الكفر قوله : وما يضل به إلا الفاسقين [ البقرة : آية ٢٦ ] ومن إطلاقه على المعاصي دون الكفر : إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا [ الحجرات : آية ٦ ] وهذا معنى قوله : وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين [ الأعراف : آية ١٠٢ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير